الرز في فلسطين: عن الوجه البحري من حكايته (2/2)

لم يحمل الرز في ظل ندرته منذ أوائل القرن العشرين وحتى سبعينياته، تلك الدلالة المتصلة ببشرى الخير والوفرة فحسب، إنما ظل الرز من سائر حبوب الطعام يمثل علامة فارقة على الهوة الاجتماعية والفوارق الطبقية...

الرز في فلسطين: عن الوجه البحري من حكايته (2/2)

ميناء يافا، عشرينات القرن الماضي (أرشيفيّة - Getty)

(هذه المادة هي الثانية من جزءين عن ذاكرة الرز في فلسطين ننشرها تباعًا).


في الوقت الذي كانت تُغيَّب فيه سيرة أرز النهر مشتولًا بأحواض ماء الغور شرقًا، كانت حكايته البحرية تنبعث محمولةً من مصر عبر المتوسط إلى ساحل البلاد غربًا. من دمياط إلى عكا بحسب ما تروي المصادر منذ القرن السابع عشر وربما أبكر من ذلك. ففي إقامته على جبل الكرمل حيث مقر ومقام أمير الإمارة الحارثية محمد طراباي سنة 1664، يشير التاجر والرحالة الفرنسي لوران دارفيو في رحلته المعنونة بـ"الحياة على جبل الكرمل – حيفا: رحلة الفارس لوران دارفيو إلى الإمارة الحارثية الفلسطينية في حيفا سنة 1664" إلى مطبخ الأمير طراباي في خيام ضيافته الذي تميز بطهي الرز بالمرق "اليخاني"، كما أشار كذلك إلى مطبخ مسيحيي أم الزينات على سفح الكرمل الجنوبي، وقد كانت قرية مسيحية في حينه، الذي داوم أهلها على تقديم الرز مع السمك ومشروب العرق.

عبر البحر من دمياط مصر

كانت ملاحظة دارفيو عن رز مطبخ الأمير الحارثي من أبكر الإشارات الموثقة عن تقديم الرز طعامًا وطبقًا بذاته، خصوصًا مع اليخاني بوصفه طعامًا وطبقًا أميريًا، يقدمه مطبخ الأمير لضيوف وزوار هذا الأخير. كان رز ساحل فلسطين دخيلًا عليها مستوردًا من مصر بحسب ما تروي المصادر عن تلك المرحلة من بدايات التاريخ العثماني، فهذا قسطنطين فرانسوا فولني الرحالة الفرنسي في كتاب رحلته "رحلة فولني إلى مصر وسوريا 1783-1785" وقد أقام ما يقارب ثلاث سنوات متنقلًا ما بين مصر وبلاد الشام، يروي عن نقل الرز الدمياطي – نسبة إلى دمياط مصر – وشحنه عبر سفن من نوع "القياسية" من سواحل دمياط إلى ميناء عكا "وفيها حمولة أرز للشيخ ظاهر..." يقول فولني عن استيراد الأمير الزيداني ظاهر العمر للرز المصري في ظل إمارته (1725-1727) على عكا والجليل. وقد أشار فولني كذلك إلى استيراد رز دمياط مصر في ميناء يافا في ثمانينيات القرن التاسع عشر.

كان الرز أول وأكثر ما أثار شهية القراصنة القبارصة – نسبة إلى قبرص – على فعل القرصنة وقطع طريق البحر على سفن دمياط المتجهة إلى عكا محملةً بالرز بحسب ما يروي فولني عن تكرر اعتراض القراصنة لها. فكل سردية صراع ساحل فلسطين مع القراصنة القبارصة في المتوسط في حينه قد اتصلت بالرز. بعد نحو قرن أو أقل، وتحديدًا في خمسينيات القرن التاسع عشر، ستزور الرحالة الإنجليزية ماري إليزا روجرز البلاد في رحلة وثقتها بعنوان "الحياة في بيوت فلسطين..." وقد هيمن الرز طعامًا على موائد بكوات مدن فلسطين ومفارش شيوخ عشائر أريافها. بحسب ما تصف روجرز الرز مطبوخًا بنكهته ولونه المصفر في سدور نحاسية تقدم على شرف الضيوف والزوار، ما يُحيل إلى تطور طبخ الرز في فلسطين إلى حد حشو الخروف بمتمته بالرز واللحم المفروم كما تقول.

