حوار | افتراض "الاستعمار الاستيطاني" إقرارٌ بهزيمة الفلسطيني وأبدية إسرائيل

حوار | افتراض "الاستعمار الاستيطاني" إقرارٌ بهزيمة الفلسطيني وأبدية إسرائيل
"المقاومة الفلسطينية مستمرة منذ عقود وتعيق الحالة الاستعمارية"، توضيحية (أ ب أ)

د. ميساء شقير:
> إشكالية "الاستعمار الاستيطاني" كإطار معرفي انه يفترض هزيمة الفلسطيني وأبدية إسرائيل
> منظرو هذا النموذج يستبعدون الحالة الجزائرية والجنوب أفريقية من المقارنة مع فلسطين
> المستعمر الأبيض لم يكتشف فلسطين مثلما اكتشف أميركا وجزر الكناري
> لقد عرفنا هذا المستعمر في عهد الرومان والصليبيين وعاد بعد غياب ثلاثة قرون


في دراستها تحت عنوان "منظور الاستعمار الاستيطاني في فلسطين"، تناقش الباحثة ميساء شقير، إشكاليات توظيف "نموذج" الاستعمار الاستيطاني كإطار تحليلي معرفي لفهم الحالة الاستعمارية في فلسطين ومجدودياته في تقديم الحلول بشأنها.

وتميز شقير بين مقاربة المشروع الاستعماري في فلسطين كحالة استعمار استيطانيّ، كما تم تداوله في خطاب منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، إلى جانب دراساتٍ سابقةٍ لباحثين عرب وفلسطينيين اعتبروا إسرائيل مشروعًا أوروبيًا استعماريًا استيطانيًا، وبين "الاستعمار الاستيطاني" كـ"حقل معرفي" يعتمد على الفهم البنيوي (الفهم بأن الاستعمار بنية وليس حدثًا) ويقوم على منطق الإبادة والفرضيات المؤسسة لهذا النموذج، كما صاغها المؤرخ الأسترالي باتريك وولف، والتي تستبطن القناعة بهزيمة أهل البلاد وأصحاب الأرض وأبدية الاستعمار، وتؤمن بأن عجلة الزمن لا يمكن إرجاعها إلى الوراء.

وتلفت إلى الاهتمام الكبير الذي تحظى به الحالة الاستعمارية في فلسطين في هذا الحقل الجديد، والذي يبرز من خلال العدد المتزايد من ورشات العمل والمؤتمرات والحلقات الدراسية في جامعات بريطانية وأميركية ومراكز أبحاث فلسطينية. مشيرة إلى أن مجلة "دراسات الاستعمار الاستيطانيّ" التي نشرت عددها الأول في العام 2011، خُصِصت ثلاثةُ أعدادٍ منها للحديث عن الاستعمار الاستيطانيّ في فلسطين، وذلك بمشاركة باحثين فلسطينيين وإسرائيليين.

وتناقشُ الباحثة بشكلٍ نقديٍّ كيف قرأ هذا النموذجُ الجديدُ – منطق الإبادة - الاستعمار الاستيطانيّ في فلسطين، والحلول التي قدّمها لحلِّ "النزاع القائم في فلسطين"، وتدّعي بأن استخدام نموذج منطق الإبادة في الحالة الفلسطينية لا يتجاهل فقط التاريخَ الطويلَ والمستمرَ حتى هذه اللحظة للمقاومة الفلسطينية (لافتراضه هزيمة الفلسطيني وأبدية إسرائيل)، بل ينطوي على مخاطرَ سياسيّة وأخلاقيّة قد تؤدي إلى تعزيز المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ في فلسطين، من خلال تعزيز سرديات الإبادة واستحالة التحرير.

حول هذا الإطار والموضوعات المتفرعة عنه، التي تشغل الكثير من الباحثين والناشطين الفلسطينيين في الآونة الأخيرة، كان هذا الحوار مع د. ميساء شقير، وهي كاتبة وأكاديمية فلسطينية تناولت هذه القضايا في جانب من بحثها لنيل الدكتوراة في جامعة "سسكس" البريطانية، وكتبت عنها العديد من المقالات.

"عرب 48": في وقت "يدعي" فيه الكثير من الأكاديميين بأن العودة إلى مصطلح الاستعمار الكولونيالي في تعريف الحالة السياسية في فلسطين، هي عودة إلى "الجذور" التي تجاوزتها المناورات والتسويات السياسية، تحذرين من الإشكاليات والمطبات الكامنة في هذا النموذج، لماذا؟

د. ميساء شقير

شقير: لقد جرى في السنوات الأخيرة، وتحديدا خلال العقد الماضي، تأطير هذا النموذج أكاديميا، بمعنى تعريفه أو إعادة تعريفه وتحويله إلى حقل معرفي لدراسة الاستعمار الاستيطاني في أستراليا ونيوزلندا والولايات المتحدة وإسرائيل تحديدا، وذلك ضمن قواعد ثابتة وضعها المؤرخ الأسترالي "الأبيض" باتريك وولف، الذي يرى أن هذا النوع من الاستعمار يستهدف الأرض أولًا والأرض أخيرًا، وأن المستعمر المستوطن جاء ليبقى وأن الاستعمار الاستيطانيّ لا ينتهي في الزمان أو المكان، فهو استعمارٌ لا رجعةَ عنه، لأنه قائمٌ على منطق الإبادة لأهل البلاد بالمعنى الماديّ، والمعنويّ، والسياسيّ، والثقافيّ، ومن ثم السطو على هوية أهل البلاد و"استدخالها" في هوية المستوطن الجديدة.

