في مقال بعنوان "غير صالحة للعيش: مواجهة الأطر الاستعمارية لمحو غزة"، نُشر مؤخرًا على موقع "شبكة السياسات الفلسطينية"، يناقش الباحث عبد الرحمن كتانة الخطاب الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي الذي يُغذّي الحرب الإبادية المستمرة على غزة، وما يصفه بإعادة تأطير الدمار من خلال رواية "عدم صلاحية القطاع للعيش"، التي تُصوِّر غزة كأنقاض. وهو، كما يقول، مصطلحٌ مشحون سياسيًّا يُعفي الجاني من المسؤولية ويُعيد إنتاج المحو الاستعماري.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ويقول كتانة، وهو مهندس معماري وباحث في تاريخ العمارة وإعادة الإعمار ما بعد الحروب، إن المشروع الصهيوني يسير على خطى السرديات الاستيطانية الاستعمارية التي يقوم في صميمها محو الشعوب الأصلية وإنكار وجود الجغرافيات والمجتمعات والتاريخ لتبرير تهجير السكان الأصليين وإحلال مستوطنين مكانهم. منوهًا إلى إحدى أهم الأساطير التي قام عليها هذا المشروع، وهي زعمه أنه "أحيا الصحراء"، وأن المستوطنين الأوائل أسسوا درة تاجه، تل أبيب، من كثبان رملية قاحلة وخلاءٍ مُقفِرٍ غير صالحٍ للسكن، وهي الرواية التي تطمس حقيقة أن تل أبيب أُنشئت بدايةً على مشارف مدينة يافا الفلسطينية المزدهرة والعامرة بالحياة الثقافية، المشهورة بتجارة البرتقال الرائجة.
ويشير المقال إلى إسهام الرواية التي صوَّرت الأرض وكأنها لم تكن صالحة للعيش حتى مجيء المستوطنين في تبرير سلبها والتغوّل الاستعماري فيها، وهي عملية تسارعت في أعقاب عام 1948، حين ضمّت تل أبيب أراضي القرى الفلسطينية المُطهَّرة عرقيًّا، بما فيها صُمَيل وسَلَمة والشيخ مُوَنِّس وأبو كبير، لتمتد في نهاية المطاف إلى مدينة يافا، حيث كان لمفهوم "الأرض المباحة"، أي الأرض المصوَّرة على أنها خالية وبلا مُلّاك، دورٌ أساسي في تشكيل الأيديولوجية الاستعمارية المُحرِّكة للصهيونية المسيحية البريطانية في القرن التاسع عشر.
ويتتبع الباحث الحالات التاريخية التي دُمِّرت فيها مدن فلسطينية جزئيًّا أو كليًّا وترافق ذلك مع ظهور الخطاب الاستعماري آنف الذكر، حيث يورد كيف قامت القوات البحرية البريطانية عام 1840 بنشر بواخرها الحربية لأول مرة على شواطئ فلسطين، وفي غضون ثلاثة أيام سقطت مدينة عكا الحصينة –التي هزمت نابليون– بعد قصف عنيف على يد قوات البحرية البريطانية. ولما صارت المدينة ركامًا، ظهر خطاب استعماري قدَّم الدمار المادي دليلًا على غياب أهلها، وخلط بين الحطام والفراغ السكاني من أجل تبرير المطالبة بأرضٍ ادُّعي أنها خالية.
وفي عام 1917، إبّان الحرب العالمية الأولى، قصفت القوات البريطانية مدينة غزة التي كانت أحد الحصون الساحلية الفلسطينية، وتركتها مدمَّرة بشدة وخاليةً من سكانها ومنهكةً ماديًّا، حيث دُمِّر أكثر من ثلث مباني المدينة، بينما فقدت مبانٍ كثيرة مقوماتها الأساسية من أسقف وأبواب ونوافذ. لكن سكان غزة الفلسطينيين عادوا –كما يقول الباحث– إلى ما تبقَّى من منازلهم بعد القصف، واحتموا بما نجا من الدمار. ومع ذلك، أعلن المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل رسميًّا أن المدينة غير صالحة للسكن. وبالمقارنة مع المناظر المدمَّرة في فرنسا وبلجيكا إبّان الحرب، اقترح صموئيل خطة لإعادة الإعمار، بينما أوصت وزارة الخارجية البريطانية بالتواصل مع الاتحاد الصهيوني لتمويل عملية إعادة بناء المدينة.
