من مظاهرة الـ100 ألف إلى فوضى السلاح: ماذا يحدث في سخنين؟

تعود مدينة سخنين إلى واجهة المشهد، لكن هذه المرة تحت وقع الرصاص و"الإتاوة" بعد أشهر قليلة من حراك شعبي غير مسبوق. وبين تصاعد العنف وتراجع الاحتجاج، يترقب الشارع خطوة سياسية موحّدة تعيد الثقة وتكبح الانفلات.

من مظاهرة الـ100 ألف إلى فوضى السلاح: ماذا يحدث في سخنين؟

منظر عام في سخنين (عرب 48)

بعد مرور نحو أربعة أشهر على الحراك الشعبي في سخنين، عادت مظاهر العنف لتلقي بظلالها على المدينة، حيث تشهد إطلاق نار وإلقاء قنابل على محال تجارية في محاولة لفرض "الإتاوة"، ما يثير حالة من القلق المتزايد بين الأهالي وأصحاب المصالح.

وكانت سخنين قد شهدت احتجاجًا شعبيًا واسعًا ضد الجريمة المنظمة خلال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير من العام الجاري، تُوِّج بمظاهرة شارك فيها نحو 100 ألف مواطن عربي، إلى جانب العديد من الفعاليات الرافضة للعنف وفرض الإتاوة. إلا أن هذه الاحتجاجات توقفت بفعل الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.

وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد المطالب الشعبية بضرورة توحيد الأحزاب العربية ضمن "قائمة مشتركة" لمواجهة سياسات الإهمال التي تنتهجها الحكومات الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي. ورغم الوعود التي أُطلقت عقب المظاهرة الكبرى في سخنين، فإن مرور أربعة أشهر دون خطوات ملموسة أثار موجة من الاستياء في الشارع، الذي يرى في الوحدة السياسية ضرورة ملحّة لمواجهة التحديات الراهنة.

وقال رئيس لجنة أولياء أمور الطلاب العامة في سخنين، فادي طراد، لـ"عرب 48"، إن "ما تشهده المدينة ليس بمعزل عما يجري في المجتمع العربي عمومًا"، مشيرًا إلى أن "حوادث إطلاق النار على المنازل وترهيب العائلات لم تكن سرًا قبل انطلاق الحراك، لكنها عادت للأسف بعد توقفه".

فادي طراد

وأضاف أن "لجنة أولياء الأمور كانت جزءًا من هذا الحراك، حيث أُعلن الإضراب وتم التحشيد لمظاهرة الـ100 ألف لمناهضة العنف والجريمة"، مؤكدًا أن "الظاهرتين مترابطتان ولا يمكن فصلهما."

وعن الأوضاع الراهنة، أوضح أن "سخنين عادت تقريبًا إلى نقطة الصفر بعد توقف الحراك بفعل الحرب، مع عودة إطلاق النار وإلقاء القنابل على المحال والمنازل، كما هو الحال في العديد من البلدات العربية".

وأشار طراد إلى أن المسؤولية باتت تقع على عاتق المجتمع عبر ما أسماه "مثلث الإصلاح"، المكوّن من السلطات المحلية، ولجان أولياء الأمور، والمؤسسات التربوية، مؤكدًا أن "تماسك هذا المثلث كفيل بتحسين واقع المجتمع، بينما يؤدي أي خلل فيه إلى استمرار الأزمة".

وشدّد على أهمية دور الأهل والمؤسسات التربوية، لافتًا إلى "غياب الأطر الاحتوائية للشباب، خاصة البرامج اللامنهجية بعد الدوام المدرسي، ما يدفع الكثيرين نحو مسارات خطرة".

كما أشار إلى وجود فجوة حقيقية بين القيادات والمجتمع، داعيًا إلى تقليصها عبر تواجد القيادات بين الناس والانخراط في قضاياهم اليومية.

وفي حديثه عن الحراك، قال إن توقفه بسبب الحرب منح "هدنة" للعصابات، ما يثير تساؤلات حول الجهات التي تقف وراء هذه الظواهر، ويعمّق أزمة الثقة بالمؤسسات.

وانتقد طراد تعامل الحكومة الإسرائيلية، معتبرًا أنها تتبع سياسة الكيل بمكيالين بين المجتمعين العربي واليهودي، مستشهدًا بحوادث لم تلقَ الاهتمام ذاته من المسؤولين.

سوسن أبو ريّا

من جانبها، قالت سوسن أبو ريّا، صاحبة مصلحة تجارية في سخنين، لـ"عرب 48"، إن "حالة انعدام الأمن أصبحت مقلقة إلى حدّ يدفع بعض العائلات للتفكير في مغادرة البلدات العربية نحو البلدات اليهودية".

وأوضحت أنها اضطرت لترك عملها السابق كمرشدة حمل وولادة قبل نحو أربع سنوات بسبب تدهور الوضع الأمني، رغم خبرتها الطويلة التي امتدت 18 عامًا.

وأضافت أنها كانت من الناشطات في الحراك الشعبي، مؤكدة أن "التغيير يبدأ من التربية السليمة، رغم تقصير الدولة"، معتبرة أن إصلاح المجتمع يبدأ من جذوره.

وشدّدت على ضرورة استمرار الحراك الشعبي، معتبرة أن توقفه ساهم في عودة مظاهر العنف، وأن استمراره كان سيؤدي إلى واقع أفضل.

أما علي زبيدات، صاحب محال تجارية في سخنين، فرأى أن "الوضع اليوم أفضل نسبيًا من السابق، مع تراجع حالة الذعر، رغم استمرار بعض مظاهر العنف".

علي زبيدات

وأشار في حديثه لـ"عرب 48" إلى أن "أبرز ما تغيّر هو كسر حاجز الخوف لدى الناس، ورفضهم الصمت على هذه الممارسات".

وفي ما يتعلق باحتمال إعادة تشكيل القائمة المشتركة، أكد "ضرورة أن تكون العلاقة بين الأحزاب قائمة على الشراكة الحقيقية، بعيدًا عن الخلافات حول المقاعد"، معتبرًا أن "هذه الخلافات لم تعد مقبولة في ظل الواقع الصعب".

ودعا إلى "وضع المعيقات جانبًا وتحقيق وحدة حقيقية"، محذرًا من أن "الخاسر الوحيد في حال الفشل سيكون الأحزاب نفسها".

كما شدّد على "أهمية استئناف الحراك الشعبي ضد الجريمة"، مؤكدًا أن "المرحلة الراهنة تتطلب تحركًا جديًا لكبحها".

واختتم زبيدات حديثه بالتأكيد على "ضرورة ترسيخ لغة الحوار ونبذ العنف، وتعزيز دور لجان الصلح"، معتبرًا أن "هذه الظواهر لا تمثّل قيم المجتمع".