12/07/2025 - 20:51

"أزمة النفايات".. خطر بيئي يهدد وجودنا المستقبلي في قرانا ومدننا

"...هذا الأمر جعل بلدات مثل جديدة - المكر والناصرة، وهي ربما نماذج فقط لما هو آتٍ، تغرق في القمامة، وتختنق في دخان حرائقها، وتدخل في أزمة مستعصية تؤثّر على المجالس، وعلى البيئة العامة، وصحّة السكّان، ومستقبل وجودهم في مدنهم وقراهم".

تكدس النفايات في مدينة الناصرة وإحراقها (تصوير: "عرب 48")

تُعدّ "جمع النفايات" إحدى الخدمات الأساسيّة التي تقدّمها السلطات المحليّة للسكّان، ومن شأن عدم توفير هذه الخدمة أن يؤثّر سلبًا على جودة حياة السكّان، وقد يبلغ حدّ المسّ الجِدّيّ برفاهيّتهم وصحّتهم وسلامتهم.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

هذا ما حدث مؤخرًا في عدد من قرانا ومدننا العربيّة في الداخل، من بينها بلدة جديدة-المكر ومدينة الناصرة؛ إذ تكدّست فيهما جبال من النفايات جرى حرقها، فانبعث منها دخان كريه. ولا تنحصر مشكلة النفايات فقط في قرية مثل جديدة-المكر، أو مدن كعرّابة والناصرة، بل هي خطر وتهديد حقيقيّ لكلّ البلدات في الداخل الفلسطينيّ، في وقت لا يختلف تعامل الدولة مع هذه الأزمة عن سائر الأزمات، ولا يخرج عن إطار تعاملها العدائيّ مع المواطنين الفلسطينيّين؛ فهي (الدولة) لم تأتِ بالحلول، وربّما لن تأتي بها.

علمًا بأنّ أزمة النفايات تشكّل نافذة صغيرة تعكس الكثير من مشاكل المجتمع العربيّ، ابتداءً من ضائقة الفقر، وعدم الاكتراث بمحيطهم وبيئتهم، وصولًا إلى تفشّي العنف والجريمة وتواطؤ مؤسّسات الدولة معها، بالإضافة إلى هشاشة السلطات المحليّة العربيّة وقلّة حيلتها في التعامل مع هذه الآفة، التي تركت سكّان هذه البلدات عرضةً للأضرار البيئيّة والصحيّة.

الأزمة المتفاقمة ازدادت استفحالًا خلال العقد الأخير، في ظلّ بروز ظاهرة خطيرة أخرى تمثّلت في تغلغل "عصابات الإجرام" في قطاع جمع النفايات؛ إذ أشارت تقارير صحفيّة نُشرت في هذا الصدد في صحيفة "ذي ماركر"، وصحيفة "هآرتس"، وموقع "عرب 48"، إلى أنّ الحرب بين منظمات الإجرام، التي تجسّدت في نزاعات السيطرة على المناقصات في هذا المجال، وصلت حدّ اللجوء إلى أعمال عنف كإطلاق النار أو إحراق ممتلكات المقاولين المنافسين وغيرها.

علمًا بأنّ تدخّل العنف والجريمة في المجتمع العربي لا يقتصر على مجال "جمع النفايات" فحسب، بل هو أوسع بكثير؛ ففي عام 2023، كان من بين 50 رئيس سلطة محليّة في إسرائيل مهدّدين من قبل "منظمات الإجرام" 29 رئيسًا عربيًّا.

"حروب القمامة في البلدات العربيّة داخل الخطّ الأخضر وتبعاتها" هو عنوان الورقة التي صدرت مؤخرًا عن مركز أبحاث "مدى الكرمل"، والتي يتناول فيها الباحث حبيب مخول أزمة "جمع النفايات" في البلدات العربيّة، أسبابها ومآلاتها ومخاطرها البيئيّة، وما قد تتركه من آثار على مكانة السلطات المحليّة العربيّة، ومن تبعات خطيرة على مجتمعنا عمومًا.

وبهذا الصدد، حاور "عرب 48" الباحث حبيب مخول لإلقاء المزيد من الضوء حول الموضوع.

