في الأسابيع الأخيرة، شيّع الغزيون رفات ما يزيد عن مئة شهيد في جنازة واحدة اعتُبرت الأكبر في تاريخ القطاع. لم يكن تشييعًا بمستوى فائض موت إبادة غزة، غير أنها محاولة من الغزيين لاستعادة حقهم في الموت، أو حق موتاهم الشهداء عليهم على الأقل. يدافع الغزيون عن شكل موتهم وليس عن حياتهم، طالما في القطاع صار الموت أقرب، والمقبرة أبعد.
ليست غزة موضوعًا لمقالنا هذا، إلا أن مأساة إبادتها مناسبة لاستعادة أحد أسئلتنا المتصلة بأصوات الموت قبل كتمها فينا، تلك الأصوات التي تمثلت تاريخيًا بمراثٍ من الندب والنواح والتأبين، طقوسًا للحزن والتأسي إلى حد التفجع في وجه وجع الفقد والموت.
كانت مظاهر الرثاء في الموت والفقد عمومًا، أيًا كان شكلهما في بلادنا، تُبرر بوصفها حقًا للميت على أهله أولًا، ثم جبرًا لخاطر أهله المكسور بموته ثانيًا، هكذا كانت تقول النائحة أو النادبة عن دورها تاريخيًا. وأكثر وأهم من ذلك، فإن المراثي إرث اعتُبر رافدًا في تشكيل الوجدان الجمعي الذي صار أقل حساسية تجاه الموت منذ أن تخلينا عن ندب وبكاء أمواتنا.
لقد حاصرت الحداثة، في العقود الأخيرة، طقوس رثاء الموتى وبكائهم في مجتمعنا، ندبًا ونواحًا، باعتبارها فعلًا "متخلفًا". وفي ظل الحداثة، استُحدثت أنماط من التدين اشتغلت على زجر مظاهر من الرثاء باعتبارها "حرامًا"، الأمر الذي قوّض الكثير من مظاهر الحزن والبكاء التي نحاول هنا استعادة ذاكراتها.
عمومًا، يصعب الإحاطة بتاريخ الرثاء وإرثه، خصوصًا وأن الرثاء قد لازم الموت منذ الأزل، فكل ما قيل في هذا الأخير يمكننا اعتباره رثاءً. وذلك منذ طقوس المناحات على تموز وأدونيس في أساطير بلاد ما بين النهرين والشام، التي يحدثنا عنها الكاتب العراقي فاضل الربيعي في كتابه "المناحة العظيمة: الجذور التاريخية لطقوس البكاء في الجاهلية والإسلام". ويجدر التنويه إلى أن طقوس البكاء منها ما اعتُبر تدينًا أو ارتبط بمذهب ديني ما، عبر التاريخ، تمامًا مثلما هي ذكرى عاشوراء لدى أتباع المذهب الجعفري، بوصف عاشوراء طقسًا لبكاء ورثاء الإمام الحسين بن علي المستمر إلى يومنا. ما يعني أن الرثاء ليس بالضرورة نقيضًا للتدين، إنما ممارسة له أحيانًا.
أما في فلسطين، فإن للرثاء فيها إرثًا ممتدًا في الزمان، ومتجاوزًا للمكان امتدادًا للفضاء الحضاري المشرقي. وهذا ما نطلق عليه في السياق الفلسطيني اسم "مدامع فلسطين"، نسبة إلى "المدمعة"، قطعة فخارية بحجم وشكل منفضة السجائر، كان يتركها ذوو الميت، بعد إراقة دموعهم فيها، في قبر ميتهم عند دفنه. وقد صارت المدامع مفردة أركيولوجية، بعد أن دلت ظاهرة نبش القبور القديمة حديثًا على وجودها وفكرتها معًا.
