08/11/2025 - 21:43

فلسطينيو 48 وزمن الإبادة.. الاستعمار النفسي وهرمية الموت

مها إبراهيم: لتحليل وضعنا استحضرت السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، وركّزت في السياق الخاص بفلسطينيي 48 على "العتبة الحدية" التي تجعلنا موجودين في الوسط، نتبع هنا وهناك، لكننا معلّقون.

فلسطينيو 48 وزمن الإبادة.. الاستعمار النفسي وهرمية الموت

هبة الكرامة في حيفا (أيار/ مايو 2021 "Getty images")

في ورقة بعنوان "الاستعمار النفسي وهرمية الموت لدى فلسطينيي 48"، صدرت عن برنامج علم النفس التحرري في مدى الكرمل، ترى الباحثة مها إبراهيم أن سياق حرب الإبادة الجارية على غزة يبرز ملامح التصدّع في الجسد الفلسطيني من خلال خطاب مقارنة المعاناة، كأحد أبرز تجلّيات البنية الاستعمارية التفتيتية. وتشير إلى أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني أسهم في خلق هرمية في الهويات وفرض أشكال مختلفة من السيطرة والعنف، ما أدّى إلى إنتاج تجارب معيشية غير متجانسة داخل الشعب الفلسطيني نفسه.

وتقول، مسترشدة بعالم النفس التحرري فرانز فانون، إن هذه البُنى تُنتج وعيًا مشوّهًا يتخلّله شعور بالذنب والاغتراب ومقارنات داخلية بين الضحايا أنفسهم، حيث تنعكس هذه البُنية في إنتاج هرميّة داخل المعاناة نفسها؛ إذ كلما كان العنف محسوسًا وظاهرًا في الجسد – كما في القتل والدمار – ازدادت شرعية الألم المترتّب عليه، وكلما كان رمزيًا و"ناعمًا" ازداد طمسه والتقليل من شأنه، بل والتشكيك في صدقيته. وهو ما تسمّيه الباحثة "هرمية الموت"، بمعنى البُنية الخطابية التي تُعطي الشرعية القصوى للألم حين ينتهي بالموت، بينما تُقزّم أشكال أخرى من المعاناة الرمزية والبنيوية إذا لم تُفضِ إلى الفناء الجسدي المباشر.

وتعزّز الورقة هذا الموقف بآراء مشاركين من الداخل الفلسطيني، اعتبروا أن خوفهم من الملاحقات والاعتقالات والفصل التعسفي، بل وحتى من الموت قصفًا بصواريخ محور المقاومة، غير مُشرعَن لأنه "لا يُقارن" بالموت والدمار في غزة، حتى إن بعضهم ذهب إلى القول إن التضحيات في الداخل غير كافية لأن التضحية الأسمى هي الموت ذاته.

وتقول الباحثة إن مثل هذه المقارنات التي لا تأخذ بالاعتبار خصوصية كل تجربة وسياقها التاريخي - السياسي، بحيث لا تُفهم التجارب في ذاتها بل تُختزل إلى مراتب نسبية من المعاناة تُقاس إحداها بالأخرى، تُنتج شعورًا بالذنب وتُعيد إنتاج وعي مشوّه، على نحو ما وصفه فانون، حيث تتغذّى الانقسامات الداخلية ويتحوّل الألم إلى ساحة تنافس رمزي بين الضحايا أنفسهم.

وترى أن هذا الفصل بين العنف المادي والرمزي هو فصلٌ وهمي، مستندة إلى ما تقوله نادرة شلهوب–كيفوركيان بأن العنف في السياق الكولونيالي ليس حدثًا منفصلًا، بل طيفًا يمتد من العنف المألوف – كالإذلال اليومي – إلى المستوى الكارثي – كالإبادة الجماعية، مرورًا بكل ما بينهما، مما قد يبدو طفيفًا أو محدود الأثر مقارنة بالإبادة، لكنه في الحقيقة عنف مُمأسس قادر على التسبّب بالموت والسجن والقهر النفسي والسياسي وتفكيك الذات. وتشير إلى أنه لا وجود لـ"وقف إطلاق نار" في القاموس الاستعماري؛ فالعنف متواصل، متجذّر، وموزّع على كل شظية من شظايا فلسطين الممزقة، مما يُنتج صدمة مستمرّة متشظّية تستعصي عن التسمية.

ورغم تصاعد العنف بعد السابع من أكتوبر، والذي شمل حملات اعتقال وسجن وفصل من العمل ومن الجامعات وملاحقة سياسية واسعة وغير مسبوقة جعلت هذا العنف أكثر جلاءً، إلا أنه ظلّ مُغيّبًا ومُفرغًا من شرعيته الخطابية، ليس فقط من الدولة، بل أيضًا داخل الخطاب الفلسطيني العام، وبالأخص داخل الداخل الفلسطيني نفسه، كما تقول.