"عرب 48": تحدّثت عن أسباب عامة تنسحب على جميع السلطات المحليّة اليهوديّة والعربيّة، وعن أسباب ترتبط بواقع التمييز العنصري الذي يعيشه مجتمعنا وسلطاتنا المحليّة، تجعل الأزمة أكثر تفاقمًا في قرانا ومدننا، قبل أن يأتي تغلغل "عصابات الإجرام" في المناقصات ليزيد الطين بلة ويحوّلها إلى حروب، كما عنونت ورقتك؟

الباحث حبيب مخول

مخول: الورقة جاءت بالأساس لتفحص موضوع أزمة النفايات، بما وصلت إليه من أزمة بيئيّة تهدّد بتبعات وتداعيات خطيرة على مجتمعنا عمومًا، وهي تعرض عدّة أسباب أساسيّة تبدأ بالمشكلة القُطريّة المرتبطة بسياسات الحكومة في السنوات الأخيرة، مرورًا بالوضع الخاص الذي تعاني منه السلطات المحليّة من إهمال وتمييز، وصولًا إلى تسلّل عصابات الإجرام إلى هذا المجال وزيادة الأمر تعقيدًا.

هذا الأمر جعل بلدات مثل جديدة-المكر والناصرة، وهي ربما نماذج فقط لما هو آتٍ، تغرق في القمامة، وتختنق في دخان حرائقها، وتدخل في أزمة مستعصية تؤثّر على المجالس، وعلى البيئة العامة، وصحّة السكّان، ومستقبل وجودهم في مدنهم وقراهم.

في هذا السياق، فإنّ الورقة لم تأتِ لتقول للناس إنّ الوضع صعب فقط، فالناس تعرف ذلك وتلمسه على جلودها، بل لتحذّر من التداعيات المستقبليّة ومن أبعاد هذه الظاهرة على مجتمعنا ومستقبل أطفالنا.

"عرب 48": لنبدأ من الأسباب العامة، فكما نعلم، كل أزمة عامة تُصيب أولًا الفئات الأضعف وتترك أثرها عليهم بشكل أشد، ونحن العرب كجمهور ومؤسّسات ندخل ضمن هذا التصنيف، ولذلك نتحمّل العبء الأساس لهذه الأزمات ونكون أوّل من يدفع ثمنها؟

مخول: صحيح. الأزمة العامة بدأت أو نتجت عن قرار حكومي اتّخذته الدولة عام 2008، يقضي بالانتقال من عملية دفن القمامة إلى إعادة تدويرها. لكن الدولة لم تبنِ، خلال السنوات السبع عشرة الماضية التي مرّت على اتخاذ القرار، المؤسّسات التي كان يُفترض إقامتها لوضع هذا القرار موضع التنفيذ وترجمة سياسة إعادة التدوير على أرض الواقع. وهذا ما تُظهره التقارير ذات العلاقة خلال العشرين سنة الماضية، حيث بقيت نسبة إعادة التدوير على حالها دون أن تسجّل أي ارتفاع.

لم تهتم الجهات المعنيّة بإنشاء بنية تحتية للقيام بهذه العملية، ولا ببناء أماكن مخصصة لإعادة التدوير، أو غيرها من الآليات المرتبطة بها، وبذلك بقي القرار المذكور حبرًا على ورق. لذلك، فإن نسبة النفايات التي استمرت بالوصول إلى مكبّات النفايات ودفنها لم تنخفض، بينما تمّ إيقاف زيادة عدد مكبّات النفايات حتى عامي 2023–2024، استنادًا إلى قرار إعادة التدوير الذي لم يُنفّذ. بمعنى أنه خلال فترة السبعة عشر عامًا لم يتم فتح مكبّات نفايات جديدة تستجيب لحاجة التزايد الطبيعي، ناهيك عن إغلاق بعض المكبّات القائمة، مما فاقم الأزمة على المستوى القطري.