مع مطلع القرن التاسع عشر، ستغدو يافا بمينائها على المتوسط موردًا أساسيًا لاستيراد الرز المصري مُحمّلًا بالخيش عبر البحر، وقد غدا للمدينة تُجّارها اليافيون الذين امتهنوا تجارة الرز. كانت يافا تستورد الرز، وتورده بدورها من الساحل إلى الداخل وصولًا إلى دمشق. لم يكن محمل الحج من الشام إلى البيت الحرام في موسمه السنوي، والذي كانت دمشق نقطة انطلاقه، ينطلق منها قبل إتمام حمولته من الرز بما يكفي حجاج المحمل في رحلتهم إلى الحجاز، وذلك بعد حمله من يافا في الساحل إلى الداخل عبر طريق الحوارنة عند طبريا، ومن هذه الأخيرة معبأً بالخيش على ظهر الجمال إلى دمشق الشام بأمرٍ من واليها.

ومثلما كان الرز محمولًا عبر البحر فرصة لقرصنته وقطع الطريق عليه، فإن حمله مع محمل الحج من الشام إلى الحجاز برًّا كان بمثابة دعوة لبدو العشائر من أجل قطع طريقه أيضًا إلى حد قُدِّم فيه الرز إتاوةً لشيوخ العشائر المقيمة على طريق المحمل. غير أن لعلاقة رز يافا بمحمل حجاج الشام وواليها حكاية ظلت تسترخي في ذاكرة التجّار اليافيين تعود إلى عام 1801 من أيام يافا أبو مرق

رز الوالي وأبو مرق

تعود حكاية رز عام 1801 إلى ذلك التقليد الذي كان متبعًا بين تجّار حبوب يافا ووالي دمشق في موسم تجهيز قافلة محمل الحج من كل عام. إذ اقتضت العادة بأن يدفع تجّار يافا ضريبة عن الرز المستورد لوالي دمشق لتموين قافلة المحمل، مقدارها ثلاثة قروش عن كل إردب من رز استوردوه من مصر عن طريق ميناء يافا. حيث كان يزود تجّار حبوب يافا، خصوصًا تجّار الرز المصري المستورد، قافلة محمل الحج الشامي بكميات من الرز وصلت إلى 350 إردبًا كل عام، مع العلم أن يافا لم تكن وقتئذ ضمن نطاق ولاية والي دمشق، إنما للمدينة كان حاكمها الرسمي الخاص فيها هو محمد أبو المرق.

كان مندوب والي دمشق الموفد إلى يافا يأخذ ضريبة الرز من تجّار المدينة، ليشتري بعائداتها كمية الرز المطلوبة لقافلة محمل الحج وفق أسعار السوق المتداولة في حينه، وإذا احتاج إلى كميات أكبر اشتراها من تجّار المدينة بالسعر نفسه. إلا أن عبد الله باشا والي دمشق قد كسر في ذلك العام العرف المتبع، بأن طلب من تجّار يافا تزويد قافلة محمل الحج بكمية الرز كاملة في مقابل الضريبة التي من المفترض أنهم دفعوها خلال العام، أي أن يدفعوا الضريبة رزًا وليس مالًا كما جرت العادة، مما اعتبره تجّار يافا طلبًا مجحفًا بحقهم.

وقد وثق المؤرخ الفلسطيني محمود يزبك تلك الحادثة في كتابه "مدينة البرتقال يافا: حضارة ومجتمع..." مورِدًا يزبك رسائل والي دمشق التي توعد فيها تجّار يافا إذا لم يلبوا طلبه. وغير أن تلك الرسائل تتضمن تهديد الوالي وتوعده تجّار يافا، إلا أنها تتضمن كذلك الرز وكمياته ومكاييله، وأدوات تعبئته بالخيش، وحمله على الجمال، حيث أبلغ والي دمشق تجّار رز يافا في إحدى رسائله إرساله أربعمائة جملًا لحمل ونقل الرز المطلوب لمحمل الحج. فضلًا عن أن الرسائل تتضمن معلومات عن خريطة سير الرز من فلسطين إلى دمشق عبر خانات وقلاع الطرق مثل قلعة المزيريب جنوبي الجولان. مما يعطي القارئ صورة عن الوجه البحري لحكاية الرز قادمًا عبر البحر من مصر إلى فلسطين في يافا وصولًا إلى الشام.

اشتكى تجّار يافا وقتها لحاكم مدينتهم الرسمي محمد أبو المرق بحسب ما يروي محمود يزبك في كتابه، وقد انحاز أبو المرق لتجّار مدينته ضد عبد الله باشا والي دمشق، وقد رفع أبو المرق بدوره كتابًا إلى الصدر الأعظم الذي كان قد نزل القاهرة في تشرين الثاني/نوفمبر 1801. وقد صدر فرمانًا سلطانيًا متصلًا بأزمة الرز في يافا يقول "صدر فرمان سلطاني وحكم منيف خاقاني إلى المشار إليه (والي دمشق) وإلى النائب (بيافا) والكمركجي مضمونه السامي أن الإحداث (الضريبة المستحدثة/الأرز عينًا) على الفقراء والضعفاء وديعة الله لا تجوز.... من الآن إلى ما شاء الله تعالى أرز بعينه لا يُطلب من الأسكلة (يافا الميناء) قطعًا ولا تجري هذه الحادثة...". ومن هنا يمكننا فهم كيف صار للرز كل ذلك العز.

هالة الرز الرشيدي

منذ القرن التاسع عشر صار الرز القادم عبر البحر محمولًا ينفخ حكايته الفلسطينية من ساحلها إلى داخلها، خصوصًا وأن المصريين أنفسهم كانوا قد غزوا البلاد في حملة الباشا إبراهيم الشهيرة (1831-1840). ومع أن الحملة المصرية قضت برحيل الباشا وجنده عن بلاد الشام كلها، إلا أن تشكيلًا اجتماعيًا قد طرأ على فلسطين في مدنها وقراها ببقاء كثير من المصريين فيها، وقد طاول بقاؤهم المطبخ الفلسطيني بما فيه الرز المصري في طرق طبخه ونفخه.

في كتابه "تاريخ جبل نابلس والبلقاء" يشير المؤرخ الفلسطيني إحسان النمر في باب مأكل أهالي جبل نابلس ومشربهم إلى تفاخرهم بطبخ الرز المصري الذي كان يُعرف بـ"الرز الرشيدي" بحبته القصيرة الشهيرة، حيث تعارف أهالي جبل نابلس والبلقاء على طبخه بالسمن البلقاوي الأصلي كما يقول النمر. كان الرز في فلسطين القرن التاسع عشر أكثر وفرة مما كان في القرن العشرين بحسب ما تذكر المصادر وكتب الرحلات. وذلك لأن أول انقطاع للرز المصري عن فلسطين بدأ من لما "سكّر البحر" العبارة المأثورة على ألسن أهالي فلسطين عن حرب تركيا أو الحرب العظمى (1914-1918)، إذ أغلق الحلفاء طريق البحر، وقد ضربت البلاد وقتها مجاعة إلى أن عزّ الرز فصار يُحلف به لندرته كما يروي نمر سرحان في موسوعته "الفلكلور الفلسطيني".

ولما انتهت الحرب، ورزحت البلاد تحت نير الاستعمار البريطاني، ظل الرز على ندرته بحسب ما يقول إحسان النمر في كتابه عن جبل نابلس. وعلى ذلك يؤكد واصف جوهرية في مذكراته الشهيرة عن مدينته القدس التي صار أهلها ينشدون أغاني التحسر والترحم على كل مأكول متصل بالرز خصوصًا المحاشي، وقد وثق جوهرية بعضًا من تلك الأناشيد والأغاني الشعبية في مذكراته. ليغدو البرغل والجريش والسميد وكل ما كان يُشتق من قمح البلاد سلقًا شيخ موائد الكفاف والقلة في فلسطين النصف الأول من القرن العشرين.