وقد ساهم هذا الفهمُ في إنشاء "الاستعمار الاستيطانيّ" كحقلٍ دراسيٍّ مُستقلٍ، وتأسيسِ مجلةِ "دراسات الاستعمار الاستيطانيّ"، وهي تخصص حيزا كبيرا من مساحتها للحديث عن الاستعمار الاستيطانيّ في فلسطين، بمشاركة باحثين فلسطينيين وإسرائيليين، ويدّعي هؤلاء الباحثون بأن هذا النموذج هو الأنسب لفهم الحالة الاستعمارية في فلسطين، وبالتالي فهو قادرٌ على تقديم الأساس المعرفيّ للحل السياسيّ المناسب للقضية الفلسطينية.

"عرب 48": ليس من المستغرب التمييز بين الاستعمار التقليدي والاستعمار الكولونيالي، ولا إدراج حالة الاستعمار في فلسطين ضمن هذه الخانة، ولكن لماذا حشرها إلى جانب حالات أميركا وأستراليا ونيوزيلندا، واستثناء حالات الاستعمار الاستيطاني في الجزائر ورودسيا وجنوب أفريقيا، والتي انتهت إلى نتيجة مختلفة؟

شقير: يقارن منظرو هذا النموذج في أكثر من دراسة بين إسرائيل وحالات استعمارية أخرى مثل الجزائر وأستراليا وغيرها. هذا التنظير ليصلوا إلى نتيجة بأن إسرائيل لا تُهزم، وباستحالة النموذج الجزائري تحديدًا، أو حتى الجنوب أفريقي، في الحالة الفلسطينية، وأنّ النموذج الأكثر قربًا هو النموذج الأميركي أو الأسترالي.

إحدى هذه الدراسات تقارن على سبيل المثال بين إسرائيل وأستراليا لفهم سبب فشل "عملية السلام" في البلدين، وتستنتج بأن الإشكالية تكمن بأنّ إعادة الأرض ما زال طابو وخطًا أحمر بالنسبة للأسترالي الأبيض والمستوطن الصهيوني، فالموضوع لا يتعلق بإرادة سياسية، بل أن المسألة مسألة بقاء أو زوال.

بناءً عليه، تؤكد الدراسة استحالة إسقاط نموذج زيمبابوي مثلاً على كل من أستراليا وإسرائيل، لأنّ نهاية الاستعمار الاستيطاني (في أستراليا أو فلسطين) تعني نهاية كل شيء، أيّ نهاية العالم. وفي سبيل إقناعنا، يُذكّرنا أحد هؤلاء، ألبير كامو، صاحب الطاعون وسيزيف ومنظر العبثية واللا جدوى؛ بعبارته، أن الاستعمار الصهيوني "قدر محتوم. إذا تحررت أستراليا، تتحرر فلسطين".

مواجهات أسبوعية في الضفة (أ ب أ)

ويستند ذلك إلى القواعد الثابتة التي وضعها هذا النموذج، بأن المستعمر جاء ليبقى، وهزيمته مستحيلة، وهو يعتمد على منطق الإبادة ضد سكان البلاد الأصليين، وهو نموذج يَفتَرٍض أن تنتهي الحالة الفلسطينية إلى ما انتهت إليه حالة أميركا وأستراليا ونيوزلندا، وليس ما انتهت إليه حالة الجزائر ورودسيا أو حتى جنوب أفريقيا.

هذا النموذج الذي استقبل بحفاوة من قبل العديد من الباحثين والناشطين المهتمين بالشأن الفلسطيني، تحت دعوى استعادة منظور الاستعمار الاستيطاني لدراسة الحالة الاستعمارية في فلسطين، يفهم النكبة كبنية مستمرة لم تتوقف، وليست حدثًا انتهى في عام 1948.

الإشكالية في هذا الإطار أنه يقدم حلولا لبقاء العدو لا التحرر منه، ويبعد بصيرتنا التحليلية عن رؤية تشققات وأزمات هذه البنية الاستعمارية، وتفسير انكماش الاستعمار الاستيطاني في فلسطين من خلال سياسة بناء الجدران مع لبنان، الأغوار، الضفة الغربية وقطاع غزة، وحتى داخل القدس أو رحيل المستوطنين وتفكيك المستوطنات في قطاع غزة.

