ردّت المحكمة المركزية في حيفا، اليوم الثلاثاء، على الالتماس الذي تقدّمت به البطريركية الأرثوذكسية في القدس، ممثلةً بالأب إيهاب مخولي، وأسقفية الروم الملكيين الكاثوليك في عكا وحيفا والجليل، ضد كل من اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء في منطقة الشمال، والمجلس الإقليمي مطيه آشير، وبلدية شلومي، و"سلطة أراضي إسرائيل"، وذلك على خلفية عدم السماح بإقامة الصلوات في كنيستي قرية البصة المهجّرة، ضمن مخطط ثقافي سياحي تم اعتماده من الجهات المذكورة أعلاه، على أراضي القرية التي ضمتها السلطات الإسرائيلية إلى منطقة نفوذ مدينة شلومي.
مهلة للتوصل إلى اتفاق حتى 20 نيسان
وقرر قاضي المحكمة منح الأطراف المختلفة مهلةً للتوصل إلى اتفاق لغاية يوم 20 نيسان/ أبريل المقبل. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، سيتم التداول في الالتماس مرة أخرى.
المحامي سليم واكيم، الممثل القانوني للكنائس، يتحدث لـ"عرب 48" عن قرار المحكمة بشأن التماس عدم السماح بالصلاة في كنيستي البصة المهجرة
— موقع عرب 48 (@arab48website) March 18, 2025
للتفاصيل: https://t.co/uBVGGdS5p9 pic.twitter.com/vgVzAgd2lM
وعقّب المحامي سليم واكيم، الممثل القانوني للكنائس، لـ"عرب 48" بالقول إن "الهدف ليس فقط الحصول على إذن مؤقت للصلاة في الكنائس، بل تثبيت حق إقامة الصلوات رسميًا ضمن المخطط التنظيمي".
وأشار إلى أن "المحكمة حاولت التوصل إلى حل وسط بين الأطراف، لكنها لم تنجح، ومع ذلك منحت فرصة جديدة للحوار حتى نهاية نيسان/ أبريل، أملا في التوصل إلى اتفاق مع اللجنة اللوائية وشلومي، اللذين يعارضان السماح بالصلاة الدائمة".
وأوضح أنه "في حال عدم التوصل إلى اتفاق حتى الموعد المحدد، سيتعين على الأطراف تقديم مرافعات إضافية خلال 20 يومًا من الموعد الذي حدده القاضي، على أن تصدر المحكمة قرارها النهائي بناءً على المعطيات المقدمة".
وأكد واكيم أن موكّليه مصرّون على حقهم في استخدام الكنائس للصلاة، كما هو الحال في أماكن العبادة الأخرى، مشددًا على أن القرار، في حال صدر لصالحهم، قد يواجه استئنافًا في المحكمة العليا.
خمايسي: السلطات تحاول نزع الهوية الدينية للبصة
من جانبه، قال مدير مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان، المحامي عمر خمايسي، في حديثه لـ"عرب 48"، إن "ما تتعرض له قرية البصة المهجّرة وأوقافها المسيحية والإسلامية هو نموذج لما يحدث في العديد من القرى المهجّرة داخل فلسطين التاريخية، فمحاولات الطمس لا تقتصر على الهدم المادي، بل تشمل أيضًا محاولات محو الهوية الدينية والتاريخية".
وأوضح خمايسي أن "السلطات تسعى إلى تحويل الكنيسة في شلومي إلى مركز ثقافي، تربوي وسياحي، أو حتى متحف، بينما ترفض الإقرار بحق الصلاة فيها بشكل واضح".
كما أشار إلى أن "المسجد الموجود في المنطقة، رغم ترميمه، لا يزال مغلقًا أمام المصلين، مما يعكس سياسة تهدف إلى محو الهوية الدينية للبلدة".
وأضاف أن "موقف بلدية شلومي والجهات المختصة في المحكمة ليس موقفًا مهنيًا، بل يعكس توجهًا واضحًا لطمس تاريخ البلدة، ومنع أي إشارة إلى الوجود المسيحي والإسلامي فيها، رغم أن هذه المنطقة كانت تاريخيًا موطنًا لكنائس ومساجد تخدم أهل البصة".
مدير مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان، المحامي عمر خمايسي، يتحدث لـ"عرب 48" عن قرار المحكمة بشأن التماس عدم السماح بالصلاة في كنيستي البصة المهجرة للتفاصيل: https://t.co/uBVGGdS5p9 pic.twitter.com/SoXRHi4rAQ
— موقع عرب 48 (@arab48website) March 18, 2025
وانتقد خمايسي "ازدواجية المعايير في التعامل مع أماكن العبادة"، معتبرًا أن ما يجري هو "تمييز واضح، إذ يتم منع الصلاة في الكنيسة والمسجد بحجة تحويلهما إلى مواقع سياحية، بينما يتمتع آخرون بحقوقهم الدينية الكاملة".
