طوّر باحثون نهجًا لإنتاج ألوان بنيوية أكثر ثباتًا وقابلية للتحكم، مستفيدين من الآليات المجهرية التي تمنح أجنحة بعض الفراشات ألوانها، في تقنية قد تمهّد لاستخدامات مستقبلية في مستحضرات التجميل وطلاءات الأغذية والدهانات، مع إمكان تقليل الاعتماد على بعض المعادن والمواد الكيميائية المستخدمة في الأصباغ التقليدية.
وعُرضت الدراسة خلال الاجتماع الخريفي للجمعية الكيميائية الأميركية، وتركز على "الألوان البنيوية"، التي تنشأ نتيجة تفاعل الضوء مع ترتيبات مجهرية دقيقة في المادة، بدلًا من اعتمادها أساسًا على جزيئات صبغية تمتص أطوالًا موجية معينة وتعكس أخرى.
وتختلف هذه الآلية عن الألوان الصبغية الشائعة؛ إذ تمنح الكاروتينات الجزر لونه البرتقالي، ويرتبط اللون الأحمر للدم بالهيموغلوبين، فيما يعود اللون الأخضر في النباتات إلى الكلوروفيل. ويمكن أن يؤدي التعرض المطول لأشعة الشمس والعوامل البيئية إلى تحلل بعض المركبات الصبغية وبهتان ألوانها، كما تثير بعض الملونات التجارية مخاوف صحية أو بيئية بسبب مكوناتها.
في المقابل، تتولد الألوان البنيوية بفعل الشكل الفيزيائي للمادة وترتيب مكوناتها على نطاق مجهري، كما يحدث في أحجار الأوبال وريش الطاووس والأجنحة الزرقاء اللامعة لبعض فراشات "مورفو".
وقالت الباحثة الرئيسية ليلى ديرافي، أستاذة الكيمياء والبيولوجيا الكيميائية في جامعة نورث إيسترن، إن المواد ذات اللون البنيوي تتميز بقوة ألوانها وقدرتها على الاحتفاظ بها مدة طويلة مقارنة بكثير من المنتجات القائمة على الأصباغ، موضحة أن اللون يعتمد على البنية الفيزيائية للمادة، ما يجعله أقل عرضة للبهتان الناجم عن تحلل الجزيئات الصبغية.
ولفهم كيفية التحكم في هذه الألوان، درس الباحثون فراشات من عائلة "الكرنبيات"، التي تشمل فراشة الملفوف البيضاء وفراشات الكبريت الصفراء، وبحثوا العلاقة بين التركيب الكيميائي والبنية البلورية واللون الذي يظهر على الأجنحة.
واهتم الفريق خصوصًا بجزيئات حيوية تسمى "البترينات"، ترتبط كيميائيًا بمركبات تدخل في بناء الأحماض النووية، وتوجد في تراكيب دقيقة على أسطح أجنحة بعض الفراشات.
وأظهرت الدراسة أن تغيير حجم بلورات البترين وكيفية تراصها يتيح تعديل شدة اللون وخصائصه، ما قد يوفر وسيلة للحصول على درجات لونية متعددة من المادة نفسها، بدلًا من الحاجة إلى تصنيع عدد كبير من الأصباغ الكيميائية المختلفة.
ويرى الباحثون أن استخدام البترينات قد يحمل مزايا بيئية محتملة، باعتبارها جزيئات موجودة أصلًا في الكائنات الحية، إلا أنهم أكدوا أن سلامتها للاستخدام في المنتجات الاستهلاكية لم تُختبر بعد في دراسات مخصصة.
وكان تصنيع بلورات مماثلة لتلك الموجودة في أجنحة الفراشات أحد أبرز العقبات أمام الفريق. فالأساليب التقليدية لإنتاج بلورات البترين في المختبر قد تستغرق أسابيع، كما تعتمد على مذيبات عضوية، من بينها ثنائي ميثيل السلفوكسيد.
وقالت الباحثة المشاركة كلارا دو، وهي طالبة دراسات عليا في مختبر ديرافي، إن الفريق حاول الاقتراب من الظروف التي تستخدمها الكائنات الحية لبناء هذه التراكيب، فدرس تأثير الماء والأملاح ودرجة الحموضة في عملية نمو البلورات، من دون الاعتماد على المذيبات المستخدمة في الطرق التقليدية.
وتمكن الباحثون بهذه الطريقة من ترسيب البلورات وفصلها من المحلول خلال دقائق، مع القدرة على تعديل ظروف نموها ومتابعة التغيرات الناتجة في اللون المنعكس. وقد يجعل خفض استخدام المذيبات العضوية عملية التصنيع أقل أثرًا في البيئة من الطرق المختبرية الحالية.
ولا تزال التقنية في مرحلة مبكرة، إذ لا تتجاوز الكميات التي ينتجها الفريق حاليًا بضعة مليغرامات من المادة، ويعمل الباحثون على توسيع نطاق الإنتاج لدراسة إمكان تطبيقها تجاريًا.
ومن المجالات التي يجري بحثها مستحضرات التجميل، وخصوصًا المساحيق اللامعة المعروفة باسم "الجليتر"، إذ تعتمد بعض المنتجات المتاحة حاليًا على أكاسيد معدنية أو مواد مصنعة.
وترى ديرافي أن تطوير مواد لامعة انطلاقًا من جزيئات حيوية مرتبطة كيميائيًا بمكونات تدخل في تكوين الأحماض النووية قد يتيح مسارًا جديدًا لإنتاج الألوان، لكن الوصول إلى منتجات تجارية سيظل مرهونًا بإثبات سلامة البترينات، وتطوير وسائل لإنتاجها على نطاق واسع، واختبار ثباتها وأدائها في الاستخدامات المختلفة.
ويأمل الباحثون أن يساعد فهم الطرق التي تنتج بها الفراشات وحيوانات أخرى ألوانًا طويلة الأمد في تطوير مواد تجمع مستقبلًا بين قوة اللون والثبات وتقليل الأثر البيئي.