لتدريب جنودها: بريطانيا تستثمر ملياري جنيه إسترليني في محاكاة رقمية لمدن حقيقية

تتيح التقنية إعادة إنشاء مدن بتفاصيل واسعة تشمل الشوارع والبنية التحتية والسكان، ثم محاكاة تأثير العمليات العسكرية فيها، بما يسمح للقوات بدراسة النتائج المباشرة وغير المباشرة للقرارات قبل التعامل مع سيناريوهات مشابهة على أرض الواقع...

لتدريب جنودها: بريطانيا تستثمر ملياري جنيه إسترليني في محاكاة رقمية لمدن حقيقية

توضيحية (Getty)

تتجه بريطانيا إلى توسيع استخدام بيئات المحاكاة الرقمية في تدريب قواتها المسلحة، ضمن عقد لوزارة الدفاع بقيمة ملياري جنيه إسترليني حصل عليه تحالف يضم شركة "سكيرال" البريطانية، التي تطور نماذج افتراضية لمدن وساحات قتال حقيقية بهدف اختبار تداعيات القرارات العسكرية المعقدة.

وتتيح التقنية إعادة إنشاء مدن بتفاصيل واسعة تشمل الشوارع والبنية التحتية والسكان، ثم محاكاة تأثير العمليات العسكرية فيها، بما يسمح للقوات بدراسة النتائج المباشرة وغير المباشرة للقرارات قبل التعامل مع سيناريوهات مشابهة على أرض الواقع.

وطورت "سكيرال"، على سبيل المثال، نموذجًا افتراضيًا للعاصمة اللاتفية ريغا، يحاكي شوارع ومباني حقيقية، إلى جانب سكان افتراضيين يعكسون خصائص السكان الفعليين من حيث الأعمار وبعض المواقف والسلوكيات.

وفي أحد السيناريوهات، تتحرك قافلة تابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" داخل ريغا قبل تعرض دبابة في مقدمتها لانفجار، فتتغير حركة السكان المحيطين استجابة للحادث.

ولا تقتصر المحاكاة على تصوير الاشتباكات، إذ صُممت لدراسة الآثار المتسلسلة للعمليات العسكرية. فإذا أصابت ضربة صاروخية شارعًا مزدحمًا، يمكن للنموذج محاكاة فرار السكان، بينما قد يؤدي استهداف محطة للكهرباء في يوم شتوي بارد إلى أنماط مختلفة من الحركة والاحتماء.

وتستخدم الجيوش البيئات الافتراضية في التدريب منذ عقود، إلا أن جيلًا جديدًا من الشركات يسعى إلى الانتقال من محاكاة القتال المباشر إلى بناء نماذج رقمية أكثر تعقيدًا، يمكنها تمثيل مدن أو حتى دول، وربط القرارات العسكرية بتأثيراتها في السكان والبنية التحتية وشبكات الخدمات والإمداد.

وتطلق "سكيرال" على نموذجها مفهوم "التوأم الرقمي"، الذي استُخدم في الأصل لإنشاء نسخ افتراضية من الآلات والمركبات بهدف توقع الأعطال واحتياجات الصيانة، قبل أن يتوسع استخدامه ليشمل محاكاة أنظمة وبيئات أكثر تعقيدًا.

وتسعى الشركة من خلال هذه التقنية إلى تدريب الجنود والمخططين العسكريين على فهم النتائج الثانوية للقرارات في ساحات القتال، بدلًا من التركيز فقط على تشغيل المعدات أو التعامل مع سيناريو قتالي محدد.

وقالت الرئيسة التنفيذية المشاركة في "سكيرال"، نعومي هولم، إن المنصة تتيح اختبار القرارات في بيئة رقمية عندما يكون من الصعب إدراك جميع نتائجها مسبقًا في الواقع.

وشاركت هولم في تأسيس الشركة مع جيسون كينيدي، بعدما أمضت نحو 20 عامًا في شركة "بي إيه إي سيستمز". وانبثقت "سكيرال" من شركة "إمبروبابل وورلدز ليمتد"، التي عملت في تطوير محركات الألعاب وتقنيات العوالم الافتراضية.

وتعتمد المنصة على دمج طبقات متعددة من البيانات لبناء نموذج للبيئة الحقيقية، من بينها شبكات الكهرباء وخصائص السكان، مثل الأعمار ومستويات التعليم، بما يسمح برصد كيفية انتقال تأثير حدث معين من نظام إلى آخر.

ولا تزال الأدلة البحثية بشأن مدى قدرة هذا النوع من المحاكاة على تحسين تدريب الجنود محدودة. وأظهرت دراسات سابقة أن التدريب باستخدام أجهزة محاكاة الطيران يمكن أن يحسن أداء العسكريين في سيناريوهات واقعية، لكن تبقى هناك حدود لقدرة البيئات الرقمية على تمثيل ظروف القتال الحقيقية بصورة كاملة.

ومع ذلك، توفر المحاكاة بديلًا أقل تكلفة وأسهل تنظيمًا من التدريبات العسكرية الحية، كما تتيح تكرار السيناريوهات لتدريب القوات على مهارات وقرارات محددة مرات عدة.

وتعمل شركات أخرى على تقنيات مشابهة لأغراض عسكرية. وتطور شركة "باور سايز تكنولوجيز" البريطانية نماذج افتراضية لأنظمة الطاقة لصالح الجيش البريطاني وقوات أخرى، تشمل بطاريات الدبابات والألواح الشمسية المستخدمة في المعسكرات، بهدف اختبار خيارات تزويد المعدات العسكرية بالطاقة قبل تطبيقها ميدانيًا.

وتتيح هذه النماذج، على سبيل المثال، اختبار جدوى تشغيل ألواح شمسية في بيئة صحراوية أو تصميم دبابة هجينة افتراضيًا، ما قد يقلل الحاجة إلى تجارب فعلية مكلفة على معدات عسكرية جديدة.

كما يعمل باحثون في دول "الناتو" على تطوير نماذج للتوائم الرقمية، بينها أنظمة لمحاكاة البيئات تحت الماء، إلا أن "سكيرال" تسعى إلى توسيع نطاق المحاكاة من الأنظمة المنفردة إلى بيئات مترابطة تضم عددًا كبيرًا من المتغيرات.

ويأتي الاستثمار البريطاني في هذه التقنيات في وقت يتصاعد فيه النقاش بشأن حجم الإنفاق الدفاعي في المملكة المتحدة ومدى كفايته لمواجهة التهديدات المتغيرة، فيما تستعد القوات البريطانية لتكون من بين أوائل الجيوش التي تدمج نماذج المحاكاة الرقمية المعقدة على نطاق واسع في برامج التدريب.