21/12/2025 - 09:36

حوار مع عبد القادر بدوي: هدم وتهجير مخيمات شمالي الضفة وإعادة هندسة المخيم كمكان ورمز للعودة

يرى الباحث عبد القادر بدوي أن إسرائيل تحاول استغلال الأوضاع الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها حرب الإبادة التي تشنها على الشعب الفلسطيني، وانشغال أنظار العالم بما يجري في غزة، من أجل تمرير واحدة من أخطر عمليات "الهندسة السياسية" لقضية اللاجئين.

حوار مع عبد القادر بدوي: هدم وتهجير مخيمات شمالي الضفة وإعادة هندسة المخيم كمكان ورمز للعودة

فلسطينية من نور شمس تحتج على الهدم والتهجير (Getty Images)

في التماسٍ قدّمه للمحكمة العليا الإسرائيلية ضد قرار الجيش الإسرائيلي هدم 25 مبنًى في مخيم نور شمس، أشار مركز عدالة الحقوقي إلى أن نطاق الهدم يفتقر إلى أي ضرورة عسكرية ملحّة، ويأتي استكمالًا لسياسة تدمير واسعة غيّرت معالم المخيم وألحقت دمارًا بالغًا بالبنية التحتية والسكنية، مؤكدًا أن القرار يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر تدمير المنشآت المدنية وتهجير المدنيين قسرًا، كما يخرق حقوق السكان فيما يتعلق بالسكن والملكية.

ويندرج قرار الهدم المذكور ضمن المخطط الذي يستهدف مخيمات شمالي الضفة الغربية، والذي أفضى حتى الآن إلى هدم مئات البيوت وتهجير عشرات آلاف السكان من مخيمات جنين، نور شمس، وطولكرم، في عملية تدمير ومحو ممنهجة تتجاوز - بتعبير الباحث عبد القادر بدوي - الأهداف العسكرية - الأمنية الإسرائيلية المُعلنة، نحو إعادة هندسة المخيم باتجاه محوه كحيّز جغرافي وكرمز يرتبط بحق العودة.

إسرائيل تهدم منازل في نور شمس (Getty Images)

وفي ورقة بعنوان: "عمليات الهدم في مخيمات شمال الضفة الغربية - الأهداف الإسرائيلية الإستراتيجية"، نُشرت على موقع مركز "مدار" ضمن باب "تقدير موقف"، يحاول بدوي تقديم قراءة استشرافية تُركّز على البُعد السياسي للهدم الذي تشهده هذه المخيمات، وفهمه في ضوء "التصوّر" الجديد لمستقبل الضفة الغربية من وجهة النظر الإسرائيلية، استنادًا إلى مصادر إسرائيلية ذات صلة، ومواقف العديد من الجهات الفاعلة في صوغ وتشكيل السلوك الإسرائيلي المستجدّ تجاه المخيمات بشكل خاص، والضفة الغربية عمومًا..

تفيد الورقة بأنّه، منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شرع الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق، استهدفت مخيمات شمالي الضفة الغربية على وجه الخصوص: جنين، طولكرم، ونور شمس. وقد استخدم خلالها العديد من الأساليب التي استُخدمت إبان الانتفاضة الثانية، مثل الهدم الواسع للمنازل والأحياء، وتدمير البنية التحتية، وتهجير السكان. كما لجأ إلى القصف الجوي، والطائرات المسيّرة، والمدرعات، والدبابات، والآليات الهندسية الثقيلة، والجرافات العسكرية لأغراض الهدم والتدمير المنهجي، الذي حوّل تلك المخيمات، وخاصة مخيم جنين، إلى ما يشبه حيًا داخل مدينة. وتم توثيق شقّ طرق عريضة بين أنقاض المنازل المدمّرة، بالإضافة إلى استمرار تهجير نحو 50 ألف فلسطيني.

وأشارت الورقة إلى أن إعلانات الهدم الجماعي المستمرّ للمخيمات تُنبئ بوجود أبعاد سياسية وأهداف تتجاوز ما أعلنته الجهات الرسمية منذ بدء العملية، والتي تمحورت حول "الضرورات العسكرية والأمنية" والقضاء على الخلايا المسلحة للفصائل الفلسطينية. وبيّنت أن هذه العمليات تمسّ جوهر المخيم كمكانٍ رمزيّ وإحالاته في سردية الصراع: النكبة، والمقاومة، والعودة، بما في ذلك دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين – الأونروا، وهو ما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، مستفيدةً من الظروف الناشئة منذ بدء حرب الإبادة.

