أبرز احتجاجات الجزائريين منذ التحرر من الاستعمار

أبرز احتجاجات الجزائريين منذ التحرر من الاستعمار
توضيحية (فيسبوك)

عانت الجزائر من 130 عامًا تقريبًا من الاستعمار حتى استقلالها عن فرنسا، في 5 تموز/ يوليو 1962، بعد أن قاتلت وواجهت الاستعمار وقدّمت مليونين ونصف المليون شهيد. وبعدها عرفت الجزائر محطات مفصلية صنعها الشعب في الشارع، واستطاع بعضها تغيير توجهات سياسية للبلد، بينما فشلت في إحداث تغيير جذري لنظام الحكم.

بدأت المسيرات الاحتجاجية تظهر في الجزائر في 20 نيسان/ أبريل 1980، إذ شهدت منطقة القبائل احتجاجات رفعت مطالب تتعلق أساسا بالهوية الأمازيغية، لكنها لم تأخذ بعدا وطنيا.

ثورة الخبز 1988

وعرفت الجزائر انفجارا شعبيا تجاوز المظاهرات، وسُمي في الذاكرة الجماعية بـ"أحداث 8 أكتوبر 1988"، في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد (1979-1992).

وأسماها البعض "ثورة الخبز"، واعتبرها آخرون "بداية الخراب"، بينما أجمع مؤرخون وساسة على أنها نقلت الجزائر من حكم الحزب الواحد، وهو "جبهة التحرير الوطني" الحاكم، إلى التعددية السياسية والإعلامية، بعد إقرار أول دستور تعددي، في 23 شباط/ فبراير عام 1989.

ويذكر أن ثورة الخبز اندلعت كرد فعل شعبي على وضع اقتصادي واجتماعي مزرٍ، بدأ بعد انهيار أسعار النفط، عام 1986.

وانطلقت حينها الاحتجاجات من "باب الوادي" الشعبي بالعاصمة الجزائر، عندما أنزل شباب ركاب حافلة نقل تابعة لشركة حكومية، وأحرقوها.

امتد التخريب إلى ولايات عديدة، واستهدف كل ما يرمز إلى الدولة ومقرات حزب "جبهة التحرير"، بعد عجز قوات الأمن عن التصدي للغاضبين، نشرت السلطة الجيش في الشوارع.

وانتهت الأحداث بسقوط 169 قتيلا (تحدثت مصادر غير رسمية عن 500 قتيل)، واعتقال 15 ألفا آخرين، حسب أرقام رسمية.

وبعد إعلان حالة الطوارئ، في 10 تشرين الأول/ أكتوبر وجه بن جديد خطابا للأمة، بنبرة حزينة، وعد فيه باتخاذ تدابير إصلاحية شاملة، توجت بالخروج من عهد الحزب الواحد.

العشرية السوداء

قد مهدت أحداث 1988 لتبني التغيير الجذري للنظام الحاكم، كخيار شعبي، بدأ باعتماد حوالي 60 حزبا، بعد دستور 1989، أبرزها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس)، الذي يستمد تصوره للحكم من الكتاب والسُنة.

وفاز الحزب، الذي قاده عباس مدني، ونائبه علي بلحاج، نتائج باهرة في انتخابات بلدية وولائية، أجريت في حزيران/ يونيو 1990، إذ فاز بأكثر من 950 مجلسا بلديا من أصل 1539، و32 مجلسا ولائيا من 48.

دفع هذا الفوز الساحق الدولة إلى تغيير قانون الانتخابات، منتصف 1991، وهو ما لم تتقبله الجبهة، فنظمت احتجاجات كانت تنطلق من المساجد، بعد صلاة الجمعة، كما نفذت إضرابا عاما واعتصامات في ساحتي أول ماي والشهداء بالعاصمة.

ورغم سن القانون، لكنه لم يمنع الحزب الإسلامي من الفوز في انتخابات نيابية، أجريت في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991، إذ حصد 188 مقعدا من أصل 228 في الدور الأول (عدد المقاعد الإجمالي آنذاك 380).

وبعدها تسارعت الأحداث، وتم حل البرلمان القديم، برئاسة عبد العزيز بلخادم، في 4 كانون الثاني/ يناير 1992، واستقال الرئيس بن جديد، في 11 من الشهر ذاته، ليعلن المجلس الأعلى للأمن، في اليوم التالي، وقف المسار الانتخابي.

لكن الجبهة الإسلامية ردّت بمظاهرات رافضة لما أسمته "الانقلاب على مسار التغيير"، تحولت سريعا إلى أزمة أمنية خطيرة سُميت بـ"العشرية السوداء"، وراح ضحيتها 200 ألف قتيل وخسائر اقتصادية بـ30 مليار دولار، وفق تقديرات رسمية.

