في تطور لافت في فهم حضارات ما قبل التاريخ في بريطانيا، أعلن فريق من علماء الآثار أن سلسلة الحفر الهائلة المكتشفة قرب موقع ستونهنج الشهير قد ثبت أنها من صنع الإنسان، وليست ظواهر طبيعية كما كان يظن البعض سابقًا.
الدراسة التي قادها البروفيسور فينسنت غافني من جامعة برادفورد، ونُشرت في مجلة Internet Archaeology تحت عنوان "مخاطر الحفر"، استخدمت مزيجًا غير مسبوق من التقنيات الجيوفيزيائية وتحليل التربة لإثبات أن ما يُعرف بـ"دائرة دورانغتون" تم حفره عمدًا قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
وتمتد دائرة دورانغتون على مساحة تتجاوز الميل، وتتكون من نحو 20 حفرة ضخمة، يبلغ عرض بعضها 10 أمتار وعمقها 5 أمتار. وتقع هذه الدائرة بالقرب من موقعَي "جدران دورانغتون" و"وودهينج"، وهي مواقع تعود إلى العصر الحجري الحديث وتقع جميعها في محيط ستونهنج بمقاطعة ويلتشير.
ويرى الفريق أن هذا الاكتشاف يُعد أحد أكبر الإنشاءات ما قبل التاريخ في بريطانيا، مشيرين إلى أن حفر هذه الحفر في تربة الكلس القاسية يتطلب تخطيطًا هندسيًا وقدرات بشرية استثنائية.
ولإثبات أن هذه الحفر ليست طبيعية، استخدم العلماء تقنيات متعددة منها: التصوير بالمقاومة الكهربائية لقياس العمق، الرادار والمغناطيسية الأرضية لتحديد الأشكال، وتحليل نوى التربة، باستخدام تقنية اللمعان المحفز بصريًا (OSL) لتحديد عمر التربة، إضافة إلى تحليل الحمض النووي القديم للكشف عن آثار نباتية وحيوانية.
وقال غافني: "تكرار الأنماط في طبقات التربة من مواقع مختلفة يؤكد أن هذه الحفر لم تتشكل طبيعيًا، هذا مستحيل ببساطة". وأضاف أن هذه البيانات تدعم بقوة فرضية أن الحفر تم إنشاؤها عمدًا في الحقبة النيوليثية، رغم بقاء الغرض الحقيقي منها لغزًا.
ويعتقد غافني وفريقه أن دائرة الحفر قد تعكس معتقدات دينية معقدة ترتبط بما يُعرف بـ"العالم السفلي"، ما يميزها عن ستونهنج التي يُعتقد أنها مرتبطة برصد حركة الشمس والنجوم.
وأوضح: "الآن، وبعد أن تأكدنا من أن الحفر تُشكّل هيكلًا متكاملًا، أصبح بإمكاننا القول إن هذا النُصُب الهائل يمثل تجسيدًا كونيًا على الأرض لحضارة العصر الحجري الحديث، بصورة لم نعهدها من قبل".
وأضاف: "وإن كان هناك مكان يمكن أن يُقام فيه مثل هذا العمل الكوني الضخم، فلا بد أن يكون في محيط ستونهنج".
هذا الاكتشاف يُسلّط الضوء على مدى تعقيد المجتمعات النيوليثية في بريطانيا، ويُظهر كيف أن استخدام التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يعيد كتابة تاريخ المواقع الأثرية الكبرى.
ويأمل الباحثون في أن تُستخدم نفس التقنيات لاستكشاف مواقع أخرى غامضة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ.
التعليقات