"عرب 48": لكن الأزمة كانت أكبر في المجتمع العربي الذي تعاني سلطاته المحليّة من ضائقة اقتصاديّة أصلًا؟

مخول: طبعًا، لأنه عندما يكون الحديث عن مكبّات نفايات ممتلئة، فإن تكلفة استخدام هذه المكبّات ترتفع، ومن الطبيعي أن يُثقل ذلك كاهل السلطات المحليّة العربيّة، التي تعاني من وضع اقتصادي صعب، وغالبيتها لديها "محاسب مرافق"، كما هو الحال في الناصرة، حتى قبل حلّ البلدية وتعيين لجنة معينة.

نحن نتحدّث عن بلدات تعاني من تخطيط صعب، أحياؤها غير منظّمة، وتواجه تحدّيات في جباية الضرائب، التي تُشكّل أصلًا مصدر دخل متواضع بسبب غياب مناطق صناعيّة وتجاريّة كبيرة. هذا إلى جانب معاناتها من الإهمال والتمييز في تخصيص الميزانيات الحكوميّة.

بسبب كل هذه العوامل، هناك أزمة عامة في موضوع النفايات في المجتمع العربي، ويتجلّى ذلك في تراكم القمامة على جوانب الطرقات والأماكن العامة والسهول، وفي حرق النفايات في كثير من الأحيان. ونحن هنا نتحدّث عن الوضع "العادي المتوسّط" الذي يميّز غالبية بلداتنا العربيّة، وليس عن أوضاع متفاقمة كما هو الحال في الناصرة وجديدة-المكر.

في ظلّ هذه الأزمة العامة والتحدّيات القائمة أصلًا، وعجز سلطاتنا عن مواجهتها، يأتي الارتفاع الكبير في أسعار كبّ النفايات بسبب النقص في المكبّات الناتج عن قرار أو سياسة إعادة التدوير، التي لم تُترجم على أرض الواقع، والتي حالت دون زيادة عدد المكبّات لتلبية الحاجة المتزايدة، ليزيد الطين بلّة.

وبطبيعة الحال، فإنّ البلدات العربيّة التي تعاني من وضع صعب سيزيد وضعها صعوبة، وقد يصل في بعض القرى والمدن إلى مستويات تجعلها غير قادرة على الإيفاء باحتياجات مواطنيها في هذا الصعيد، إضافة إلى إثقال ميزانياتها العامة والتسبّب لها بمزيد من الأزمات.

"عرب 48": وسط كلّ ذلك، يتسلّل عامل إضافي جديد، كما ذكرت، يزيد الصورة تعقيدًا، ويتمثّل بعصابات الإجرام الطامحة إلى الظفر بمناقصات جمع النفايات في هذه المجالس، أو في بعضها على الأقل؟

مخول: صحيح، وهذا ما نستدلّ عليه من تقارير صحفيّة كثيرة كشفت عن هذه الظاهرة. هذه العصابات تطمح إلى الحصول على مثل هذه المناقصات "الدسمة"، خاصّة وأنها، على عكس مناقصات تعبيد الشوارع وغيرها، مناقصات دائمة لا تتوقّف على مدار السنة. لذلك، نحن نتحدّث عن مصدر دخل كبير ومضمون، قادم من بلديات ومجالس، وليس من أفراد.

كما أن البلدية لا تستطيع أن تقول "لا"، لأنّه إذا لم يتم جمع النفايات، يحصل ما حصل في جديدة-المكر والناصرة، حيث تتراكم النفايات، وتُحرق، وتتسبّب بالأذى لجميع المواطنين، وتصبح البلدة في وضع لا يُطاق.

لا يوجد مجال كبير للتفاوض أو لتأجيل الدفع؛ أنت مُجبر على أن تدفع، وهذا ما نراه.

"عرب 48": عصابات الإجرام تَسْطو على المقاولين؟

مخول: لا يوجد لدينا أي دليل واضح، ولكن ما نراه هو أنه منذ بضع سنوات هناك تقارير تفيد بأن هذه العصابات تتسلل إلى المناقصات وتُعقّد الأمور، كما حدث في جديدة-المكر، حيث أشار رئيس المجلس المحلي في رسالته إلى وزير الداخلية إلى وجود عصابات إجرام تتشاجر على مناقصات النفايات في المجلس المحلي، وبسبب هذه المشاجرة لا ترسو المناقصة على أي طرف، ما يؤدي إلى تفاقم أزمة النفايات.