وتحاول الورقة، في تحليلها، مقاربة أثر العنف الاستعماري البنيوي على النفس والسلوك لدى الفلسطينيين في الداخل، في لحظة تكثّفت فيها ممارسات الإبادة بحق غزة وأهلها، انطلاقًا من سؤال مركزي هو: كيف تتجلّى البُنى النفسية والسياسية التي راكمها الاستعمار الاستيطاني طويل الأمد في داخلنا، في لحظة الإبادة؟ ولماذا يظهر في أوساط من يُفترض أنهم "الأقل تضرّرًا" من الحرب أنماط من الخزي والصمت والمقارنة الذاتية وأحيانًا جلد الذات؟

وبهذا الصدد، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحثة مها إبراهيم للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.

مها إبراهيم

"عرب 48": من الواضح أن جميع أشكال النضال والتضحيات الأخرى تتقزّم أمام صبر أهل غزة وصمودهم ومعاناتهم في حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل، وأن يشعر الجميع، بما فيهم أبناء منطقة الـ48، بالتقصير والعجز وحتى الخجل. وغيرها من المظاهر التي تحاولين تحليلها واستجلاء آثارها بالاستعانة بعلم النفس التحرري، لكن ذلك لا يلغي دورهم/دورنا الذي يشكل أحد ألوان الطيف النضالي الفلسطيني العام، كما تقولين في محاولتك للإجابة عن هذه الأسئلة؟

إبراهيم: الورقة حاولت تحليل أنماط السلوك أو الخطاب العام الذي شاهدته خلال حرب الإبادة على غزة لدى فلسطينيي الداخل، ما سمعته وشهدته من خطاب شفهي في جلسات الناس وأحاديثهم الخاصة والعامة وفي المجموعات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. لاحظت أنه كان خطابًا ينطوي على الكثير من الشعور بالذنب والخجل وجلد الذات بسبب الإحساس بالتقصير تجاه ما يحدث في غزة، وأنه حتى عندما يتعرض الناس عندنا إلى أعمال عنيفة مثل الملاحقات والقمع والاعتقالات، أو حتى عند سقوط شهداء نتيجة بعض صواريخ محور المقاومة التي أخطأت أهدافها الحقيقية، كان ينتابنا الخجل من الحديث عن هذه الأمور. ولاحظت أن هذا الخجل كان ينبع أساسًا من مقارنات تقول: كيف نحكي عن هذا العنف "البسيط" الذي لا يُقارن بما هو جارٍ في غزة.

طبعًا أنا أوافق أن لا شيء يُقارن بما كان يحصل في غزة ولا يزال من حدث مهول يقزم أي شيء آخر، لكني اهتممت بتحليل هذا الشيء واستجلاء مصدره بواسطة أدوات علم النفس التحرري. وادعائي أن هذا الخطاب ليس وليد اللحظة الراهنة، بل هو شيء متراكم وموجود في البنية النفسية والسياسية والاجتماعية الخاصة، تفجّر في لحظة الإبادة.

"عرب 48": بالنتيجة، الظاهرة في عنوان المقال هي أن هناك هرمية في الموت، كما سميتها، يقع فلسطينيو 48 في قاع الهرم الفلسطيني، بمعنى أننا في الهامش الفلسطيني أيضًا، مثلما نحن في الهامش الإسرائيلي؟

إبراهيم: لتحليل وضعنا استحضرت السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، وركّزت في السياق الخاص بفلسطينيي 48 على "العتبة الحدية" التي تجعلنا موجودين في الوسط، نتبع هنا وهناك، لكننا معلّقون.

"عرب 48": نقع في الهامش المزدوج، بتعبير البعض؟

إبراهيم: صحيح، لكن بالرغم من ذلك، فإن الكثيرين يصوّروننا على أننا ذوو الوضع الأفضل من بين سائر الفلسطينيين، أو المرتاحون أصحاب الامتيازات. والصحيح أن خطاب الامتيازات هذا يلغي القمع والمعاناة التي يعيشها فلسطينيو 48، وبالذات كونه قمعًا مقنّعًا، لا يشبه ما يحدث في الضفة وغزة، حيث يُستعمل هناك عنف ظاهر، في حين أن العنف المستعمَل ضدنا هو عنف يُمارس عبر قنوات رمزية، مثل هندسة الوعي، أو عنف خفي وغير ظاهر، والكثير غير واعٍ له، لكنه يترك أثره على النفس والوعي.

"عرب 48": الأمر شبيه بالمتضررين جسديًا والمتضررين نفسيًا في أي حادث عنف، حيث يُولى الاهتمام للمصابين جسديًا، بينما لا يحظى المتضررون نفسيًا بالاهتمام الكافي، علمًا أن نتائج الإصابات النفسية قد تكون آثارها وخيمة ولكنها غير ظاهرة؟

إبراهيم: الأمر لا يقتصر على الأضرار النفسية، ولا يخلو من عنف مادي أيضًا، لكنه غير بارز وشديد الوضوح مثلما هو لدى أجزاء أخرى من فلسطين.

