خالد أبو عصبة: التعليم موردنا الوحيد بعد ضياع الوطن

خالد أبو عصبة: التعليم موردنا الوحيد بعد ضياع الوطن

بروفسور خالد أبو عصبة:

* أزمة التعليم العربي هي جزء من أزمة مجتمع تبعثرت منظومته الأخلاقية

* التعليم هو المورد الوحيد المتبقي لدينا بعد ضياع الوطن ومصادرة الأرض

* هناك مشكلة في الساعات والميزانيات، ولكن المشكلة الأساسية في الهوية والمضامين

* السلطات ما زالت تمنع بإصرار غريب استقلالية التعليم العربي على غرار الديني والحريدي


كعادتنا في التعامل مع الأزمات  يتضح بعد مرور أسابيع قليلة من نشر امتحانات البيزا الدولية، أن العاصفة التي ثارت احتجاجا على تدني نتائج الطلبة العرب وتعمق الفجوات التحصيلية بين جهازي التعليم العربي واليهودي، على اختلاف تياراته، هي مجرد عاصفة في فنجان.

 ليس لأننا لا نمتلك الخبرات والكفاءات، بل لكوننا نفتقر لأطر وآليات قادرة على معالجة أزماتنا ومتابعتها، وصولا إلى إيجاد الحلول المناسبة لها، خاصّة في ضوء ترهل أطر المواجهة التي صنعتها جماهيرنا في مراحل المد الوطني، واستهلاكها لذاتها وتآكل دورها إلى حد باتت فيه جزءًا من المشكلة عوضا عن أن تكون جزء من الحل.

وفي مجال التعليم العربي، فإنّ حالة "الصمت والتواطؤ" الّتي ميّزت السّنوات الأخيرة، إلى جانب "إغداق" الساعات والميزانيات، الّتي على كثرتها تغطّي القليل من العجز المتراكم، قد نجحت في صرف أنظارنا عن جوهر الأزمة التي تكمن في إخضاع التعليم العربي لمقتضيات السياسة الإسرائيلية تجاه العرب وتوظيفه في إستراتيجية الضبط والسيطرة السلطويّة.

والحال كذلك لا نستغرب مواصلة رفض السلطة القاطع لإقامة إدارة تربوية مستقلة للتعليم العربي، أسوة بتيار التعليم الديني اليهودي وتيار التعليم الحريدي، على أقل تقدير، وإصرارها على مواصلة التحكم بالمضامين والأهداف والتعيينات التي تحول جهاز التعليم إلى تعليم للعرب وليس جهاز تعليم عربي، بعد نزع هويته الثقافية والوطنية.

بروفيسور خالد أبو عصبة استقال، في حينه، من المجلس التربوي الذي عينه وزير المعارف في عهد حكومة رابين، أمنون روبنشطاين ورئسه بروفيسور جورج قنازع، بعد رفض الوزارة منح المجلس صلاحيات إدارة التعليم العربي، واكتفت بمنحه صفة استشارية فقط، وهو ما قاد إلى استقالة بقية الأعضاء وحلّ المجلس.

أ.د. خالد أبو عصبة

حول أزمة التعليم العربي في ضوء نتائج امتحانات بيزا الدولية وفي ظل واقع سياسة التمييز العنصري كان هذا الحوار مع بروفيسور خالد أبو عصبة.

عرب 48: النتائج مفاجئة هذه المرة، في ضوء كثرة الحديث في الآونة الأخيرة عن "إغداق ساعات وميزانيات وسدّ فجوات"، والحديث ليس من قبل أبواق السّلطة فقط، بل من طرف سياسيين وأكاديميين معتبرين وطنيًّا أيضا، ما يشير ربما إلى أن المشكلة لا تتعلق بهذا الجانب فقط؟

أبو عصبة: في الواقع فإن موضوع التربية والتعليم لا ينفصل عن باقي القضايا الحياتية لجماهيرنا، إلا في كونه عصب قضايا هذه الجماهير الّتي لم يبق لديها موارد، بعد ضياع الوطن ومصادرة الأرض، سوى المورد البشري وإذا لم يتم الاستثمار في هذا المورد نستطيع أن نقول على الدنيا السلام.

من جهة ثانية فإن الاستثمار بالمورد البشري لا ينحصر في مستوى التحصيل فقط، وإن كنّا مجتمع أقلية يعيش واقع مجتمع مقهور ويحتاج إلى قيادات سياسية وفكرية وعلمية، لكنّنا يجب أن نوازن بين التحصيل وبين الاستثمار بالمخرجات الاجتماعية والأخلاقية، فالتحصيل هو جزء من المخرجات وليس كلّها، وهنا يكمن فشلنا حيث أكّدنا على التحصيل فقط.

