تتصاعد وتيرة الاعتداءات على الصحافيين العرب منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إذ سُجّل أكثر من 154 انتهاكًا بحقهم، تنوّعت بين التضييق الميداني، والملاحقات القانونية، والاعتقالات التعسفية بذريعة مختلفة، ما يعكس استهدافًا واضحًا للعمل الصحافي وتكميمًا للأصوات التي تنقل الواقع إلى الجمهور.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تقدّم عدد من الصحافيين بشكوى ضد بلدية حيفا إلى المحكمة، على خلفية تدخل مراقبيها في عملهم أثناء تغطية أحداث حرب الأربعين يومًا على إيران، الأمر الذي أجبرهم على تغيير مواقعهم عدة مرات خلال اليوم، فيما اضطر بعضهم إلى مغادرة المدينة، نتيجة الملاحقة التي تعرّضوا لها من قبل مراقبي البلدية، فقط لكونهم صحافيين عربًا ويبثّون باللغة العربية، بادعاء تصوير مواقع إستراتيجية وحساسة.
ولم تقتصر الانتهاكات على جهة واحدة، بل باتت تمارَس من قبل جهات مختلفة، تشمل المؤسسات الرسمية، والشرطة، والشارع الإسرائيلي، وصولًا إلى بعض السلطات المحلية، ما خلق مناخًا عدائيًا يهدد العمل الصحافي ويقوّض قدرة الصحافيين على أداء رسالتهم المهنية.
وقال مراسل التلفزيون العربي، عبد القادر عبد الحليم، لـ"عرب 48"، إن ظروف التغطية في مدينة حيفا باتت سيئة جدًا، في ظل حملة التحريض الواسعة التي شنّها متطرفون ضدهم خلال تغطية الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، مضيفًا أن البلدية وشرطتها لاحقتهم، إلى جانب زملائهم، من مكان إلى آخر، وضيّقت عليهم أثناء عملهم ونقلهم للأحداث.
وأوضح عبد الحليم أنهم تعرّضوا للتصوير دون إذن، ونُشرت صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن التعقيبات تضمنت تهديدات بالاعتداء الجسدي، ما اضطرهم إلى تغيير مواقعهم باستمرار لتفادي المخاطر الناجمة عن هذا التحريض.
وأضاف أنهم كانوا يُجبرون أحيانًا على إلغاء البث المباشر، نتيجة التضييق ووجود مجموعات من المتطرفين في محيطهم، إلى جانب الاستجوابات التي كانت تُجرى معهم من قبل أمن البلدية، ما كان يمنعهم من أداء عملهم.
وقال الصحافي سمير عبد الهادي، من وكالة الأناضول، لـ"عرب 48"، إن التضييق خلال الحرب على إيران كان كبيرًا من قبل بلدية حيفا، واستهدف الصحافيين العرب تحديدًا، ما يعكس حجم العنصرية في تعامل البلدية مع بعض الصحافيين.
وفي ما يتعلق بالشكوى التي قدّمها ضد البلدية، أوضح عبد الهادي أنهم اشتكوا من تعامل مراقبي البلدية، ومنعهم من ممارسة عملهم بحرية، مشيرًا إلى أنه قدّم شهادته في جلسة المحكمة الأخيرة، وفنّد الاتهامات الموجهة إليهم، والتي ادعت تصوير مواقع حساسة وإستراتيجية.
وأضاف أن تعامل بلدية حيفا كان عنصريًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلى جانب تدخلها في عمل الصحافيين والتضييق عليهم، فضلًا عن تعامل بعض السكان معهم وكأنهم أعداء.
وقال الصحافي سعيد محاجنة، لـ"عرب 48"، إنه خلال تغطيته للأحداث من الحدود الشمالية، وأثناء بث مباشر، وصلت سيارة إسعاف تابعة لـ"نجمة داوود الحمراء"، ترافقها عدة مركبات، لتخرج منها قوات خاصة إسرائيلية وعناصر من الجيش، قاموا باحتجازه لعدة ساعات والتحقيق معه.
وأشار محاجنة إلى وجود ازدواجية في التعامل، موضحًا أن الموقع الذي تواجد فيه تُغطّيه قنوات إسرائيلية وأجنبية بشكل يومي، بينما كان حديثه باللغة العربية السبب الوحيد لاستهدافه، مضيفًا أن الطواقم الصحافية العربية باتت تتجنب التوجه إلى المناطق الحدودية، خلافًا لزملائهم الذين يبثّون بالعبرية أو باللغات الأجنبية، وذلك لتفادي التضييق في ظل التحريض المستمر.
من جانبها، قالت الصحافية خلود مصالحة، مديرة مركز "إعلام" للحريات الإعلامية، إن تسجيل 154 انتهاكًا بحق الصحافيين منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لا يعكس مجرد تصاعد عددي، بل يدل على انزلاق خطير في مكانة حرية الصحافة ومكانة الصحافي.
وأضافت أن الأخطر هو أن الاعتداءات لم تعد تصدر فقط عن المؤسسات الرسمية، بل امتدت إلى الشارع، وحتى إلى بعض رؤساء السلطات المحلية، الذين لاحقوا الصحافيين وضيّقوا على عملهم.
وأشارت إلى أن هذا التحول يكشف عن مناخ سياسي وخطابي يشرعن ملاحقة الصحافي، ويعامل التغطية الصحافية كفعل معادٍ، مؤكدة أنه حين يُعتدى على الصحافيين، أو تُصادر معداتهم، أو يُمنعون من التصوير، فإن المستهدف ليس الفرد فقط، بل حق المجتمع في المعرفة.
واختتمت بالقول إن حرية الصحافة لا تُقاس بالنصوص، بل بقدرة الصحافي على العمل دون خوف، وما يجري اليوم يشكّل مساسًا مباشرًا بهذا المبدأ.
وقالت المحامية هديل أبو صالح، من مركز "عدالة" الحقوقي، لـ"عرب 48"، إن التضييق على عمل الصحافيين لا يمكن فصله عن السياق العام للتصعيد الذي يستهدف الفلسطينيين في مختلف المجالات، ومن بينهم الصحافيون، خصوصًا منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وأوضحت، في ما يتعلق بالالتماس الذي قدّمه مركز "عدالة" ضد بلدية حيفا، أن الالتماس جاء بعد توجه عدد كبير من الصحافيين إثر تعرضهم لملاحقات وتفتيش من قبل موظفي البلدية، مشيرة إلى أن هذا الإجراء يتناقض مع موقف الشرطة، التي أقرت بأحقية الصحافيين في العمل والتصوير دون المس بهم، مضيفة أنهم توجّهوا مرارًا إلى البلدية دون تلقي رد في البداية.
وأضافت أن الادعاء الأساسي يتمثل في عدم امتلاك البلدية صلاحية التدخل في عمل الصحافيين، لافتة إلى أن البلدية ادعت حصولها على صلاحيات عامة من الشرطة والجيش، دون تقديم أي بيّنات، مؤكدة أنهم طالبوا المحكمة بوضع حد لهذه الممارسات القمعية وغير القانونية.
وختمت بالقول إن هذه الممارسات، المستمرة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، تمس بحرية التعبير، سواء عبر ملاحقة الصحافيين أو المتظاهرين، معربة عن أملها في أن تستجيب المحكمة للالتماس، وأن تُدان هذه التصرفات، مؤكدة رفض أي مساس بحرية العمل الصحافي وحق الجمهور في المعرفة.