"عرب 48": وهذا يولّد لدينا حالة من الخجل والشعور بالذنب، وربما الخزي وهو المصطلح الذي استعملته في الورقة؟

إبراهيم: لقد ترددت بين استعمال مصطلحي الخجل أو الخزي، وفي النهاية قررت استعمال الخزي لأنه تعبير أكثر دقة. وهناك طبقتان من الخزي: الأولى هي الخزي الناتج عن العنف الذي نعاني منه بشكل أقل، وهناك خزي ناتج عن صمتنا عمّا يحدث هناك، وعدم استطاعتنا فعل أي شيء حياله، أو من عجزنا عن الفعل، وكيف نحكي عن العنف الممارس ضدنا في وقت نسكت فيه عمّا يحدث في غزة.

"عرب 48": في هرمية الموت التي أسميتها، احتلت الشهادة رأس الهرم كدرجة أسمى من التضحيات الأخرى، وهو ما يجعل سائر الفئات والمركبات في درجات دنيا، بالرغم من أن الجميع يتعرض لأشكال مختلفة من الاضطهاد والقمع؟

إبراهيم: أنا أقول إن هذه المقارنات تتغذّى من التقسيمات التي أنتجها الاستعمار، وبسبب هذه التقسيمات تحدث ما يمكن وصفه بالتناحرات أو الوعي المشوّه بين أبناء المجتمع الواحد. وهذا ما يولّد مقارنات وغيرها من الأمور التي أتيت على ذكرها في الورقة. والحقيقة أنه رغم وجود واقع مختلف لكل جزء من فلسطين، ووجود أشكال عنف مختلفة، إلا أنه لا يصحّ فصلها عن بعضها البعض، رغم وجود تفاوت في الدرجات، لأنها تكمل بعضها البعض، ولا يجب أن نقع في مقاربات خاطئة.

"عرب 48": الموقع هو من يفرض أسلوب المقاومة وشكل القمع ضد كل تجمع فلسطيني وآخر، لكن هذا التمايز لا يخفّف من وطأة القمع الذي يتعرض له فلسطينيو الداخل، الذين وصفتهم بأنهم يعانون من "صدمة مستعصية". ماذا تعنين بذلك؟

إبراهيم: الصدمة المستعصية هي صدمة لا تقع ضمن الخطاب الطبي التقليدي للأمراض النفسية، الذي يعرف الصدمة على أنها حدث واحد يقع خارج النسق الطبيعي. في حين أنّ الصدمة المستعصية هي صدمة متكررة، مزمنة، غير محصورة بحدث وحيد، بل هي ناتجة عن عدة أحداث غير ظاهرة تتراكم، ويكون من الصعب التعبير عنها. لأنه عندما لا نعرف مصدر العنف لأنه مخفي أو ناعم، يكون من الصعب أن نسمّي هذه التجربة.

"عرب 48": المقصود ربما أن نتائجها تكون غير مباشرة؟

إبراهيم: غير مباشرة لأن أثرها لا يظهر على الجسد، بل على النفس. وفي كثير من الأحيان فإنك لا تعرف مصدر الصدمة، ولذلك تلوم نفسك. وأنا أعتمد في تحليلي على علم النفس التحرري، الذي يضع السياق السياسي والاجتماعي كمحور للتحليل، وذلك بخلاف علم النفس التقليدي الذي هو في النهاية علم نفس استعماري، يحصر أسباب المعاناة بالفرد، بالطفولة، بالتطور، ويقصرها على الفرد نفسه، وبالتالي يبرّئ الاستعمار والاحتلال والقهر الطبقي.

بينما ينطلق علم النفس التحرري من أهمية الوعي بالمعاناة النفسية التي يشعر بها الناس بسبب القهر وبناه السياسية والاجتماعية، وهو لا يبتغي العلاج بقدر ما يبتغي تحويل هذه المعاناة إلى موضوع للحديث والتعبير عنها بواسطة اللغة وبواسطة الفن والقراءات والتكامل المجتمعي.

"عرب 48": ألا تخشين أن يُصنّف عملك في خانة إيجاد مبررات للتقصير في دعم غزة؟

إبراهيم: كان هناك خوف من أن يُقرأ هذا التحليل كتبرير، لكنه ليس كذلك. إنه محاولة فهم وتفكيك، وهو بالنهاية لا يلغي النقاش السياسي حول نجاعة دورنا ومدى دعمنا أو تقصيرنا تجاه غزة، وهو موضوع يحتاج إلى بحث قائم بحد ذاته. لكن الأكيد أننا مقصّرون، وهذا وجع أخلاقي سيبقى يلاحقنا.


مها إبراهيم: باحثة وعاملة اجتماعية في مجال الصحة النفسية، حاصلة على شهادة الماجستير في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي، ومهتمة بالصحة النفسية في السياقات الاستعمارية.