فقد ركّزنا جميع جهودنا على إدخال اكبر عدد من طلابنا للمنظومة الأكاديمية، ونسينا أنه في أفضل الأحوال نستطيع أن ندخل 20%، بما يوازي نسبتنا من السكان في الدولة، ولكن يبقى 80% وهؤلاء يجب أن يعيشوا حياة كريمة ويفترض بنا أن نهيئ لهم الأطر والسياقات المناسبة لذلك.

إذا كنّا تريد خلق مجتمع سليم ومعافى خلقيا واجتماعيا ويعتمد على معايير قيمية يحتكم إليها، ولكنك لا نوفر أي افق للطبقات المستضعفة، لا تستثمر فيها تحصيليا لأنها ربما لا تمتلك قدرات أو ليس لديها إمكانيات أو أنها لم تعطَ الفرصة أن تتطور وتستغلّ قدراتها الذهنية، بسبب وضع بيئي أو أُسريّ، ومن جهة ثانية لا نستثمر فيها من أجل بناء مجتمع معافى وسليم وترسيخ منظومة قيمية، فإنّ من شأن هذا أن يؤدي إلى انزلاق مجموعة قليلة منها، حتى لو بلغت نسبتها 2 وحتّى 3 في المئة فقط، فإنهم هم من يبنون اليوم أجندة المجتمع في الشارع وليس من ذهبوا للأكاديميا.

من ذهبوا إلى الأكاديميا لم يستطيعوا أن يؤثروا على الشارع، ومن يؤثر على الشارع هم هؤلاء الذين لم يتم الاستثمار بهم ولم يتم بناء أطر وسياق بديل لهم.

عرب 48: انت تشير إلى ظاهرة مقلقة وهي أن المجتمع لا يستفيد من الفئات التي يستثمر بها، والتي تمتص "خيراتها" هي المرافق الاقتصادية الإسرائيلية، بينما يعاني ويعجز عن كبح جماح الفئات التي أهملها؟

أبو عصبة: الأكاديميون يخرجون في الثامنة صباحا ويعودون في العاشرة ليلا من المدن والمرافق الإسرائيلية التي يعملون بها، وربما ذلك يعود بالمنفعة الذاتية عليهم ولكنه لا يترك أثرًا على بلداتهم.

وكيف يمكن أن يكون لهم أي دور في بلداتهم وهي تفتقر إلى بنى ومرافق اقتصادية تستطيع أن تستوعبهم وتستجيب لقدراتهم، في ظل غياب أي تنمية مجتمعية ترتقي بمستوى هذه البلدات اقتصاديًّا وتجاريًّا وخدماتيًّا.

وهذا يؤدّي إلى أنه في الواقع الراهن، يجب البحث عن مستثمرين محليين ومن خارج البلدة لإنشاء مشاريع اقتصادية تنموية، إلى جانب تطوير مناطق صناعية وتجارية وحدائق تكنولوجية، تستطيع استيعاب الكوادر الأكاديمية التي جرى الاستثمار فيها لكي لا يذهب ريعها للغير.

تلك يجب أن تكون وظيفة رئيس المجلس المحلي ومقياس نجاحه وليس جمع القمامة وتعبيد الشوارع وغيرها من خدمات الصيانة الجارية.

عرب 48: هناك من ادعى ربما من باب "رب ضارة نافعة" أن سنوات السبعينات والثمانينات عندما كانت الأبواب مغلقة أمام الأكاديميين العرب، ذهب خيرتهم إلى جهاز التعليم الذي حظي بفضل ذلك بقدرات وكفاءات ومعلمين خريجي جامعات ،بنسب عالية جدا كان يحسدنا عليها جهاز التعليم في الوسط اليهودي؟

أبو عصبة: صحيح لقد أشار لذلك بروفيسور عزيز حيدر في منشور على "فيسبوك"، في تلك الفترة ذهبت الفئات الأكثر التزاما بقضايا مجتمعها والأكثر كفاءة إلى جهاز التعليم وحققت نجاحات، أما اليوم فإن المرافق الإسرائيلية تمتص خيرة هؤلاء تاركة التعليم العربي لخريجي الكليات ودور المعلمين وكلنا يعرف نتائج ذلك.

عرب 48: الغريب أن وزارة المعارف تفضل خريجي كليات التعليم على خريجي الجامعات؟

أبو عصبة: موضوع الكليات موضوع شائك، فهي تستوعب طلابا بمستوى الوسط وأقل منه، وبالتالي تخرج ما تخرجه، في حين تحافظ الجامعات على مستوى معين، ولكن موضوع التعليم مركب أكثر من مجرد حصره في خريجي كليات، فهناك أربعة عوامل تؤثر في العملية التعليمية هي المعلم والطالب والمضامين والبيئة التعليمية. والمقصود بالبيئة هي البيئة المجتمعية و الأسرية وحتى الإقليمية والعالمية، ففي امتحانات بيزا يسألون عن أربعة مجالات، هي التّفكير الرّياضيّ، والتّفكير القرائيّ، والتّفكير العالميّ، والتّفكير الشّمولي. وعندما يسألون عن الاحتباس الحراري على سبيل المثال يقصدون فحص مدى إعداد الطالب للعيش في البيئة العالمية.