في عرابة، مثلًا، حاولت البلدية القيام بجمع النفايات بنفسها، فتمّ إحراق سيارات جمع النفايات التابعة للبلدية. هذه المشكلة نراها في بلدات أخرى بطرق مختلفة، لكن النتيجة واحدة، وهي أن هذه الخدمة لا تصل إلى المواطنين، وتغرق البلدة في النفايات.

"عرب 48": في الناصرة نفس المشكلة؟

مخول: في الناصرة، كما نعلم، لا يوجد أي دليل على علاقة من هذا النوع، وأقصد علاقة مع عصابات الإجرام. الموضوع، كما نعرفه، هو أن البلدية تعاني من ضائقة مادية، مما يتسبّب بعدم قدرتها على الإيفاء بتعهداتها المالية تجاه المقاول، الأمر الذي أدّى إلى تراكم أكوام النفايات. وهذه الأزمة كانت السبب أو الذريعة في حلّ البلدية مؤخرًا وتعيين لجنة من قبل وزارة الداخلية.

"عرب 48": تحدّثت عن توصيات للتعامل مع الأزمة؟

مخول: في المدى القصير، وفي حالات مثل جديدة-المكر والناصرة، نحن نتحدث عن خطر على صحة الجمهور، ومناظر صعبة لا يرضى بها أحد. في جديدة-المكر اضطر المجلس إلى دفع مبالغ كبيرة للتخلّص من أكوام القمامة المنتشرة في البلدة، وهو ما تسبب بعجز في الميزانية. في الناصرة هناك مشاكل من نوع آخر، لكن بشكل عام نحن نتحدّث عن نقص في المكبّات، وعن أسعار مرتفعة، وعن مناقصات متوقفة بسبب "عصابات الإجرام"، وعن غياب منافسة حقيقية، في ظل مجالس فقيرة تعاني من إهمال وتمييز حكومي، وكلّها أمور تنذر بتفاقم الأزمة وانتقالها إلى بلدات أخرى.

النتيجة الطبيعية أن العديد من البلديات والمجالس ستدخل في عجز مالي، ويُعيَّن لها "محاسب مرافق"، وهناك تخوّف من أن يتم حلّها كما حدث مع بلدية الناصرة، وهو ما يهدد الحكم المحلي في المجتمع العربي. كما أن هناك تخوّفًا من ازدياد ظاهرة الهجرة إلى المدن اليهودية، وحتى إلى خارج البلاد. تخيّل بلدك تغرق في النفايات، من يستطيع أن يلومك عندما تتخذ هكذا قرار؟

"عرب 48": ما العمل؟

مخول: في وضع طبيعي، على الدولة أن تأخذ دورها في مثل هذه الحالات، تمامًا كما على الشرطة أن تتدخل في قضايا العنف والجريمة. عندما تكون هناك مشاكل في الميزانيات، يُفترض أن يكون هناك دعم واضح من قبل وزارة الداخلية ووزارة البيئة. كما يُفترض بـ"العناقيد" التي أُقيمت لمساعدة السلطات المحلية أن تأخذ على عاتقها هذه المسؤوليات بدعم من الدولة، في حال عجزت السلطة المحلية عن القيام بذلك.

لكن ما نراه هو أن الدولة، حتى في حالة جديدة-المكر، لم تتدخل ولم تمد يد المساعدة، رغم أن القضية وصلت إلى أعلى المستويات في الحكومة، كما تشير التوثيقات. وهذا يدل على أنّه يتطلب منّا العمل المحلي في بلداتنا، على مستوى التنظيم السياسي، والاحتجاجات، والمظاهرات، كما رأينا في الناصرة، وتنظيم المبادرات على مستوى الأحياء لجمع القمامة، و"إيقاظ" البلدات اليهودية المجاورة المتضررة ودفعها للتحرك، لأنه عندما تمتد المشكلة إلى الجوار ويضطر الجميع إلى دفع الثمن، يصبح التحرك أكثر اتّساعًا وأكثر نجاعة.


حبيب مخول: حاصل على ماجستير في السياسة العامة من جامعة "يورك" البريطانية وباحث في "مدى الكرمل".