ورغم أن الفكرة لم تُنفَّذ، فإن مجرد طرحها عكس النهج البريطاني الأشمل المتمثّل في ترسيخ وجود الاستيطان الصهيوني في فلسطين على أرض الواقع. وكشف، كما يشير المقال، عن استغلال جهود "الإغاثة الإنسانية" بعد الحرب لتحقيق الأطماع الاستعمارية، حين بات تعافي غزة وسيلةً تخدم المصالح الإمبريالية.
وبهذا الصدد، حاور "عرب 48" الباحث والمهندس المعماري، عبد الرحمن كتانة، لإلقاء المزيد من الضوء حول هذا الموضوع.
"عرب 48": أوردت في مقالك أمثلة تاريخية ربطت بين الادعاء حول عدم صلاحية المكان الفلسطيني للعيش، مثل "تدمير عكا عام 1840" و"الدمار الذي حلّ بغزة عام 1917"، للتدليل على تاريخية ما يُتداول بشأن غزة اليوم، من أنها أصبحت "غير صالحة للعيش"، وارتباط ذلك بالنهج الاستعماري المتمثل في إخلاء الأرض من سكانها الأصليين وإحلال المستوطنين مكانهم؟
كتانة: أنا أَدّعي أن التدمير الحاصل في قطاع غزة اليوم هو أصلًا جزء من هندسة التفكير في إعادة الإعمار، فالهدم اليوم هو جزء من الإعمار المقصود لاحقًا، وهو جزء من الاستراتيجية التي تقول إن هذه الأرض لم يعد هناك مجال للعيش فيها، وبالتالي ينطبق عليها المصطلح العمراني "أرض خالية"، وأنها ستستقبل أي شيء جديد لكي تُعاد الحياة إليها.
بالتالي، فإن الفكرة التي تقول إن هذه الأرض غير صالحة للعيش ويجب –ويمكن– إعادة بنائها بطريقة مختلفة، هي فكرة استعمارية من الأساس، في فلسطين وغير فلسطين، ولكنها بدأت في فلسطين منذ حوالي مئتي سنة، عندما هزم البريطانيون قوات إبراهيم باشا، ودمروا مدينة عكا التي كانت آخر معقل من معاقله، بعد أن تحالف العثمانيون مع البريطانيين لأجل اتفاقية تجارية لاقت معارضة إبراهيم باشا. وكانت تمتلك بريطانيا في تلك الفترة قوارب بخارية حربية حديثة، ميزتها أنها تستطيع أن تسير بعكس الرياح، ما مكّنها من مهاجمة معاقل إبراهيم باشا في فلسطين، وأهمها عكا التي جرى تدميرها بالكامل.
بعد أسبوع من تدمير عكا، صرّح وزير الخارجية البريطاني قائلًا: "الآن فُتِحت الطريق لجعل هذه الأرض منتجة وحية من جديد، ويمكن أن يكون للشعب اليهودي دور في إعادة إنعاشها مجددًا."
"عرب 48": هذا الحديث قبل نشوء الحركة الصهيونية؟
كتانة: قبل تأسيس الحركة الصهيونية بستين سنة، وهناك كاتب دنماركي يُدعى أندرياس مالم قال: "عندما كانت الصهيونية فكرة استعمارية رأسمالية قبل أن تصبح يهودية." وخلال أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، نُشرت العديد من المقالات والسجالات عن هذه "الأرض الخالية" –فلسطين– والحاجة إلى إحيائها واستعمارها، والتي شجعت فكرة المسيانية اليهودية المتمثلة بعودة المسيح. ولاحقًا دخل الفرنسيون والألمان وغيرهم من الأوروبيين تحت هذه العقيدة.