"عرب 48": يبدو في الآونة الأخيرة أن هناك عملية تنميط، إن صح التعبير، وترسيخ أن الاستعمار الاستيطاني هو ذاك الاستعمار الذي حدث في أميركا وأستراليا ونيوزيلندا وكندا، وأن الشعوب الأصلانية هم عبارة عن مجموعات بشرية من فترة ما قبل الحداثة، كما وصف الهنود الحمر الهنود؟

شقير: هذا الإطار الذي نحن بصدده تحديدا نشأ بناءً على فهم الحالة الاستعمارية في أستراليا، والذي صاغه باحثون مستوطنون بيض، من خلال أطر معرفية غربية قائمة على أسس عنصرية مستمدة من "منطق الثغور" القائم على ثنائية الأوروبي الأبيض المتحضر والآخر المتخلف، ولها باع طويل في تبرير وتعزيز الاستعمار، وهو من هذا الباب لا يتضمن فقط إشكاليات معرفية ومنهجية، بل يتضمن أيضًا إمكانية تعزيز الاستعمار من خلال افتراض انتهاء الحالة الاستعمارية في فلسطين إلى ما انتهت إليه هذه الحالة في أستراليا وأميركا ونيوزيلندا، علما بأن موضوع "تهويد" ما تبقى من السكان الأصليين كما جرى في هذه الدول من "نصرنة" ما تبقى من الهنود الحمر، كوسيلة لـ "تحضيرهم"، غير مطروح أمام الفلسطينيين.

عند الحديث عن شعب أصلاني يُتخيل لك "رجل على رأسه ريشة" وهذا غير صحيح، هذا الانطباع خلقوه عن الهنود الحمر وعن الشعوب الأصلانية عموما، لتبرير منطق الإبادة واستعمار الأرض واستيطانها، ومن هذا الباب ربما جرى اعتراف الأمم المتحدة ببدو النقب كشعب أصلاني، فإضافة إلى ما ينطوي عليه ذلك من خطورة على مستوى وحدة الهوية الفلسطينية، فإنه يؤكد الانطباع السائد عن الشعوب الأصلانية كمجموعات ثقافية لها تقاليد وعادات مختلفة أو خاصة، ولكن ليست خصائص شعب له حق تقرير المصير.

جدار الفصل العنصري في القدس المحتلة (أ ب أ)

لقد عقد المستعمرون البيض 300 اتفاقية سلام مع السكان الأصليين في أميركا ولم يحترموا أي منها وبالتالي أبادوا 200 مليون إنسان، ليقضوا بذلك ماديا على أي مطالبة بحقوق جماعية، ويدمجوا القليل المتبقي منهم على هامش المجتمع الاستيطاني "الحديث".

يجدر أن ننوه إلى أن كل مستعمر يأتي حاملا خطاب الحداثة، هكذا في أميركا وهكذا في فلسطين، هناك تحدثوا عن الأرض الموعودة وهنا تحدثوا عن أرض الميعاد وبالنهاية يريدونك أو ما يتبقى منك، وديعا ومسالما تصلح لأن توضع في "متحف أنتروبولوجي"، على غرار المحميات الطبيعية التي وضعوا فيها الهنود الحمر في أميركا، والتسمية في هذا السياق غير مهمة سواء، كانت محميات أو بنتستونات أو كانتونات، مثلما فعلواه في أوسلو، ومن جهتهم، تستطيع أن تسمي نفسك امبراطورية فلسطين العظمى.

"عرب 48": تريدين القول إن خصائص حالة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين تجعلها حالة استثنائية تختلف عن نظيراتها من الحالات القديمة زمنيا، وهو ما يعيق نجاحها رغم استعمالها نفس الأساليب والمنطق؟

شقير: صحيح، التفاوت الزمني عامل هام جدا، فإضافة إلى أن هذا النموذج يتجاهل المقاومة الوطنية المستمرة منذ عقود والتي تعيق الحالة الاستعمارية من تحقيق أهدافها، مثلما يتجاهل العمق العربي للقضية الفلسطينية، هو يتجاهل حقيقة أن الرجل "الأبيض" لم يكتشف فلسطين كما "اكتشف" جزر الكناري أو المكسيك على سبيل المثال، فالرجل "الأبيض" يَعرفُنا ونَعرِفُه، من أيام الرّوم، ومرورًا بالحملات الصّليبية، وانتهاءً "بإسرائيل"، التي وصفت من قبل البعض بالحملة الصّليبية التاسعة.

كما أن المواجهة مع هذا المشروع هي جولةٌ جديدةٌ مع المستعمر الأوروبيّ الذي نعرفه ويعرفنا، وبهذا المعنى إسرائيل هي "عود على بدء"، وثمرة عودة المستعمر الأوروبيّ إلى بلادنا مرة أخرى بعد ثلاثة قرون من الغياب.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"