في هذا السياق، منذ حرب تركيا وما بين الحربين، تشكلت هالة الرز مع ندرته في المخيال الشعبي الفلسطيني، ليتسلل الرز إلى المعجم الاجتماعي ذكرًا، في الغناء والمراثي والأقوال المأثورة. ومما أنشدته نساء البلاد في تلك المرحلة، وظل يردد حتى أواخر القرن العشرين أغنية تقول:

بالسلامة بالسلاماتي
مرحبًا يا نور عويناتي

مرحبًا يا رز من غزة
ولي جاب الرز من غزة

وبشّروا فلانة أم الرّزة
فُلان روح بالسلاماتي...

ومرحبًا يا رز من بُرقة
ولي جاب الرز من بُرقة

بشّروا فلانة أم الخِرقة
فُلان روح بالسلاماتي

وهكذا تستمر الأغنية مارة على ذكر غير مدينة وقرية من مدن وقرى البلاد، تساوي بشرى عودة الغيّاب وسلامتهم ببشرى الرز ووفرته في سنين قلته. للرز دلالة رمزية اتصلت ببشرى الخير ظلت تمارس ليس عبر طبخه إنما عبر رشه مخلوطًا بالملح في مناسبات مثل الطهور وإيفاء النذور، أو خلطه بالملبس والطُفي في الأعراس والأفراح، ونحن مواليد جيل مطلع الثمانينيات ما زلنا نتذكر رش النساء للرز على العريس يوم زفافه لما للرز من دلالة متصلة ببشرى الخير والوفرة.

وفي أغنية شعبية أخرى عن أيام ما قل الرز وعز على موائد الناس، يتذكرها لنا الباحث الفلسطيني آدم العنبوسي:

لايق ع أبو فلان ليالي الهنا
اتجوز فلان بسنين الغلا...

لايق ع أبو فلان ليالي العِز
اتجوز يا فلان بغلاة الرُزِ...

في الأخير

لم يحمل الرز في ظل ندرته منذ أوائل القرن العشرين وحتى سبعينياته، تلك الدلالة المتصلة ببشرى الخير والوفرة فحسب، إنما ظل الرز من سائر حبوب الطعام يمثل علامة فارقة على الهوة الاجتماعية والفوارق الطبقية. إذ اقتصر طبخه وأكله في النصف الأول من القرن العشرين على ولائم وموائد الأفندية والبكوات وميسوري الحال، فيما بقي البرغل مثلًا مأكول أعراس الفلاحين والفقراء عمومًا. ولما صار الرز متاحًا أكثر لدى شريحة من فلاحي البلاد منذ ستينيات القرن الماضي، اقتصر طبخه وتقديمه في الأعراس على الرجال واستثنيت منه النساء اللواتي اكتفين بالبرغل.

كما للرز دلالة كانت تتصل بالكرم والسخاء في حينه، فإذا ما قدّم فلان في وليمته لضيوفه الرز، ذاع صيته بين الناس كرمًا وسخاءً. ولما لم يكن الرز ممكنًا غير البرغل كان يُصب أو يسكب هذا الأخير في سدور يُرش على وجهه قليلًا من الرز كمحاولة لتجميل واجب الضيوف في ولائم الأعراس والأفراح. كان كل ذلك مرده لندرة الرز لأنه دخيل مستورد وقد توقفت وفرته على إمكانية توريده وإمكانيات الناس المادية إلى أن صار الرز متوفرًا بالشكل الذي صرنا نعرف موائدنا عليه منذ ثمانينيات القرن الماضي فقيل "العز للرز والبرغل شنق حاله" وقد أعدم الرز البرغل من موائدنا تمامًا.