"المخيمات أصل الحكايات"... (Getty Images)

وفي هذا السياق، انتقل الجيش الإسرائيلي، فور الانتهاء من تهجير سكان المخيمات - وهي عمليات تخللتها اشتباكات مع المقاومين، وتمشيط، وملاحقات، واغتيالات - إلى الجانب الهندسي، حيث تم الكشف، كما يقول الباحث، عن تنفيذ مخطط منهجي يهدف إلى تحويل المخيمات إلى أحياء عادية داخل المدن. وبموجب هذا المخطط، سيُمنع إعادة بناء أي منزل أو حيّ تم تدميره خلال العملية، مع الإبقاء على الطرق التي فُتحت خلال الاجتياح وعدم السماح بإعادة تضييقها مستقبلاً، إلى جانب توطين ما يقارب نصف السكان خارج الحيز المكاني للمخيم.

لإلقاء المزيد من الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث عبد القادر بدوي:

"عرب 48": المقلق في الأمر أن مخيمات شمالي الضفة - جنين، طولكرم، ونور شمس - قد تكون حلقة في مخطط أوسع يشمل جميع مخيمات الضفة الغربية، بعد أن تم تسوية مخيمات قطاع غزة بالأرض.. ما رأيك؟

بدوي: ما يجري في مخيمات شمال الضفة هو بمثابة "بايلوت" (نموذج تجريبي) يهدف إلى إعادة هندسة المكان وتحويل هذه المخيمات إلى أحياء تابعة للمدن المجاورة، وبالتالي القضاء على المخيم كحيز سكني وجغرافي، وكرمز لقضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها.

إذا نجحت هذه التجربة في المخيمات الثلاث المذكورة، فإن إسرائيل ستسعى إلى تعميمها على باقي مخيمات الضفة الغربية، التي يبلغ عددها 18 مخيمًا. ويترافق ذلك مع تدمير مخيمات قطاع غزة ومسحها فعليًا عن الوجود، إلى جانب محاولة إلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) ومنع أي دور لها داخل المخيمات، ونزع الصفة السياسية عنها كإطار دولي يكرّس حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.

عبد القادر بدوي

إسرائيل تحاول استغلال الأوضاع الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها حرب الإبادة التي تشنها على الشعب الفلسطيني، وانشغال أنظار العالم بما يجري في غزة، من أجل تمرير واحدة من أخطر عمليات "الهندسة السياسية" لقضية اللاجئين. هذا يتم عبر محو المخيمات، ومحاربة الأونروا، والتشكيك بمصادر تمويلها، ومنعها من العمل في القدس والضفة الغربية، وشطب البعد الرمزي لفكرة المخيم كدلالة على العودة والمقاومة.

"عرب 48": هل تدرك إسرائيل أن المخيمات، التي شكّلت نواة للمقاومة الفلسطينية وقاعدة انطلاقها في الخارج، ما زالت حتى اليوم تحافظ على جذوة المقاومة مشتعلة في الداخل رغم كل الظروف؟

بدوي: كما تعلم، فإن مخيمات شمالي الضفة تحديدًا بقيت نُوى فاعلة للمقاومة، رغم مرور سنوات طويلة على انتهاء الانتفاضة. لقد شكّلت بنية وبيئة حاضنة لفصائل العمل الوطني والإسلامي، وتعدّدت فيها أسماء وتشكيلات المقاومة، وبعضها عمل بشكل مستقل عن الأطر التقليدية.

هذه المخيمات، وعلى مدى سنوات، احتضنت فكرة المقاومة وأبناءها، رغم الحملات العسكرية المتكررة التي كانت تكلّف الأهالي أثمانًا باهظة. ومن الواضح أن أحد الأهداف الرئيسية للعملية العسكرية الأخيرة، المسماة "عملية الجدار الحديدي"، وما تبعها من هدم وتهجير، هو معاقبة الأهالي على هذا الاحتضان ودفعهم ثمنًا باهظًا.

نحن نتحدث هنا عن آلاف المهجّرين: أكثر من 11 ألفًا في مخيم جنين، وأكثر من 20 ألفًا في مخيمَي نور شمس وطولكرم.

"عرب 48": هل يمكن اعتبار ذلك شكلاً من أشكال التوطين، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض هذه الفكرة التي طالما رفضها الفلسطينيون عليهم بالقوة داخل الأراضي المحتلة، لتكون نموذجاً لتعميم التوطين في دول اللجوء المجاورة لفلسطين؟

بدوي: صحيح، عمليات الهدم المتواصلة، رغم انتهاء العملية العسكرية، وشروط إعادة البناء كأحياء تابعة للبلديات، وتقليص عدد سكان هذه المخيمات التي ستتحول إلى أحياء إلى النصف، بهدف تقليل الكثافة السكانية والازدحام، إضافة إلى توسيع الشوارع والقضاء على الزقاقات وغيرها من المظاهر التي تُشكّل ملامح المخيم الأساسية، والتي تجعل منه محطة انتظار مؤقتة على طريق العودة، تشكل كلها عوامل اجتماعية واقتصادية تغذي المقاومة وتحفزها كطريق للعودة.

فلسطينيات يطالبن بالعودة إلى منازلهن (Getty Images)

استمرار هذه العمليات ومحاولة فرض تلك الشروط يشير بوضوح إلى الهدف الذي ذكرته. ورغم أن إسرائيل نجحت سابقاً في تغليف أهدافها السياسية بمسوغات وحجج أمنية، فإن عمليتها الأخيرة كانت أكثر انكشافاً على الأهداف السياسية التي تقف وراءها، خاصّةً مع استمرار أوامر وعمليات الهدم، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي مؤخراً قراراً بهدم 25 مبنى في مخيم نور شمس، في وقت لا تزال فيه قواته تمنع المهجّرين من العودة إلى ديارهم، بل وتطلب من بعضهم إخراج مقتنياتهم من البيوت تمهيداً لهدمها.

"عرب 48": الشروط التي تحدثت عنها لإعادة البناء، والتي تعني تحويل هذه المخيمات إلى أحياء تابعة للمدن المحيطة بها، هل تم عرضها على البلديات أم على السلطة الفلسطينية؟

بدوي: تشير التقارير إلى مسارين، السلطة والبلديات، لكن في النهاية البلديات تابعة للحكم المحلي الذي تشرف عليه السلطة. وتتضمن هذه الشروط أولاً إلغاء وكالة الأونروا بشكل كامل، وثانياً تغيير تسمية المخيمات بوصفها محطات لجوء ودمجها إدارياً كأحياء ضمن البلديات المحيطة بها، وثالثاً استنساخ نموذج التهجير الذي نفذ في قطاع غزة ومخيماته، حيث يُفرض شرط أمني على من يُسمح لهم بالعودة إلى هذه الأحياء التي سيتم بناؤها، بمعنى أن إسرائيل هي التي تحدد هوية العائدين. ورابعاً، هناك خارطة طريق لما بعد العودة، أو كما يُطلق عليها في غزة "اليوم التالي".

كل ذلك يتم وفق مخطط هندسي جديد يجب على السلطة الفلسطينية الالتزام به، مثل استبدال الأزقة القديمة بشوارع واسعة، ومنع إعادة بناء المنازل كما كانت سابقاً، كما يُمنع إعادة بناء البيوت التي هُدمت، بالإضافة إلى الالتزام بالطرق التي شُقت سابقاً بواسطة جرافات جيش الاحتلال.

وأحد المطالب الأخيرة هو توطين 50% على الأقل من سكان كل مخيم خارج الحيز المكاني للمخيم.

هذا هو الإطار العام الذي يخرج عمليات الهدم المتواصلة من دائرة المسوغات والحجج الأمنية التي تسوقها إسرائيل، ويشير بوضوح إلى بعد سياسي يتعلق بضرب أحد مكونات المشروع الوطني الفلسطيني وفكرة التحرر الوطني، وهو حق العودة وفكرة المقاومة التي تشكل المخيمات حاضنتها الشعبية الأساسية منذ سنوات طويلة.


عبد القادر بدوي: باحث مختص في الشأن الإسرائيلي بالمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار.

التعليقات