تحولت مراكز البيانات المرتبطة بالتوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى قضية انتخابية متصاعدة في الولايات المتحدة، مع تزايد اعتراضات السكان على ارتفاع فواتير الكهرباء والضوضاء والضغط على شبكات الطاقة والمياه، ما دفع مرشحين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى تشديد مواقفهم تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى.
وأظهرت بيانات تسويقية استندت إليها وسائل إعلام أميركية أن مرشحين في 21 سباقًا انتخابيًا على الأقل، موزعة على 18 ولاية، بثوا إعلانات تلفزيونية تتناول مراكز البيانات خلال دورة انتخابات التجديد النصفي الحالية، فيما توزعت تلك الإعلانات تقريبًا بالتساوي بين الحزبين.
ويبرز ملف الكهرباء بوصفه أحد أبرز دوافع الغضب الشعبي. ففي شبكة كهرباء تشمل ولاية أوهايو و12 ولاية أخرى، أدى الطلب المتزايد من مراكز البيانات إلى رفع تكاليف القدرة الإنتاجية بمقدار 9.3 مليارات دولار خلال عام واحد، بزيادة بلغت 174%، وفق جهة مستقلة تراقب السوق.
وتزامن ارتفاع فواتير الأسر مع اتساع حالة عدم الثقة بوادي السيليكون، ما وضع سياسيين كانوا يسعون في السابق إلى جذب مراكز البيانات عبر الإعفاءات الضريبية والوعود بالوظائف والاستثمارات أمام ضغوط متزايدة من ناخبيهم.
وفي تكساس، جمّد الحاكم الجمهوري غريغ أبوت مشاريع جديدة لمراكز البيانات، في وقت يدرس فيه المنظمون تأثير هذه المنشآت في إمدادات الكهرباء والمياه، رغم أن أبوت كان قد وصف الولاية سابقًا بأنها مركز رئيسي لتطوير الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، يدعو منافسه الديمقراطي إلى وقف مؤقت للمشاريع إلى حين إقرار إجراءات حماية أكثر صرامة، متهمًا الحاكم بتفضيل مصالح أصحاب الثروات على احتياجات السكان.
وتتجاوز الاعتراضات كلفة الطاقة إلى التأثير المباشر في الحياة اليومية. ففي مقاطعة برازوريا بين هيوستن وساحل الخليج، قالت ميليسا بورنيت، البالغة 44 عامًا، إن مركز بيانات بقدرة 17 ميغاواط غيّر طبيعة الهدوء في حيها السكني بسبب الضوضاء المستمرة، مشيرة إلى أن المنشأة أثرت في جودة حياة السكان رغم توقعات سابقة بألا تكون مسموعة.
وعلى المستوى الوطني، لا يزال الرئيس دونالد ترامب متمسكًا بدعم التوسع في مراكز البيانات، معتبرًا أن القطاع ضروري للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو موقف بات يختلف عن توجهات بعض المرشحين الجمهوريين في ولايات عدة.
وتعد أوهايو من أبرز الولايات التي تختبر التأثير السياسي لهذه القضية. ويخوض الديمقراطي شيرود براون، الذي خسر مقعده في مجلس الشيوخ عام 2024، سباقًا للفوز بالمقعد الآخر المخصص للولاية، وقد بث أربعة إعلانات على الأقل تنتقد الجمهوري جون هيستد بسبب دوره السابق في جذب استثمارات مراكز البيانات عندما كان نائبًا للحاكم.
ويتعهد براون بإجبار مشغلي مراكز البيانات على تحمل التكلفة الكاملة للكهرباء التي تستهلكها منشآتهم، فيما حذر جمهوريون في مجلس الشيوخ من أن هذه القضية قد تهدد فرص هيستد في الانتخابات.
ووصف الجهاز الانتخابي للحزب الجمهوري مراكز البيانات بأنها "قضية نائمة"، محذرًا من أن أي خسارة انتخابية تُربط بها قد تؤدي إلى تراجع أوسع في التأييد السياسي للقطاع.
وتتكرر المخاوف نفسها في سباقات انتخابية متباينة. ففي فلوريدا، يتعهد مرشح جمهوري لمنصب الحاكم بحماية الأسر من منشآت قد ترفع فواتير الخدمات، بينما يطالب مرشح ديمقراطي في بنسلفانيا شركات التكنولوجيا بتحمل تكاليف البنية التحتية التي تحتاج إليها.
وفي وايومنغ، فاز مرشح جمهوري في الانتخابات التمهيدية لمقعد في مجلس النواب بعد حملة تضمنت هجمات على مليارديرات وادي السيليكون، فيما شهدت ميشيغن فوز مرشح يساري في انتخابات تمهيدية بعد إطاحته بمرشحين ديمقراطيين أكثر رسوخًا سياسيًا، مستفيدًا من اعتراض واسع على مراكز البيانات جمع ناخبين جمهوريين ومؤيدين لترامب ومستقلين وديمقراطيين.
وفي ويسكونسن، صعّد المرشح الجمهوري لمنصب الحاكم توم تيفاني هجومه على منافسه الديمقراطي ديفيد كراولي، وراح يصفه بأنه "مرشح مراكز البيانات"، رغم أن تيفاني نفسه كان قد أشاد بالتكنولوجيا في وقت سابق وصوت لمصلحة تسريع إنشاء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وبات تيفاني الآن يدعو إلى إلغاء الحوافز الضريبية الممنوحة لمراكز البيانات وتشديد الرقابة عليها، من دون المطالبة بحظرها بالكامل، في تحول يعكس اتساع الحذر السياسي من القطاع.
كما اتخذت ولايات يقودها ديمقراطيون إجراءات مماثلة. فقد فرضت نيويورك وقفًا لمدة عام على إنشاء مرافق ضخمة جديدة لمراكز البيانات، بينما تلزم بنسلفانيا المطورين بتحمل تكاليف البنية التحتية والامتثال لمعايير أكثر صرامة تتعلق باستخدام المياه والتوظيف والتشاور مع المجتمعات المحلية.
وفي المقابل، تؤكد إدارة ترامب أن الحفاظ على موقع الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي يتطلب مواصلة دعم البنية التحتية اللازمة لهذا القطاع.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن الولايات المتحدة يجب أن تحافظ على تفوقها في سباق الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذه التكنولوجيا تمثل جزءًا أساسيًا من المستقبل.
ووقعت الإدارة مع شركات "غوغل" و"مايكروسوفت" و"ميتا" و"أوراكل" و"إكس إيه آي" و"أوبن إيه آي" و"أمازون" تعهدًا طوعيًا لحماية دافعي فواتير الكهرباء.
وبموجب التعهد، تلتزم الشركات بعدم نقل تكاليف محطات توليد الكهرباء أو تحديثات شبكة الطاقة التي تتطلبها مراكز البيانات إلى المستهلكين.
ومع ذلك، لم ينجح هذا التعهد في تهدئة الجدل السياسي، إذ لا تزال مراكز البيانات حاضرة بقوة في الإعلانات الانتخابية والخطاب العام، بعدما تحولت من رمز للاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى ملف يمس مباشرة كلفة المعيشة والموارد المحلية ومواقف الناخبين.