لكن النقطة الأكثر حسمًا كانت بعد تدمير غزة في الحرب العالمية الأولى، حيث أعلن المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل أن غزة غير قابلة للحياة، علمًا أن سكانها كانوا موجودين في يافا والقدس ونابلس، حيث لجؤوا إليها بعد أن قام الجيش العثماني بإخلاء غزة قبل المعارك، وخاصة المعركة الحاسمة التي جرى قبلها إخلاء جميع سكان غزة البالغ عددهم 28 ألف نسمة وتوزيعهم على القرى والمدن الفلسطينية القريبة. وقد جرى خلال تلك المعركة قصف غزة بشكل جنوني، الأمر الذي أدى إلى هدم جزء كبير من المدينة.
بعدها صرّح هربرت صموئيل أن هذه المدينة غير قابلة للعيش، وطلب من الحكومة البريطانية إعداد مشروع لإعادة إعمار غزة، مشيرًا إلى أنه يمكن من خلال ذلك كسب قلوب الفلسطينيين الذين كانوا في غالبيتهم في صفّ الجيش العثماني، وجزء ضئيل منهم فقط انضم إلى قوات الشريف حسين الموالية لبريطانيا.
الغريب أن رد الحكومة البريطانية كان أنه لا يوجد مشروع لإعادة الإعمار، وقالت: دعونا نرَ إن كان هناك احتمال بأن تقوم الحركة الصهيونية بإعمار غزة، وهنا أيضًا جرى اعتبار عدم صلاحية غزة للحياة فرصةً للحركة الصهيونية لاستعمارها.
عاد هذا المصطلح بعد فترة طويلة إلى الحياة، بعد أن استخدمته الأمم المتحدة في أعوام 2012-2014 بطريقة ساذجة، عبر تحذيرها من تحوّل غزة إلى "منطقة غير صالحة للعيش"، وذلك للفت الانتباه إلى مأساة غزة الإنسانية.
"عرب 48": هناك فرق بين أن تكون منطقة غير قابلة للعيش، ربما بسبب كارثة طبيعية، وبين تحويلها إلى غير قابلة للحياة بهدف تهجير سكانها وإحلال مستوطنين مكانهم، كما تفعل إسرائيل في غزة؟
كتانة: أن تكون منطقة غير قابلة للعيش يعني تَهَدُّم البنية التحتية للحياة المتمثلة بالمباني والبنية الحضرية، وكذلك إتلاف الأرض والتربة. ولذلك كان جعل غزة غير قابلة للحياة هدفًا بحد ذاته وليس نتيجة للحرب؛ فإسرائيل أرادت تحويل غزة إلى صفحة بيضاء لكي يتسنّى البناء عليها أيّ شيء استعماري جديد.
في "إعادة الإعمار" بعد الحرب، هناك توجّهان ظهرا بعد الحرب العالمية الثانية التي خلّفت الدمار في العديد من المدن: الأول أن يتم إعادة إعمار المدينة بصورتها الأصلية، انطلاقًا من أن هذه المدينة كان فيها ناس وأصحاب أرض وغيرهم؛ وتوجّه آخر ينطلق من أنها أرض جرداء خالية يمكن إعمارها بطريقة مختلفة. وبالعادة، إذا كان أصحاب الأرض هم من يقرّرون إعادة الإعمار، سيغلب التوجّه الأول الذي يعتمد إعادة الملكيات والحارات والمباني كما كانت.
والفكرة التي ينطلق منها الإسرائيلي والأمريكي فيما يتعلق بغزة تنبع من كونهما أصلًا لا يعترفان بوجود حياة أو نسيج عمراني يُفترض أن يحافظا عليه، وهما يقومان بمسح شامل لهذا النسيج، حيث نلاحظ أنه في بعض المناطق يقوم الجيش الإسرائيلي بجرف حتى الردم، لكي يمحو معالم الملكيات، بحيث لا تعود تُعرف مواقع الشوارع وحدود الملكيات الخاصة، وبذلك يجعل المدينة صفحة بيضاء كما هو الحال في رفح.
ومثلما أوضح ترامب في مخطّطه، فإنهم يريدون تبديل الملكيات بأموال، بحيث تصبح قيمة الأرض لا تُقاس بذاتها، بل تتحول إلى قيمة مادية على غرار السيارات أو أي أملاك أخرى. وهذا أمر خطير، لأنه يُنتج مدنًا غير صالحة للعيش لسكانها الأصليين، قد تكون صالحة للعيش لسكان آخرين، ولكن الكثير من التجارب فشلت على هذا الصعيد أيضًا.
