المحامي قيس ناصر: هذا ما جنيناه من قانون "كيمنتس" منذ تطبيقه

المحامي قيس ناصر: هذا ما جنيناه من قانون "كيمنتس" منذ تطبيقه
من الهدم في القدس مؤخرًا (أ ف ب)

المحامي قيس ناصر:

  •  15 مليون شيكل و154 وقف وإزالة بناء حصيلة قانون كيمنتس في أقل من سنة
  • شاكيد تعترف بأن القانون مخصص للعرب ونتنياهو يأمر بتجميده في "الموشافيم" فقط
  • أحكام القانون تمنح موظف صغير صلاحية الاتهام وإصدار الحكم وفرض الغرامة
  • الغرامات تفوق غرامات المحاكم بخمسة أضعاف وتصل إلى 300 ألف شيكل

في حصيلة أوليّة لحصاد أحكام قانون "كيمنتس"، الذي سُنَّ خصّيصا لـلتصدي لما تصفه السلطة بظاهرة البناء غير المرخص في المجتمع العربي، يظهر أنه خلال تسعة أشهر فقط، منذ بدء تطبيق تلك الأحكام في كانون أول/ ديسمبر 2018، فُرضت غرامات بقيمة 15 مليون شيكل على المواطنين العرب.

المحامي قيس ناصر
المحامي قيس ناصر

ووفقا لتلك الأحكام، التي أعدّتها وزيرة القضاء السابقة، أييلت شاكيد، في إطار تعديل القانون المذكور، يجوز لمفتشي الوحدة القطرية للتنظيم والبناء التابعة لوزارة المالية فرض غرامات على مخالفات البناء بشكل إداري ودون محاكمة.

المحامي قيس ناصر، الذي حصل على تلك المعطيات استنادا إلى قانون "حرية المعلومات"، قدّم التماسا للمحكمة العليا باسم بلدية الطيبة وأصحاب مصالح في المدينة وباسم سكان من شرقي القدس يطالب بإلغاء أحكام قانون "كيمنتس"، التي تقضي بفرض غرامات إداريّة على مخالفات البناء باعتبارها تعسفية وغير معقولة وغير معيارية.

ويطالب الالتماس، أيضًا، بعدم تطبيق تلك الأحكام بشكل تراجعي وقصر التطبيق على الفترة الواقعة ما بعد نشرها وهو تاريخ 28.5.18، كما ادعى أن شاكيد صادقت على الأحكام من خلال مناورة حالت دون إجراء بحث معمق حول الموضوع، إضافة إلى أنّها لم تكن مؤهلة بتقرير غرامات مرتفعة لهذه الدرجة، والتي لا تتناسب مع خطورة المخالفة.

وأشار كذلك إلى شدة العقوبات التي يصح فرضها في مخالفات من نوع الجريمة، في حين أنّ مخالفات التخطيط والبناء ليست كذلك، ناهيك عن أنّ الأحكام تتعامل مع منفذ المخالفة كمجرم، وتتعاطى معه في ذات الوقت بواسطة إجراء إداري وليس جنائيا للحيلولة دون حصوله على الدفاع القانوني.

حول الالتماس والغرامات وأبعاد تطبيق قانون "كيمنتس"، على أزمة السكن في المجتمع العربي كان هذا اللقاء مع المحامي قيس ناصر، المختص في قضايا الأرض والمسكن.

عرب 48: 15 مليون شيكل غرامات على أصحاب البيوت العرب خلال تسعة أشهر فقط من تطبيق القانون، هي إشارة إلى أن أحكام قانون "كيمنتس" قد أعطت "ثمارها"، وأن هذا القانون لا يجلب معه الهدم فقط، بل هو خطة إفقار للمجتمع العربي، كما سبق وقلت؟

ناصر: الحديث عن مبالغ باهظة قياسا للفترة الزمنية التي لا تتجاوز التسعة أشهر وقياسا لقيمة المخالفات، إذا ما أدركنا أن الحديث يدور عن 40 مخالفة فقط، ما يعني أن قيمة المخالفة الواحدة تتجاوز الـ300 ألف شيكل، هذا ناهيك عمّا أشارت إليه المعطيات عن وجود 154 حالة تم خلالها الانصياع للإنذارات ووقف العمل وهدم ما تم بناؤه لتفادي المخالفة.