مخولي: نطالب بحقنا في العودة إلى الصلاة
من جهته، قال الأب إيهاب مخولي، في حديثه لـ"عرب 48" إنه "قبل النكبة، كانت هذه الكنائس تخدم نحو خمسة آلاف مؤمن في البصة، التي كانت من أبرز بلدات فلسطين التاريخية، ومركزًا للعلم والثقافة. اليوم، نطالب بإعادة ترميم الكنائس وفتحها للصلاة، للحفاظ على الهوية المسيحية للقرية، ومنع طمس وجودها التاريخي".
وأكد مخولي "إن مطلبنا بسيط: السماح لنا بالصلاة، فالصلاة هي عمل سلام واستحضار للروح القدس، وهي واجب ديني كما أوصى السيد المسيح: ’صلّوا بعضكم لأجل بعض‘. نحن نطالب بحقنا في العودة إلى الصلاة".
لمحة تاريخية عن البصة بحسب الالتماس القانوني
تضمن الالتماس لمحة تاريخية عن قرية البصة، التي كانت تضم نحو 4 آلاف نسمة لغاية العام 1948، حينما تم تهجير الغالبية العظمى منهم إلى لبنان، بينما نزح البعض إلى داخل البلاد، ويُقدَّر عددهم حاليًا بنحو 500 شخص، يعيشون في قرى كفر ياسيف، والمزرعة، وأبو سنان، ومعليا.
في العام 1970، هُدمت معظم مباني القرية بالكامل، ولم يتبقَ سوى المسجد، وكنيسة كاثوليكية، وكنيسة أرثوذكسية، بالإضافة إلى مقام النبي خضر، وبيت الخوري (هُدم في آب/ أغسطس 2023)، ودير راهبات بروتستانت الألمان، ومقبرة مسيحية. كما بقي فندق الخياط ومنزلان إضافيان.
استخدم سكان شلومي المباني المتبقية في القرية كمواقع لتربية المواشي. ومع ذلك، وبفعل ضغوط جماهيرية وإعلامية، تم وقف هذا الاستخدام، وقام أهالي البصة بتنظيف المباني وإعادة الطقوس الدينية إليها، بما في ذلك الصلاة فيها.
الكنائس مسجلة رسميًا، لكنها مستهدفة بالمخططات السياحية
يتضح بحسب الالتماس أن الكنائس مسجّلة رسميًا في الطابو، إذ تعود ملكية إحداها إلى الأسقفية الكاثوليكية، بينما الثانية مسجلة باسم البطريركية الأرثوذكسية.
الأب إيهاب مخولي يتحدث لـ"عرب 48" عن قرار المحكمة بشأن التماس عدم السماح بالصلاة في كنيستي البصة المهجرة للتفاصيل: https://t.co/uBVGGdS5p9 pic.twitter.com/6QhPhATbOX
— موقع عرب 48 (@arab48website) March 18, 2025
وأوضح الالتماس أن السلطة المحلية في شلومي وضعت مخططًا يشمل هذه المنطقة ضمن مشروع سياحي تحت اسم "مركز السلام". وقد دُعي ممثلون عن البطريركية والأسقفية الكاثوليكية لحضور جلسة استماع، حيث طالبوا بإعادة الصلاة في الكنائس، إلا أن الجهات المختصة لم تستجب لهذا الطلب، بل قامت بتعديل المخطط لاستبعاد الكنيس اليهودي من المشروع، حتى لا يشمله منع الصلاة.
كما تم تغيير اسم المخطط من "مركز السلام" إلى "شلومي القديمة"، مع تعريف الكنائس في المخطط الجديد على أنها "مبانٍ تراثية"، في خطوة تهدف إلى إخراجها من الاستخدام الديني.
يبقى مصير كنائس البصة معلقًا بقرار المحكمة، وسط مخاوف من استمرار سياسة طمس الهوية الدينية والتاريخية للقرية، في ظل توجه السلطات لتحويل أماكن العبادة إلى مواقع سياحية وثقافية، بدلًا من السماح بإقامة الصلوات فيها.
اقرأ/ي أيضًا | مهجّر من البصّة: "لن نسمح بنكبة جديدة لما تبقى من معالم قريتي"
اقرأ/ي أيضًا | هدم مبان تاريخية ومقدسات في قرية البصة المهجرة