حميدتي: قصة راعي إبل تحول إلى مجرم حرب فحاكم فعلي للسودان

حميدتي: قصة راعي إبل تحول إلى مجرم حرب فحاكم فعلي للسودان
حميدتي خلال مؤتمره الصحافي الأخير (أ ب)

عند الاجتماع بالعسكريين الذين أطاحوا بالرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، في الحادي عشر من نيسان/ أبريل الماضي، سارع سفراء الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا إلى الاتصال لا برئيس المجلس الانتقالي حينها، عبد الفتّاح البرهان، إنما بنائبه الأصغر، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي"، عن قصد، وكأنهم يعرفون طموح هذا الجنرال الذي بدأ حياته راعيًا للإبل.

وأصبحت قصّة هذا الجنرال غير المتعلّم والبالغ من العمر 44  عامًا، الذي قاد ميليشيا الجنجويد التي جلبت الموت والدمار إلى دارفور قبل 16 عامًا، لغزًا كبيرًا، يحلو لكثيرين تفسير ملابساته.

وبحسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركيّ، فإن حميدتي هو أبرز ما تركته 3 عقود من حكم البشير، الذي قام على التزاوج بين الجيش والإخوان المسلمين، وهو تزاوج هجين لم يشهد له مثيل في أيٍ من دول العالم العربي، لكن الجيش السوداني سئم، حينها، من الحروب التي خاضها جنوبي البلاد وسئم، كذلك، من الانقسامات التي دبّت في صفوف الإسلاميين.

وعندما نشبت حرب جديدة في دارفور عام 2003، كان البشير مقتنعًا أن السبيل الوحيد للفوز هو دفع المتشددين في دارفور إلى تجنيد أبنائهم في ميليشيا مسلّحة، وهو ما حدث بالفعل، إذ خلق البشير الجنجويد وإطلق أيديهم، دون حسيب أو رقيب، تحت إشراف الجنرال حميدتي، وهي ميليشيا غدت، بمرور الأيام، وحشًا لا يستطيع أحد السيطرة عليه ويثير قلقًا يتجاوز السودان إلى دول الجوار، بحسب الـ"فورين بوليسي".

وخلال الأيام الأولى من خلع البشير، كانت المعارضة السودانيّة مقتنعة من إمكانياتها على التفاوض مع العسكر، وتحديدًا مع حميدتي، على انتقال مدني سلس، غير أن أهالي دارفور كانوا أكثر تشددًا، بالنظر إلى درايتهم بالرجل ورفاقه في السلاح.

فبينما كان البرهان عقيدًا في المخابرات العسكريّة، وظيفته تنسيق هجمات الجيش والميليشيات ضد المدنيين في ولاية دارفور بين عامي 2003 و2005، كان حميدتي، بالفعل، واحدًا من أمراء الحرب المعروفين هناك، وأصبح، شيئًا فشيئًا، وبالتدريج، زعيمًا رئيسيًا لميليشيا الجنجويد.

وأدّت الحرب في دارفور، في سنيّها الأولى، إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين غير العرب وإلى تشريد حوالي مليونيّ شخص.

وقال مراسل "فورين بوليسي" في السودان، الذي التقى حميدتي عدّة مرّات في العام 2009، في متجر لبيع الأثاث ملكه في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، إن حميدتي "طويل القامة، الذي يملك ابتسامةً ساخرةً لطفل مشاغب"، حصل على منصبه الأوّل، مستشارًا عسكريًا لحاكم جنوب دارفور بالابتزاز والتهديدات بقيادة تمرّد عسكري.

ولأن الحديث في السودان يحيل، دومًا، إلى القبائل والأعراق، فإن لا يمكن تجاهل أن حميدتي ينحدر من عشرية عربيّة صغيرة هربت من جفاف تشاد وحروبها إلى السودان في ثمانينيات القرن الماضي، لكنهم حرموا، عند وصولهم، من مكانتهم القبلية التي تمتّعوا بها هناك، ورغم ذلك، منحتهم السلطات السودانيّة أراضي واسعة ليقيموا عليها تتبع قبيلة الفور، وهي أكبر مجموعة أصلية غير عربية في المنطقة، ليغيّروا اسم المنطقة إلى "أم القرى" بدلا من اسمه الأصليّ، "دوجي"، ولاحقًا قامت السلطات بتسليح الوافدين الجدد، الذي بدأوا، في تسعينيات القرن الماضي، الهجوم على جيرانهم من السكان الأصليين.

كان حميدتي حينها مراهقًا، بحسب ما أخبر الـ"فورين بوليسي"، وترك مدرسته الابتدائيّة في الصف الثالث لرعاية الإبل في المثلث الحدودي المصري – السوداني – الليبي، لكنه سرعان ما ترك رعاية الإبل في العام 2003، عندما نشب تمرّد دارفور، ليتولّى حينها قيادة هجوم الجنجويد على قرى الفور المجاورة.

ولتبرير الانضمام إلى ميليشيات الجنجويد التي تدعمها الحكومة، قال حميدتي إن المتمردين هاجموا قافلة من أصدقائه تجار الجمال كانوا في طريقهم من السودان إلى ليبيا، وأدّى ذلك إلى أن تقتل ميليشيا حميدتي 75 رجلًا ونهب 3000 من الإبل. وهذا، بحسب المجلّة، "أقلّ ما في سجلّ حميدتي الوحشي زعيمًا للميليشيا".