الربيع الأمازيغي

خرج عشرات الشباب في مظاهرات بمناسبة ما اصطلح على تسميته الربيع الأمازيغي عام 2001، في بني دوالة، وهي مدينة صغيرة بولاية تيزي وزو، ويوافق 20 نيسان/ أبريل سنويا.

وطالب المحتجون هؤلاء بالاعتراف بالهوية واللغة الأمازيغيتين، مع ترسيم الأخيرة في الدستور.

جرى توقيف عدد من المحتجين، وتوفي أحدهم في مقر للدرك الوطني.

نشأت "تنسيقية العروش"، التي أطرت المظاهرات شبه اليومية في ولايتي تيزي وزو وبجاية بمنطقة القبائل.

ونظمت التنسيقية مسيرة شارك فيها مئات الآلاف، باتجاه العاصمة، في 14 حزيران/ يونيو 2001.

وعندما وصول المحتجين إلى العاصمة، وقعت مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، أدت إلى مقتل صحفيين اثنين.

كما واعتُبرت تلك حينها أول وأضخم مسيرة شعبية ضد حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي انتخب عام 1999، وانتهت بتعديل جزئي للدستور، في 2002، جعل الأمازيغية لغة وطنية.

أحداث الزيت والسكر

وهي أحداث وقعت مطلع كانون الثاني/ يناير 2011، بالتزامن مع بدايات موجة الربيع العربي، التي أطاحت بأنظمة حاكمة في دول عربية.

وانطلقت أعمال عنف من حي باب الوادي في العاصمة، ضد رفع سعر الزيت والسكر، وهما المادتان الأساسيتان اللتان تدعم الحكومة أسعارهما.

وخلفت الأحداث ستة قتلى، وشكّل البرلمان لجنة تحقيق لمعرفة أسباب الأحداث، غير أن تقريرها النهائي ما يزال حبيس الأدراج، ولم ينشر للرأي العام.

وقال الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، رئيس الوزراء السابق، أحمد أويحيى، في مؤتمر صحفي، عام 2016، إن الأحداث كانت مدبرة ردا على فرض الحكومة الصكوك، في التعاملات التجارية، وهو ما لم يعجب لوبيات مالية، "فحركت الشارع"، على حد قوله.

وتم سؤاله بشأن احتمال انتقال موجة الربيع العربي إلى بلده، اعتبر أويحيى، في أكثر من مناسبة، أن الجزائر عاشت ربيعها، في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988.

لا للعهدة الخامسة

انطلقت المسيرات الشعبية وهذا الحراك الشعبي السلمي في 22 شباط/ فبراير 2019، بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس المنتهية ولايته بوتفليقة (82 عاما)، ترشحه لولاية رئاسية خامسة، في انتخابات كانت مقررة يوم 18 نيسان/ أبريل 2019.

وبدأت المسيرات بعد صلاة الجمعة وجرت في سلمية تامة، ما عدا مناوشات معزولة بين الشرطة وأشخاص اعتبرهم المتظاهرون وحتى إدارة الأمن "بلطجية ومندسين".

في البداية، رفعت المسيرات شعارات ترفض ترشح بوتفليقة، الذي يحكم منذ عشرين عاما، لولاية خامسة، قبل أن يطالبوا، في أربع جُمع متتالية، بـ"التغيير الجذري للنظام".

وأعلن بوتفليقة سحب ترشحه في 11 آذار/ مارس 2019، ، وتأجيل الانتخابات، مقترحا خارطة طريقة لانتقال ديمقراطي للسلطة، عبر مؤتمر جامع يتولى تعديل الدستور، وتحديد موعد انتخابات لن يترشح فيها، وتعيين حكومة كفاءات وطنية.

والحراك الشعبي، الذي يتخذ من شبكات التواصل الاجتماعي، منبرا له، رد بمظاهرات حاشدة في مختلف أرجاء الجزائر، قدرته المعارضة بنحو 15 مليون محتج، واعتبرت الأكبر والأكثر سلمية في تاريخ الجزائر.

لكن المسيرات شهدت ثلاثة قتلى، في أحداث عرضية، بسبب التدافع والسقوط من أعلى سيارة والصعق الكهربائي خلال محاولة لوضع العلم الجزائري على عمود إنارة.

في رسالته بمناسبة "عيد النصر"، 19 آذار/ مارس تمسك بوتفليقة، الذي يعاني من متاعب صحية منذ سنوات، بمقترح المؤتمر الوطني للخروج من الأزمة، بينما يواصل الشارع والمعارضة الضغط من أجل استجابة أقوى.