مؤخرًا، وضمن مشروع "هسهسة الرثاء" برعاية مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، حاولنا تناول ملامح من ذاكرة مدامع فلسطين ضمن عمل جَدَلَ بين التأصيل التاريخي والعرض الأدائي للرثاء في بلادنا بعنوان "ملامح ومدامع من الرثاء الفلسطيني". لم يُحط العمل بكل طقوس البكاء والحداد في فلسطين، إنما ملامح منها، خصوصًا المتعلقة بالمراثي، والمتصلة تحديدًا بكبرى الأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية التي عرفتها فلسطين في تاريخها الحديث. وذلك انطلاقًا من سؤال مفاده: كيف ولّد الحدث السياسي مآسيه ومراثيه في فلسطين؟ طالما كانت وما زالت فلسطين قضية شعب سُلبت منه أرضه، ما خلّف إرثًا من أدب المدامع فيها منذ ما قبل استعمارها في مطلع القرن العشرين. عن ذلك تقول لنا مرثية بروج الدير:
بروج الدير
حتى أواخر القرن الماضي، ظلت النساء في مآتم قرى الجليل يرددن على مدار ليالي أيام العزاء مرثية يعرفنها باسم "بروج الدير"، يقول مطلع المرثية:
بروج الدير حدّت يوم سيدي
سيدي مِطعم الجوعان سيدي
ألا يا ستي وين راح سيدي
نزل ع سوق عكا واختفى
تعود هذه المرثية إلى مرحلة "إمارة الجليل" تحت حكم ظاهر العمر الزيداني (1689-1775)، ولما كانت عكا مركز إدارة إمارة ظاهر العمر، فإن أخاه وشقيقه الأكبر سعد العمر كان يقيم في قرية دير حنا، وقد أقام سعد في الدير قلعة لها ستة أبراج ما تزال آثار اثنين منها باقية إلى يومنا، وإلى أبراج قلعة سعد الظاهر في دير حنا تُنسب مرثية "بروج الدير". إذ تقول الحكاية إن سعد العمر قد خرج من دير حنا متوجهًا إلى عكا بعد أن استدعاه أخوه ظاهر العمر سنة 1761، وفي عكا اختفت آثار سعد بلا رجعة بتدبير من ظاهر العمر نفسه، الذي اتهم شقيقه الأكبر بالتآمر عليه بحسب ما تذكر الروايات. وقد أشار توفيق معمر، المحامي، في كتابه "ظاهر العمر" إلى قصة اختفاء سعد، ووثّق المحامي كذلك أبيات رثاء نساء دير حنا لسعد الظاهر بعد انقطاع أخبار هذا الأخير في عكا، يخاطبن فيها أبراج قلعته في الدير بمرثية مطلعها "بروج الدير".
انقضت إمارة الزيادنة في سبعينيات القرن الثامن عشر، وعُممت مرثية "بروج الدير"، متجاوزة حدثها المأساوي، لتظل تتردد على ألسنة النساء في مآتم الجليل حتى النصف الثاني من القرن العشرين، في مرثية ظلت تعرفها النساء بـ"بروج الدير" دون أن تعرف النساء أصل حكايتها بالضرورة.
بكّايات البابور
كانت الحرب العظمى، "الحرب العالمية الأولى" أو "حرب تركيا" بعامية أهلينا في حينه (1914-1918)، من أكبر المنعطفات التاريخية التي طاولت فلسطين وسائر المشرق العربي. وذلك لما تضمنته أحداث الحرب من مآسٍ وملمات، ومن تداعيات وتحولات على أثرها، والحديث عنها يطول. كان أسوأ ما عايشه أهالي فلسطين في الحرب، غير الجوع والجراد، هو التجنيد الإلزامي للرجال وشحنهم ببابور السكة "القطار" إلى الجبهات، ما يُعرف في أدبيات بلاد الشام بـ"السفر برلك". ومما ظلت تقوله نساء بلادنا في تحاملهن على قطار السلطنة أنه "أخذ فحمنا ولحمنا"، ويُقصد بالفحم خشب أشجار بر البلاد الذي حطّبه العثمانيون من أجل تزويد بابورهم "القطار" بالفحم وقودًا. بينما اللحم يعني شباب ورجال البلاد الذين نُقلوا عبر البابور إلى الجبهات قسرًا، ومعظمهم نُقل مرة واحدة وبلا رجعة.
على أثر ذلك، نشأت مراثٍ في فلسطين وسائر بلاد الشام والمشرق عمومًا، فيها من التفجع والتأسي على المجندين قسرًا في الحرب، والتحامل على بابور السكة "القطار"، في مراثٍ عُرفت في بلادنا باسم "بكّايات البابور"، منها:
سافر بابور ما انكسرت ماكنتو
من بعد ما بقلبي يا حبابي مكنتو
بحسبكم يا حباب انكو ما كنتو
وناس كثير عاشوا بلا حباب...
سافر بابور ما دوت صَفرتو
ويا حصرتي "فلان" ما كسر صُفرتو
أيا حبابي من لما سافرتوا
جريح القلب وما لي دوا...
هذه الأبيات في مبناها الفني تُعتبر أقرب إلى العتابا في بلادنا، وتُعرف بـ"الفراقيات" لأنها قيلت رثاءً ونواحًا على فراق من غيّبهم بابور الحرب، فأُطلق بالعامية الفلسطينية على النساء اللواتي ظللن يرددنها تسمية بكّايات البابور. وحتى ما بعد نكبة عام 1948، ظل يُقال للمرأة كثيرة الندب والتشكي "مثل بكّايات البابور".
لاحقًا، وبعد تجاوز أهالي البلاد محنة الحرب والقطار، تسللت مراثي البابور من عالم البكاء والرثاء إلى عالم الغناء في الأفراح والأعراس، ضمن سياق اجتماعي كان يُستحضر فيه الألم والجراح في الأفراح، ومنها:
سافر حبيبي ببابور السكة
والقلب يودع والعين بتبكي
وتحرم عليّ النزلة عا الدبكة
عا طول غيابك يا اسمر اللونا...