وفق هذا الحساب، فإنّ المخالفات المتراكمة على المجتمع العربي، الواقع أكثر من 50% منه تحت خط الفقر، ستصل خلال بضع سنوات إلى مئات آلاف الشواقل، ما يعني مزيدا من الإفقار لنا كمجتمع ووقوع عشرات ومئات العائلات تحت طائلة الديون والملاحقات القضائية بكل ما يعنيه ذلك من معاناة.

في المقابل، فإنّ الانصياع للإنذارات لتفادي المخالفات يعني المزيد من الخنق وتعميق الأزمة السكنية، بعد إغلاق "متنفّس" البناء غير المرخص الذي يضطر إليه المواطن العربي، بسبب إعاقة الخرائط ومخططات البناء في البلدات العربية. وليس من الغريب أن تزف الوحدة القطرية للتنظيم والبناء للحكومة، في جلستها التي عقدت في آذار/ مارس الماضي، "بشرى" تقلّص ظاهرة البناء غير المرخص في البلدات العربية نتيجة لفاعلية أحكام قانون "كيمنتس"، التي أعدتها شاكيد.

عرب 48: ولكن في الماضي، أيضًا، كانت المحاكم تفرض غرامات وتأمر بهدم البيوت التي يُدّعى أنها بنيت دون ترخيص، ما هو الجديد في أحكام قانون "كيمنتس"؟

ناصر: ضمن قانون "كيمنتس"، الذي تم تشريعه للعرب خصيصا، هناك أحكام أعدتها الوزيرة شاكيد، تخول لجان التنظيم والبناء ومفتشي الوحدة القطرية صلاحية فرض غرامات إدارية على المباني غير المرخصة، وفق تسعيرة معينة تتناسب مع حجم المبنى ومساحته، حيث تصل الغرامة المفروضة على مبنى يتجاوز الـ 100 متر أكثر من 300 ألف شيكل.

من الهدم في النقب (أ ب)
من الهدم في النقب (أ ب)

الخطورة في هذه العملية أنّها حولت مخالفات التنظيم والبناء من مخالفات جنائية، تعود صلاحية معالجتها والبت فيها للمحاكم إلى مخالفات إدارية، على غرار مخالفات السير والنظافة العامة والإزعاج. وفي هذه الحالة، يستطيع مفتش الوحدة القطرية للتنظيم والبناء، وهو موظف صغير، أن يقرر أن هذا المبنى بني بدون ترخيص، وأن يفرض غرامة على صاحبه، إذا لم ينصع للأمر الإداري الذي يعطيه فرصة 30 يوما لإزالة المبنى.

كل ذلك يتم بدون محكمة، علما أن صاحب المبنى المعني يستطيع التوجه للمحكمة ضد الأمر الإداري، بالضبط كما يحدث عندما تكفر بالتهمة في مخالفة السير، هذا في حين أن الإجراء الجنائي كان يفرض على دوائر التنظيم والبناء التوجه للمحكمة ضد المواطنين الذين تعتقد أنهم يخالفون قوانين التنظيم والبناء، والمحكمة هي التي تفصل بين الطرفين وتحكم في القضية.

الأحكام حققت غايتين، الأول تقصير الإجراء الذي كان يمتد شهورًا وسنواتٍ، والثاني زيادة الغرامات إلى مبالغ خيالية كوسيلة للردع، كما يعتقدون. وللمقارنة، فإنّ الغرامة القصوى التي كانت تفرض من قبل قاضي المحكمة هي 70- 80 ألف شيكل، بينما الغرامة التي تفرض من قبل موظف صغير وفق أحكام قانون "كيمنتس"، قد تصل إلى خمسة أضعاف هذا المبلغ.