"عرب 48": تاريخيًا، كما تقول، كل المدن التي جرى تدميرها أُعيد بناؤها لصالح سكانها الأصليين، وحتى المدن التي دُمِّرت خلال الحرب العالمية الثانية، وضمنها تلك التي ضُربت بقنابل ذرية في اليابان؟
كتانة: صحيح، علمًا أن هناك دولًا لا توجد فيها أصلًا ملكيات فردية أو شخصية، حيث يمتلك المواطن شقة ولا يمتلك الأرض. لكن القضية في غزة أن معظم الناس يسكنون في أراضٍ يملكونها، وغالبية الأراضي هي أملاك خاصة، وبذلك فإن الارتباط هو مع الأرض. وفي تجارب إعادة الإعمار العالمية، هناك مدن جلبوا مخطّطاتها الأصلية وأعادوا بناء المدينة وفقها، وهناك مدن أعادوا بناء مراكزها الأساسية فقط وفق المخطط الأصلي، وأقاموا في مناطق أخرى مشاريع عقارية واقتصادية ضخمة.
لكن ما يريده الاحتلال في غزة هو أن يمنع أصحاب البلد من إعادة بنائها، ولذلك يسعى إلى تحويلها إلى غير صالحة للعيش، بغية تهجير السكان ومن ثم إقامة مشاريع عقارية استعمارية كما يريد ترامب، ومشاريع استيطانية كما يريد سموتريتش. ويبدو بوضوح أن عمليات الهدم الجارية ليست لأهداف أمنية، بل لجعل الناس غير قادرة على العودة للعيش في بيوتها.
"عرب 48": صحيح، حتى إن سموتريتش تحدث مؤخرًا عن تقاسم أسهم عقارية مع ترامب، قائلًا إنهم (إسرائيل) أنجزوا المرحلة الأولى في إطار ما وصفها بـ"عملية التجدد الحضري"، وهي مرحلة الهدم؟
كتانة: هم لا يخفون الفكرة، وسموتريتش تحدث بشكل واضح في هذا الخصوص عن ضرورة الاتفاق مع ترامب على تقاسم الصفقة العقارية المتمثلة بغزة.
لكن في النهاية، هذا الحديث كله كلام استعماري وليس عمليًا، ونحن لدينا خبراء في العالم كله يستطيعون أن يُعيدوا الحياة إلى غزة مثلما كانت وأفضل. ومسألة أن غزة قابلة للعيش واستئناف الحياة فيها في حال توقف الاحتلال والتدمير هي مسألة محسومة وغير قابلة للأخذ والرد.
إن فكرة النظر إليها بأنها "غير قابلة للعيش" هي نظرة استعمارية سياسية لا علاقة لها بالمهنية والتقنية، إذ إن المعماريين والتكنولوجيا الموجودة اليوم تجعل عملية إعادة إعمارها وتطويرها لتكون قابلة للحياة والازدهار واقعية أكثر من إعادة إعمارها كمنطقة سياحية عقارية.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه حتى هيروشيما، التي ضُربت بقنبلة ذرية أمريكية، قد بدأت بعد أسابيع فقط من الضربة تتفتح فيها بعض الأزهار والنباتات، وكان تفتحها مُلهِمًا لإعادة إعمارها، وهو ما كان.
عبدالرحمن كتانة: مهندس معماري وأكاديمي وباحث فلسطيني، تتركز اهتماماته على قضايا المرونة الحضرية، وتاريخ العمارة، وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحروب، ومصائر المدن في سياقات الصراع المسلح.
يشغل حاليًا منصب باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة تامبيري في فنلندا، وأستاذ مساعد في دائرة الهندسة والتخطيط المعماري بجامعة بيرزيت في فلسطين. حصل على درجة الدكتوراه في العمارة من جامعة لوفان الكاثوليكية (KU Leuven) في بلجيكا عام 2020. وفي عام 2019، شارك في تأسيس مشروع يلا، وهي مبادرة بحثية وتجريبية متعددة التخصصات في مدينة نابلس، تُعنى بإحياء المدن من خلال الممارسة التشاركية.