بالمقابل فإن التعليم لدينا ما زال يعتمد الطريقة البنكيّة، الّتي تعطي مادّة للطالب ويفترض به أن يعيدها إليك، لتقيس الكمّ المعرفيّ، وليس مدى اطّلاعه ومدى تنوره ومدى كونه إنسانًا مبدعًا ومدركًا لما حوله من قضايا حتّى داخل مجتمعه، ولذلك نتائجنا شبيهة بنتائج دول العالم الثالث.

عرب 48: وكيف تفسر أن دولا غير محسوبة على الدول الغربية مثل الصين وسنغافورة وغيرها من شرق آسيا هي من يحتل المراتب الأولى في تلك الامتحانات؟

أبو عصبة: نعم، لأنهم استوعبوا التطور العلمي والتكنولوجي العالمي دون أن ينسوا حضارتهم ويتنكروا لها، فعلى سبيل المثال، في نهاية الستينات غزا الاتحاد السوفييتي السابق الفضاء، ومعروف أن الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، في حينه، اهتمت بالتحصيل، ولكنّها ركّزت أيضًا على الموسيقى والفنون والرياضة، فجنّ جنون أميركا وصدر كتاب "الأمّة في خطر"، ووضعوا معايير جديدة للتحصيل وخلال 10 سنوات هبطت مركبة فضائية أميركية تحمل أول إنسان على سطح القمر، ولكن بالمقابل ارتفعت نسبة الجريمة في الولايات المتحدة بنسبة 50 في المئة بسبب إهمال كل الموضوع الحضاري والتركيز على موضوع التنافس.

ومعروف أنه في اقتصاد ليبرالي ونيوليبرالي تنافسي فإنّك لا تستطيع أن تبني مجتمعًا، ولذلك يفترض الموازنة بين التحصيل من جهة، وبين تماسك المنظومة القيميّة من جهة ثانية؛ والسؤال: ما هي المنظومة القيمية الموجودة لدينا اليوم؟ فإذا أردت أن أربي للانتماء، على أي انتماء أربي؟  وهل يسمح لي الأوصياء على التعليم العربي أن أربّي على الانتماء للشعب وللوطن؟ أم يجب أن أربي على الانتماء للقرية؟

وكيف أربّي للانتماء للجماعة في ظل تعليم درزي وتعليم بدويّ، وتعليم مجازي مسيحي (المدارس الأهلية)؟ وما هي المنظومة القيمية الّتي تقودنا وتوجهنا؟ فعندما نأتي ونقول إنّ هذه منظومتنا القيمية المشتركة عندها نستطيع أن نعرف إلى أين يذهب المجتمع.

عرب 48: اقترحت أنت وشرف حسان على اجتماع رؤساء السلطات المحلية الخاص بالتعليم، والذي خرجت منه للتو، إقامة مجالس تربوية محلية ربما تتّحد لاحقا في مجلس قطري، هل هي محاولة التفاف؟ وإلى أين ستوصل؟

أبو عصبة: رد الوزارة على نتائج البيزا كانت بأن قالت إنها ستقيم لجنة، فعن أي لجنة تتحدث؟ وهل ستوكل القط بحراسة اللبن؟ بعد أن "خربتم الدنيا" تقولون سنقيم لجنة، فالقضية ليست قضية إصلاحات وإنما المطلوب تغيير جذري.

لقد طرحنا استقلالية التعليم العربي منذ 25 عاما وما زالوا يرفضونها، ولذلك يجب أن نتحايل عليهم بواسطة إيجاد طريقة لتمرير ذلك من خلال الحكم المحلي الخاص بنا، وعلى الحكم المحلي أن يأخذ دوره.

هذه هي حكومتي المحلية ومن خلالها استطيع أن أفعل ذلك وبواسطتها نستطيع معا الحصول على شكل من أشكال الاستقلالية، وفي حال توفرت لنا لجنة متابعة عليا جامعة، ولجنة متابعة تعليم توحّد وتشرف على هذه المجالس وتوفر لها إستراتيجية عمل سنصل إلى مبتغانا ونحقق أهدافنا. 


بروفيسور خالد أبو عصبة: محاضر ومشرف أكاديمي في الدّراسات العليا في الجامعة العربية الأميركية ومدير معهد "مسار" للأبحاث الاجتماعية.