والسؤال كيف يعقل أن يخول موظف بسيط صلاحية تفوق صلاحية قاض في درجات المحاكم المختلفة، ويمنح الصلاحية بأن يتهم ويحكم ويعاقب ويغرم بغرامات تفوق الغرامات التي كان يصدرها القاضي بـ5 مرات؟

عرب 48: يبدو أنّ كل شيء يصبح جائزا في القانون والعرف الإسرائيلييّن، عندما يتعلق الأمر بالعرب؟

ناصر: في الانتخابات الأخيرة ارتفعت أصوات احتجاجات من قبل القرى الزراعية اليهودية "الموشافيم"، بادعاء أنّكم تستعملون ضدنا قانونا شرع ضد العرب، واستجابة لذلك، خرج رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بشريط مسجل، خاطب فيه المزارعين في إسرائيل وأعلن أنّه طلب من طاقمه الخاص تجميد تطبيق أحكام قانون "كيمنتس" في "الموشافيم"، ريثما يتم إيجاد حلول لقضايا البناء في هذه القرى.

في المقابل، فإنّ شاكيد، التي صممت تلك الأحكام، ردّت على تلك الأصوات في لقاء مع ممثلي بعض القرى التعاونية، بقولها "أردنا جلب البركة فتحولت إلى لعنة"، وكانت تقصد باللعنة الغرامات التي فرضت على "الموشافيم"، وبالبركة الغرامات التي فرضت على العرب. هذا يثبت أنّ الأحكام كلها جاءت بدوافع عنصرية وأنّها تستهدف العرب.

عرب 48: فهمنا أنّك قدّمت التماسا للمحكمة العليا ضد الغرامات والأحكام؟

ناصر: في الحقيقة، قدمت التماسين، الأول باسم بلدية الطيبة وأصحاب محلات في المدينة، جرى تغريمهم وفق تلك الأحكام؛ والثاني باسم أصحاب محلات من القدس الشرقية، استعملوا ضدهم تلك الأحكام وفرضت عليهم غرامات، وعينت جلسة للمحكمة بعد شهرين ولم تقدم الدولة ردّها، حتى الآن.

عرب 48: هل انضمت جهات مثل اللجنة القطرية أو لجنة المتابعة للالتماس، أو قدمت التماسات منفصلة ضد قانون "كيمنتس" وأحكامه التعسفية، من قبل جهات جماهيرية أو حقوقية عربية أو عربية يهودية؟

ناصر: لا، لم ينضم أي طرف إلى الالتماسات ولم يقم أي طرف آخر بتقديم التماسات بهذا الخصوص، لا رؤساء مجالس ولا أعضاء كنيست، ولكن لا بأس من استغلال هذا التوقيت الذي يصادف غداة إنجاز القائمة المشتركة لنضع هذه القضية، وقضية التخطيط والبناء الحارقة عمومًا على طاولتها، لتأخذ بالحسبان في أي أخذ ورد مع جهات حزبية أو حكومية.

شاكيد تلقفت القانون ودفعت به (أ ب)
شاكيد تلقفت القانون ودفعت به (أ ب)

ومن المفيد استغلال تصريحي نتنياهو وشاكيد في قضية "الموشافيم"، اللذين يكشفان بشكل واضح عنصرية القانون واستهدافه للعرب أساسا للمطالبة بابطاله واعداد برنامج لانهاء كل التخطيط الهيكلي في البلدات العربية، خلال ثلاث سنوات إلى جانب دعم القرى والمدن العربية في موضوع المراكز التجارية والصناعة بهدف زيادة قوتها الاقتصادية.

عرب 48: نتحدّث عن أزمة سكن خانقة في المجتمع العربي، جاء قانون "كيمنتس" ليزيدها تفاقما من خلال تشديد العقوبات دون إيجاد الحلول؟

ناصر: الحديث يدور عن 60 ألف بيت غير مرخص، دون احتساب القرى غير المعترف بها في النقب وعن حاجة مجتمعنا الذي يتشكل 45% منه من الجيل الشاب إلى ستة آلاف شقة سكنية سنويا.

في المقابل، فإنّ آلية ووتيرة منظومة التخطيط القائمة حاليًا، والتي تقتضي إعداد خارطة هيكلية عامة للبلدة المعنية ترسم حدودها واتجاهات تطورها، ثم خارطة هيكلية شاملة تحدد مواقع الشوارع والمباني العامة والمناطق السكنية، وتنتهي بخارطة تفصيلية للتوحيد والتخطيط، والتي لا يمكن للمواطن بدونها الحصول على رخصة بناء.

