غزة 1957: ستون سنة على عام قسوة الشتاء والتدويل

في سيرته الذاتية "إبحار بلا شطآن" يتحدث الشاعر الفلسطيني – الغزي هارون هاشم رشيد عن قسوة شتاء مطلع عام 1957: "وكان الشتاء شديدًا لم تشهد له غزة مثيلًا"، ببرده الذي ظلَّ ينهش لحم الغزيين...

غزة 1957: ستون سنة على عام قسوة الشتاء والتدويل

غزّة، 1957 (آرشيفيّة - Getty)

ليس في واقع الحال ما يسمح بالمقارنة بين أحوال قطاع غزة ما بعد احتلاله مدة ستة أشهر على أثر العدوان الثلاثي على مصر والقطاع في تشرين الثاني/نوفمبر 1956، وبين ما طاول القطاع من كلفة إبادته وأهله في عامي الحرب الأخيرين، لناحية عدد الضحايا الشهداء وحجم تدمير حياة القطاع. إلا ما يمكن مقاربته عن شتاء ما بعد العدوان الثلاثي مع مطلع عام 1957 وقسوته على غزة وأهلها في ظل مساعٍ سياسية - دولية لتدويل القطاع حينه. تمامًا مثلما هو اليوم قطاع غزة، وقد غدا قطعة من الحُطام والخيام في مهب ريح شتاء كانون، ورياح الوصاية والتدويل.

في سيرته الذاتية "إبحار بلا شطآن" يتحدث الشاعر الفلسطيني – الغزي هارون هاشم رشيد عن قسوة شتاء مطلع عام 1957: "وكان الشتاء شديدًا لم تشهد له غزة مثيلًا"، ببرده الذي ظلَّ ينهش لحم الغزيين في الوقت الذي كانت تنزف فيه دماؤهم فوق رمال غزة المدينة وخان يونس والمخيمات بفعل رصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي للقطاع وقتها. زخ مطر وزخات رصاص على مدار الساعة، فيما كان بيرنز قائد قوات الطوارئ الدولية الطارئ على القطاع يستعد لإدارة شؤونه بعد الحرب.

من نحو أسبوعين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيله "مجلس السلام" في غزة بتشكيلته الدولية – الوصائية. "سيكون مذهلًا"، يقول ترامب في آخر تصريح له عن مجلس سلامه الذي سيرأسه بنفسه ومعه شلة من قراصنة الاستثمار بدماء الشعوب، أمثال توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ووزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو، وستيف ويتكوف مبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط، وصهر العائلة والوسيط جاريد كوشنر وقائمة تطول تريد "إحياء" غزة بعد أن دعمت إبادتها، حتى نتنياهو أعلن مؤخرًا انضمامه لمجلس "سلام" غزة. ولم يغلق ترامب قوس العضوية في مجلس سلامه في غزة، بل ظلَّ مفتوحًا يدعو ترامب انضمام زعماء وقادة الدول إليه، كما لو أنها دعوة لحفل شاي مفتوح.

وغزة المنكوبة والمتروكة تبحث عن ملتقطٍ لنفس تستعيد فيه الحياة، فإن لجنة تكنوقراط فلسطينية، كهيئة ملحقة بمجلس السلام، شُكّلت أيضًا من 15 شخصية فلسطينية يرأسها وزير ونائب فلسطيني سابق، مهمتها إدارة القطاع مؤقتًا على مستوى استعادة الخدمات العامة، وإعادة بناء المؤسسات المدنية، وتحقيق الاستقرار تحت إشراف المجلس. كل ذلك ضمن مسار خلق مناخ إنهاء حرب لم تنتهِ على غزة فعليًا، لأن المهم ما يزال بم تفعله وتنوي فعله إسرائيل التي تحكم قبضتها بخناق القطاع.