وفي فلسطين تحديدًا، ظلت المناسبات الاجتماعية تجدل بين الغناء والرثاء معًا، وذلك لأن فلسطين، على أثر الحرب العالمية الأولى، ظلت تنتقل من طور مآسٍ إلى آخر، طالما رزحت البلاد تحت نير الاستعمار الأجنبي بعد الحرب، ومن ثم النكبة والتهجير، مرورًا بالاحتلال وصولًا إلى الإبادة، مما جعل الفرح الفلسطيني مطعّمًا بالغناء المبلول بالرثاء على الدوام.
والرجال تندب أيضًا
في ديوانه الشعري "أغاني من الجليل"، يشير الشاعر والأديب الفلسطيني سعود الأسدي إلى المراثي التي كان يرددها الرجال، ما يعني أن طقس ندب ورثاء الميت الجماعي لم يكن متصلًا بالنساء فقط، إنما بالرجال كذلك، وإن اختلف رثاء الرجال في المفردات واللحن والأداء كذلك، إذ تندب النساء جلوسًا في بيت العزاء، بينما الرجال وقوفًا أو سيرًا أثناء تشييع المتوفى. في قرية مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، حين استشهاد أطفال القرية الاثني عشر قبل عامين أثناء الحرب على غزة ولبنان، شيّع رجال القرية وسائر قرى الجولان نعوش أطفالهم بمرثية جماعية يقول مطلعها: "الجولان دموعو سخايا... ع الشباب وع الصبايا"، في مشهد مهيب جعل للمصاب جللًا وللحزن جلالًا.
وكذلك يوثّق لنا سعود الأسدي بعضًا من مراثي الرجال التي اختفت من بلادنا، باستثناء أبناء الطائفة المعروفية "الدروز" الذين ما يزال رجالهم يرثون موتاهم جماعيًا أثناء تشييعهم، في طقس يُعرف لديهم بـ"العد على الميت"، من عدّ مناقب المتوفى ومحاسنه. ومما يوثقه الأسدي مرثية يقول مطلعها:
ما لِلعلالي مسكَّرة
والشمس تقدح بابها
بَشُوف بِنتو مشحَّره
شقت ع بوها ثيابها...
هذه المرثية الرجّالية كانت تُقال رثاءً على وزن أغاني "الحوربة" – من أغاني الحرب – التي كان يغنيها الرجال في زفة العريس، لكنها في الموت تُستبدل بمفردات وتعابير متصلة بالموت. كما تُحيل مفردات المرثية إلى العادات والتقاليد التي كانت تُتبع في الموت والأحزان، فبقولهم "ما للعلالي مسكَّرة" إشارة إلى عِلّية البيت، غرفة كانت تُبنى على سطح المنزل للسهر والسمر فيها، تُعرف معماريًا باسم "العلية"، والتي كانت تُغلق حزنًا وحدادًا عند موت أي من أبناء القرية.
ومن أشهر المراثي التي كان يقولها الرجال في بلادنا تلك التي كانت تُعرف بـ"الحيفيات" – من يا حيف – وقد وثقها الأسدي في ديوانه، وكذلك وثقها العامليون – أبناء جبل عامل جنوبي لبنان – في مراجعهم عن التأسي والموت. يقول مطلع الحيفية:
حيف يا الأربع نوابغ
تندفن وتصير فاني
حِلم مَعن وجُود حاتم
عدل كِسرى وبطش هاني...
وذلك في إشارة إلى أربعة رموز، عُرفوا بأرفع أربع خصال عبر التاريخ، وعادة ما كانت تُقال هذه الحيفية في رثاء أحد الوجهاء أو الأفندية أو الشهداء، يرددها المشيعون كلازمة خلف النادب أو القوّال الذي كان يُلحقها بأبيات متصلة بذكر المتوفى ومآثره في حياته.
أخيرًا
يظل الرثاء، سواء كان ندبًا، أي تأسيًا وتفجعًا، أو تأبينًا في عدّ مناقب الميت ومآثره، أو حتى غضبًا وتحاملًا على الموت والفقد، بمثابة ذاكرة مغيبة، إذا ما نبشناها نستعيد في نبشها أرشيفًا لتاريخنا بثقل وقائعه، ومعجمًا تدل تعابيره على الشكل الذي عبّر فيه وجدان أهلنا الجمعي عن الموت ومآسيه.
كان الرثاء، بمختلف أشكال وطقوس قوله وأدائه، خصوصًا الجماعي منه في ظل الموت المتصل بالمآسي والملمات، محاولة من أهلنا لمنع الموت من أن يكون سؤالًا فرديًا، في مواجهته جماعيًا بالرثاء ندبًا وشجبًا وغضبًا فُرّغ بمدامع امتلأت بالوجدان الجمعي تاريخيًا. ها نحن نموت أكثر ونرثي أقل، إلى أن صار الموت شأننا فرديًا، ما يشكك في سؤال الجماعة وأزمتها.