وفق هذه الوتيرة، يحتاج المواطن العربي للانتظار 25 سنة للحصول على رخصة بناء على أرضه الخاصة، وإذا ما أدركنا أن مجتمعنا يحتاج سنويا إلى 6 آلاف شقّة سنويا، فهذا سيراكم نقصًا بـ200 ألف شقّة سكنية.

ولو تم منح السلطات المحلية العربية صلاحية إعداد خرائط تفصيلية على كل حي أو منطقة، مباشرةً، بدون مشوار العذاب والغباء ذاك، لما كنا لننتظر 25 سنة، ولكن يبدو أنّها سياسة مدروسة.

عرب 48: في النهاية، حتى البيوت التي تبنى بدون ترخيص بسبب الضائقة السكنية وانعدام الحلول البديلة، هي تبنى على أراض خاصة وليس على ما يسمونها بأراضي دولة؟

ناصر: الملكية الخاصة والأراضي التي يملكها الفرد العربي ويفترض أنّها مصدر قوة ورافعة اقتصادية، تصبح في ظل هذا الواقع التخطيطي وكأنها لا تساوي شيئا، لأنها مرهونة بالتخطيط، وهي، بهذا المعنى، ملكية مجمدة وصاحبها فاقد للقدرة والسيطرة على أرضه، لا يستطيع أن يتصرف بها، وعندما يضطر للبناء عليها بدون ترخيص يواجه بسيف الهدم والعقوبات.

والغريب أنّه برغم تشخيص المرض أو الحاجة من قبل أكثر من لجنة رسمية وحكومية، لم يتم التقدم بالعلاج، فقد سبق وأشارت لجنة أور، التي تشكلت بعد أحداث هبة القدس والأقصى- أكتوبر، إلى توصيات واضحة بتحريك التخطيط في البلدات العربية لأن الضائقة غير معقولة، كما قالت.

هذا ناهيك عن أن كيمنتس نفسه، الذي ترأّس لجنة لبحث هذا الموضوع في الـ2015، كان قد شكل طاقم الـ120 يوما، لفحص التخطيط في البلدات العربية وهذا الطاقم تحدث عن تعويق التخطيط وانعدام المخططات الهيكلية، ولكن في النهاية اختزل الموضوع بقانون الهدم الذي حمل اسمه دون إعطاء حلول.

عرب 48: في القرى غير المعترف بها في النقب هل تم تفعيل القانون وأحكامه؟

ناصر: نعم، كلنا سمعنا عن الإنذارات التي استهدفت منازل حي أبو مطير الواقع في ضواحي قرية اللقية، ومن ضمنها منزل عضو الكنيست السابق، جمعة الزبارقة، وقد قدمت بهذا الخصوص شكوى للمستشار القضائي للحكومة.

واذا ما امتد استعمال هذه الأحكام بشكل واسع إلى القرى غير المعترف بها، فإنّ الحديث سيصبح بحجم مئات الملايين من الشواقل إلى جانب هدم عشرات ومئات البيوت.

هذا الوضع سيستمر ويتكرر طالما لا يتوفر لدينا برنامج عمل مهني ورؤية، فالعمل المهني المطلوب يقتضي ليس فقط وضع برنامج أهداف، بل وضع مقياس لمدى التقدم نحو تحقيق هذه الأهداف، وليس عقد اجتماع للمتابعة على أنقاض البيت المهدوم، وربما إعلان إضراب في اليوم التالي والانتظار إلى أمر الهدم القادم.


قيس ناصر: محام مختص في قضايا الأرض والمسكن وحقوق الإنسان. مرشح للقب الدكتوراه في القانون من جامعة تل أبيب، وتتناول أطروحته تعامل جهاز التخطيط مع الأقلية العربية في البلاد. مستشار لعدة مؤسسات عامة في مجال الأرض والمسكن والقانون الإداري. له دراسات أكاديمية عديدة وهامة حول مشاكل الأرض والمسكن في البلدات العربية.