ليست هذه المرة الأولى التي يجري فيها تدويل ملف قطاع غزة، وإن كان لم يسبق لغزة وأهلها أن تعرضا لإبادة مثلما يتعرضان. ففي مقالة بعنوان "انتبهوا لا يزال وطننا في خطر" نشرها حمدي الحسيني ابن مدينة غزة في جريدة "غزة" يوم 14 آب/أغسطس 1957، أي بعد نحو خمسة أشهر على انسحاب الجيش الإسرائيلي وانتهاء احتلاله لقطاع غزة الذي دام مدة ستة أشهر ما بين أواخر تشرين الأول/أكتوبر 1956 ومطلع آذار/مارس 1957، ينبه فيها الحسيني من خطر مكافأة الأمم المتحدة الاحتلال على انسحابه بزرع قوات دولية على حدود الهدنة ما بين إسرائيل ومصر في القطاع. وذلك تحت ذريعة مهمة المحافظة على السكينة – السلام اليوم – التي أوكلت لقوات الطوارئ الدولية من قبل الأمم المتحدة خلال فترة انسحاب جيش "الدفاع" الإسرائيلي وبعدها كما صرّح قائد قوات الطوارئ الدولية بيرنز في أول منشور له عممه على أهالي القطاع وقتها.

وكان مما ورد في منشور بيرنز في حينه: "وإلى أن يتم اتخاذ تدابير أخرى، أخذت قوة الأمم المتحدة للطوارئ على عاتقها مسؤولية الشؤون المدنية في قطاع غزة". ما لم يقله ضابط قوات الطوارئ في منشوره وقتها، هو مهمة قواته جمع السلاح من أيدي الغزيين. وترامب أوضح اليوم في مساعي مجلسه للسلام من بيرنز وقوات طوارئه للسكينة وقتئذ، فهو أي ترامب، أبو الأمم الذي لم يعد يكترث لفكرة وجود اتحاد للأمم من أصله.

ينهي حمدي الحسيني مقالته محذرًا: "أجل إن مشروع التدويل يترصد هذا القطاع... ولا نبالغ إذا قلنا إن تدويل هذا القطاع معناه تقديم القطاع لقمة سائغة إلى إسرائيل، وبهذا يكون قد ضاع إلى الأبد...". لكن تنبيه الحسيني في مقالته لم يكن ليسبق حناجر وقبضات الغزيين الذين تنبهوا لمشروع تدويل القطاع وتنطعوا رافضين إياه هناك في غزة، وفي أيام النزول اليومي إلى شارع عمر المختار على مدار أيام الأسبوع الثاني من آذار/مارس 1957 غضبًا واحتجاجًا على دخول قوات الطوارئ الدولية.

وقتها كانت غزة قد تحولت إلى قطاع يخضع للحكم المصري منذ ما بعد نكبة عام 1948، وقد انسحب الجيش المصري من القطاع مع العدوان الثلاثي الذي شنته كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر الناصرية بما فيها غزة في حرب اتصلت بتأميم قناة السويس. انتهى العدوان على مصر في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1957 أي بعد أيام من اندلاعه، بينما غزة ظلت تجابه الاحتلال الإسرائيلي وقواته ستة أشهر.

انسحب جيش الاحتلال من غزة في يوم السابع من آذار/مارس 1957 بعد ستة أشهر أدمت غزة والغزيين، وقد وثق الطبيب المصري أحمد شوقي الفنجري شهادته على تلك الأحداث في كتاب سيرته عن تجربته كطبيب في القطاع ما بين 1953 و1957 وعنوانه "إسرائيل كما عرفتها": ممارسات جيش الاحتلال طوال الستة أشهر، من قتل أطباء، واغتصاب نساء وإعدامات ميدانية للأسرى، وتفخيخ لألعاب أطفال الغزيين، ومجازر ما كان ليُكشف عن مقابرها الجماعية لولا شتاء ذلك العام، وقد فضحت سيول أمطار مطلع آذار/مارس 1957 وكشفت عن مئات جثث الشهداء الغزيين والمصريين الذين قتلهم ودفنهم جيش الاحتلال بقبور جماعية في رمال القطاع.

يروي عبد الرحمن عوض الله في سيرته "من فيض الذاكرة" نضال الغزيين ضد احتلال القطاع في حرب العدوان الثلاثي، ثم نضالهم ضد سياسة اليوم التالي على خروج جيش الاحتلال مع دخول قوات الطوارئ الدولية للقطاع يوم الثامن من آذار/مارس 1957. وقد أشار عوض الله إلى القوى السياسية المحلية في القطاع، الوطنية والقومية واليسارية كذلك بما فيها الحزب الشيوعي الذي كان ينتسب إليه عوض الله نفسه ودورها في تفعيل الشارع الغزي وتنبيهه من دخول قوات الطوارئ الدولية للقطاع. وذلك في الوقت الذي رحبت فيه قوى اجتماعية محلية من أعيان وتجار غزة ومعهم بعض المحسوبين على تيار الإخوان المسلمين بالتدويل على حد ما يقول عوض الله، حيث رفض كل من بعض زعماء العائلات الغزية التقليدية أو الأغوات كما كان يطلق عليهم في حينه، والتجار وبعض الإسلاميين إقامة جبهة وطنية واسعة في القطاع تقف ضد تدويله.

إلا أن لسليم الزعنون في مذكراته "السيرة والمسيرة" رأيًا آخر، لناحية دور ما عُرف بـ"جمعية التوحيد" التي اعتبرت امتدادًا لتنظيم الإخوان المسلمين بعد حل هذا الأخير في غزة من قبل السلطات المصرية بعد نكبة عام 1948 مباشرة، أساسًا كان انبثاق حركة فتح في غزة متصل بجمعية التوحيد الإسلامية، أشار الزعنون إلى دورها في مجابهة احتلال القطاع على أثر العدوان الثلاثي، ودورها في تأسيس المقاومة الشعبية للاحتلال في غزة، ورفضها بعد انسحاب جيش الاحتلال دخول قوات الطوارئ الدولية وتدويل القطاع في مطلع آذار/مارس 1957.

و"تحت وقع أقدام سبعين ألفًا من جماهير شعبنا وقواها الوطنية التي انطلقت في تظاهرات عارمة ضد التدويل"، يقول عبد الرحمن عوض الله، كان ذلك في يوم الثامن من آذار/مارس 1957 وقد استمر شارع عمر المختار يغلي على مدار أسبوع إلا أن ارتقى محمد علي مشرف، شهيد رفض تدويل القطاع الوحيد في غزة وقتها، وبرصاص قوات الطوارئ الدولية نفسها كما يؤكد كل من عوض الله والزعنون في مذكراتهما. ارتقى محمد مشرف في واحدة من كبرى المظاهرات الغزية ضد التدويل أثناء صعوده دار سرايا مدينة غزة محاولًا زرع العلمين الفلسطيني والمصري عليها، تأكيدًا على مطلب الغزيين بعودة الحكم العربي على القطاع. وبدمه فوق قبضات الغزيين وحناجرهم تهتف لعبد الناصر وعروبة القطاع، كتب محمد مشرف تاريخ رفض تدويله. لتنسحب قوات الطوارئ الدولية من غزة صبيحة يوم الرابع عشر من آذار/مارس 1957 وقد حمل الغزيون محمد حسن عبد اللطيف الحاكم المصري الإداري للقطاع على الأكتاف مرحبين به ترحيب عودة غزة لحضنها الوطني – العربي ورفضًا للتدويل. غير أن فصلًا آخر من فصول سردية نضال غزة كان في انتظارها.

في حينه كان للغزيين تطلعات سياسية، رغم وحشية احتلال القطاع ومحاولات تدويله، ورغم وجود قوى محلية اجتماعية تصالحت مع فكرة التدويل، وكذلك رغم قسوة شتاء عام التدويل. لم يختلف الكثير، غير أن غزة تعبت، للحد الذي صار فيه الغزي يرى بالتدويل عبر مجلس "سلام" ترامب اليوم ربما فرصة بالنجاة من ثقل الإبادة والخذلان.

التعليقات