قرى كاملة أحرقت في دار فور (أ ب)
قرى كاملة أحرقت في دار فور (أ ب)

وفي عام 2006، حصل حميدتي على معدّات عسكريّة جديدة قاد بها مئات الرجال في غارة عبر المنطقة التي يسيطر عليها المتمردون في شماليّ دارفور؛ دهس الجنجويد السكانَ غير العرب بشاحناتهم الصغيرة واغتصبوا نساءهم باسم السبيّ الديني، وفقًا لما نقلت "فورين بوليسي" عن شهود عيان.

وأدّت أساليب حميدتي هذه إلى خلق توتّرات مع ضبط الجيش السوداني المرافقين له.

لكن الحكاية لم تنته عند هذا الحدّ.

ففي الوقت نفسه، بدأت السودان وتشاد حربًا بالوكالة عبر دعم المتمرّدين في البلدين، إلا أن تشاد سعت إلى استقطاب حميدتي، عبر ابن عمّه، الذي اختير وزيرًا للدفاع في تشاد، وفي العام 2006، زار حميدتي تشاد ووقّع اتفاقيّة سريّة مع حركة "العدل والمساواة" في دارفور، دون علم حكومة البشير في الخرطوم.

بعد ذلك بفترة وجيزة، أعلن حميدتي تمرّده على نظام البشير، وبدأت حكومة السودان في مفاوضته على السعر الذي سيضمن عودته إلى "حظيرة النظام"، بتعبير الـ"فورين بوليسي"، وهو ما حدث، بالفعل، بعد 6 أشهر عندما أنهى تمرّده وأعلن وقوفه إلى جانب النظام السوداني، مرّة أخرى.

وقال حميدتي، في العام 2009، "لم نصبح متمردين حقًا... لقد أردنا فقط جذب انتباه الحكومة، أخبرناهم أننا هنا، من أجل الحصول على حقوقنا: الرتب العسكرية، والمناصب السياسية، والتنمية في منطقتنا".

لاحقًا، بدأت الانشقاقات تضرب الجنجويد، ولم يبق منهم أي موالٍ للحكومة إلا حميدتي، فكان من الطبيعي أن يختاره نظام البشير لقيادة قوّات التدخّل السريع، وهي قوة شبه عسكرية معزّزة كان هدفها القضاء على الجنجويد، غير أنها لم تنجح في ذلك، قبل أن تتحوّل إلى ميليشيا غير خاضعة للمراقبة وتشارك في عمليات النهب والقتل والاغتصاب في دارفور وفي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

شيئًا فشيئًا، بدأ نظام البشير في شرعنة أعمال قوات التدخّل السريع، فقمعت مظاهرات أيلول/ سبتمبر 2013 بوحشيّة أدّت إلى مقتل ما لا يقل عن 200 متظاهر، فأخضعت أولا لإشراف المخابرات السودانيّة، قبل أن تنقل لإشراف البشير مباشرةً.

بمعنى آخر، أصبحت قوات التدخل السريع الحامي الرئيس للبشير من وجه الانقلاب العسكريّ، أو أصبح حميدتي، الذي أعطي رتبة عسكريّة رسميّة، هو حامي البشير من وجه الجيش.

بالإضافة إلى ذلك، أعطي حميدتي صلاحيّات واسعة في منع الهجرة من القرن الأفريقي إلى أوروبا مرورًا بالسودان، إذ أوكل الملفّ كله إليه، وقامت قوات حميدتي بعرض صور المهاجرين المعتقلين على التلفاز، للإثبات للأوروبيين أنه يمكن الاعتماد عليه.

غير أن هذا كان في شاشة التلفزيون فقط، إذ إن قوّات حميدتي، بحسب الـ"فورين بوليسي"، قامت ببيع المهاجرين الذين ألقي القبض عليهم إلى المهرّبين السودانيين بعد تصويرهم.

ليس هذا كلّ شيء، ما زال في جعبة حميدتي الكثير.

فمع انضمام القوات السودانية إلى التحالف السعودي الإماراتي في حرب اليمن، في محاولة لإنقاذه من الخسائر الفادحة، لعبت قوات حميدتي دورًا بارزًا إلى جانب فرقة يقودها البرهان.

تقول الـ"فورين بوليسي" إن التحضير لمرحلة ما بعد البشير بدأ مع التدخّل في اليمن، إذ دأب البرهان وحميدتي على الالتقاء بمسؤولين إماراتيين وسعوديين بشكل دائم، قالوا لهم إنهم هم ما يبحثون عنه: عسكريون عرب ليسوا إسلاميين، علاقتهم سيئّة مع قطر وإيران والإخوان المسلمين.

وتقدّر الـ"فورين بوليسي" أن ما حصلت عليه قوات حميدتي من الإمارات والسعودية من الأموال هو أكثر من مئات ملايين الدولارات، أقرّ هو بـ350 مليون دولار منها، قال إنه خصّصها لإنقاذ الأوضاع الماليّة للسودان.

ولا يقتصر خطر حميدتي، المتعطّش للسلطة والمال والدماء على فضّ تظاهرات السودان، ورغم أنّ ابن عمه لا زال يحظى بقّوة في تشاد، إلا أن حميدتي يؤمن بتفوّق "العرق العربي" على التشادي، وتراوده أحلام أن يسيطر العرب على العاصمة التشاديّة.

إن قوّة الجنجويد، أصبحت مماثلة في قدراتها لقوّة الجيش السوداني وغيره من جيوش المنطقة، ومجابتها، سواءً من قبل دول المنطقة أو من قبل الثوار السودانيين، ستؤدي إلى سيول من الدّماء.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية