في مقال نُشر مؤخرًا في مجلة الدراسات الفلسطينية، تتناول الباحثة فيروز سلامة واقع القرى الفلسطينية الواقعة في الضفة الغربية، والمُحاذية للمستعمرات الإسرائيلية. وتُطلق عليها وصف "المستقرّات الفلسطينية"، نظراً لتشابك حدودها مع الجدار الفاصل، وشبكة الطرق الالتفافية، والحواجز العسكرية.
تجادل سلامة أن هذه المستقرات لم تعد مجرد قرى حدودية تقليدية، بل أصبحت فضاءات مقطّعة الأوصال، محاطة بأدوات السيطرة الإسرائيلية؛ إذ يُقيّد الجدار العازل امتدادها العمراني والزراعي، بينما تعمل الطرق الالتفافية على إقصائها عن مراكزها الطبيعية، وتحوّل الحواجز العسكرية الدخول إليها والخروج منها إلى مهمة يومية شاقة.
ويشير المقال إلى أن هذا الواقع الاستعماري المركّب أفرز ظاهرة اقتصادية - اجتماعية، تمثلت في تحوّل بعض القرى الفلسطينية إلى مراكز لتقديم خدمات اقتصادية للمستوطنين، الذين استغلوا القرب الجغرافي وفارق الأسعار بين السوقَين الفلسطينية والإسرائيلية.
وبالتالي، أصبحت بلدات مثل حوارة، حزما، العيزرية، أريحا، النبي إلياس، وأسواق برطعة الشرقية، اللبن الغربية، ونعلين، مواقع تزدهر فيها ورش الميكانيكا، ومحالّ الملابس، والأثاث، والأجهزة الكهربائية، والمشاتل الزراعية، وعيادات الأسنان، ومحطات الوقود، ومواد البناء.
وتوفر هذه الأنشطة مصدر رزق محدودًا للفلسطينيين في ظل الحصار، بينما تُقدّم للمستوطنين خدمات أقل تكلفة وأسهل وصولاً.
تُفضي هذه العلاقة، بحسب فيروز سلامة، إلى نشوء واقع معقّد يقوم في ظاهره على المنفعة المتبادلة، لكنه في جوهره جزء من بنية استعمارية غير متكافئة؛ إذ يُختزل الفلسطيني إلى مجرّد مزوّد خدمة اقتصادي، بينما يحتفظ المستوطن بامتيازاته الكاملة ضمن مشروع استيطاني يفرض سيطرته على الأرض والفضاء والزمن معًا.
وقد بدت هذه المعادلة، حتى وقت قريب، وكأنها تتيح هامشًا من "التعايش الاقتصادي" القسري، لكن الحرب على غزة التي اندلعت بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عرّت هشاشتها؛ إذ انهار غطاء المنفعة، ليبرز الجوهر الاستعماري العنيف: أسواق أُفرغت من روادها، قرى أُغلقت مداخلها، وفضاءات تحوّلت إلى ميادين مواجهة يومية.
ويشير المقال إلى أن إبراز هذه الثنائية منذ البداية - بين "المنفعة الاقتصادية" قبل حرب تشرين الأول والمواجهة المفتوحة بعدها - يساعد على فهم "المستقرات الفلسطينية" لا كمساحات هامشية تقدّم خدمات، بل كفضاءات أصلانية يُعاد تشكيلها باستمرار تحت وطأة الاستعمار، في ظل اقتصاد هشّ، وسيادة منقوصة، وحياة يومية محاصرة، ومصير دائم التهديد.
لإلقاء المزيد من الضوء حول الموضوع أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحثة فيروز سلامة:
"عرب 48": تتحدثين عن قرى حدودية فلسطينية محاطة بأدوات السيطرة الإسرائيلية كالجدار العازل، والطرق الالتفافية، والحواجز العسكرية، ما جعلها فضاءات مقطّعة الأوصال، وأنتج واقعًا جديدًا نشأت في كنفه ظاهرة اقتصادية - اجتماعية تمثلت بتحوّل بعض هذه القرى إلى مراكز لتقديم الخدمات للمستوطنين. هل لك أن توضحي ذلك أكثر؟
سلامة: بداية، أود الإشارة إلى أن المقالة المنشورة هي خلاصة لأطروحة ماجستير في الدراسات الإسرائيلية، تناولت العلاقة الاقتصادية بين المستوطنين والفلسطينيين في القرى الحدودية بالضفة الغربية.
وعندما أتحدث عن "القرى الحدودية"، لا أقصد فقط الحدود الكلاسيكية، كحدود الرابع من حزيران 1967، أو حدود الهدنة عام 1949، بل أعني القرى الفلسطينية الواقعة على مسار الجدار العازل والمحاذية للمستوطنات الإسرائيلية. فوجود المستوطنات القريب من الجدار، والحواجز العسكرية المركزية التي تفصل بين أراضي الداخل المحتل والضفة الغربية، إضافة إلى الحواجز والبوابات الحديدية وأبراج المراقبة التي تحيط بهذه القرى، يجعلها تعيش - إلى جانب كونها واقعة تحت الاحتلال كغيرها من مناطق الضفة - واقعًا ماديًا ملموسًا ناتجًا عن منظومة الحماية الأمنية للمستوطنات، كالطرق الالتفافية والجدار العازل وغيرها.
أما عن استخدامي لمصطلح "المستقرات الفلسطينية"، فهو تأكيد على أصلانية هذه القرى واستقرارها في مواجهة الطابع الطارئ والعرضي للمستعمرات الإسرائيلية التي تنمو وتتوسع على حسابها. فالمصطلح يحمل دلالة معرفية وسيادية، ويهدف إلى إعادة تأطير المشهد لصالح الحق الفلسطيني. ومع أنني استخدمت سابقًا مصطلح "القرى الحدودية" في أطروحة الماجستير، إلا أن ذلك لا يتناقض مع تأكيد أصلانية هذه الفضاءات وثباتها في مواجهة الاستعمار.
"عرب 48": هل يمكن القول إن بعض القرى الفلسطينية تحوّلت، بفعل الواقع المعقد الذي فُرض عليها، إلى مراكز تجارية تقدّم خدمات اقتصادية للمستوطنين؟
سلامة: ما نتحدث عنه هو الشوارع الخارجية لتلك القرى، وليس قلب الأحياء السكنية. هذه الشوارع تمنح المستوطنين شعورًا نسبيًا بالأمان، مما يجعلهم يرتادونها للاستفادة من فارق الأسعار بين السوق الفلسطينية والإسرائيلية، خصوصًا في مجالات مثل تصليح السيارات، وعلاج الأسنان، وشراء المستلزمات المنزلية والنباتات وغيرها.
وبمرور الوقت، توسّع هذا الحيز وتطوّر ليصبح سوقًا مزدهرًا في بعض القرى، يقدم خدمات اقتصادية ضمن معادلة تقوم على "المنفعة المتبادلة": المستوطن يحصل على خدمات أرخص، بينما يحاول الفلسطيني تعويض خسائره الاقتصادية الناتجة عن واقع الحصار المفروض عليه، بفعل الجدار والحواجز ونقاط التفتيش المحيطة بقريته، التي أُقيمت لحماية المستوطنات المجاورة.
ومع ذلك، فإن هذه العلاقة لا تتجاوز حدود التعامل التجاري، وهي تتم في جو من الريبة والحذر والتوجّس المتبادل. هي ليست معزولة عن السياق الاستعماري والتاريخي الذي يعيشه الفلسطيني، ولا تحمل بأي حال من الأحوال طابعًا تطبيعيًا مع الاحتلال.
"عرب 48": مفهوم "التطبيع" لا ينطبق على الفلسطيني الذي يُفرض عليه التعامل مع الإسرائيلي باعتباره قوة احتلال، يرتبط بها مصدر رزقه واقتصاده. ألا تعكس هذه الظاهرة أحد أشكال التبعية الاقتصادية المفروضة؟
سلامة: هذا صحيح، مع التأكيد أنني لا أسعى إلى إصدار أحكام بقدر ما أهدف إلى تفكيك هذه الظاهرة. ما يلفت الانتباه هو استمرار هذا الواقع الاقتصادي حتى بعد تصاعد اعتداءات المستوطنين وتكثيف العنف منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فبعد اندلاع الحرب، لم يعد المستوطن يدخل القرية بصفته "زبوناً"، بل كعدو يشن اعتداءات فردية وجماعية. تراجعت البنية الاقتصادية بشكل كبير، واختفى الزبائن من المتدينين المتشددين، بينما اقتصر الحضور على قلة من العلمانيين، وأصبح بعض أولئك المستوطنين هم من يقود الهجمات على القرى الفلسطينية.
بالتوازي، عزز الجيش الإسرائيلي من إجراءاته العسكرية عبر إقامة حواجز وبوابات جديدة، تُفتح وتُغلق بأوامر عسكرية، ما حوّل الأسواق الفلسطينية من فضاءات اقتصادية نشطة إلى مساحات زمنية مسروقة. المثال الأوضح على ذلك هو سوق بلدة حوارة، الذي كان يشكل عقدة اقتصادية رئيسية، وقد تحوّل إلى فراغ مغلق بعد تغيير مسار الشارع إلى طريق التفافي جديد. لم يعد "المحل التجاري" مجرد مكان هش، بل أصبح فضاء بلا وظيفة، بلا حركة، وبلا أفق.
"عرب 48": هل طبيعة المناطق الحدودية تجعلها أول من يقطف "ثمار" السلام، وأول من يتلقى عواقب الحرب؟
سلامة: نعم، هذه المناطق دفعت الثمن أولاً عبر الجدار الفاصل، والحواجز، والشوارع الالتفافية التي قطّعت أوصالها، وحاولت أن تعوّض عن ذلك عبر أسواق مصطنعة كما أشرنا. ثم، كانت أول من دفع ثمن الحرب، بهجمات المستوطنين وتجفيف أسواق بعضها، وإضعاف أسواق أخرى، إلى جانب تضاعف مشاعر الريبة والتوجس المتبادل بين طرفي العملية التجارية.
لقد أوضحت الحرب أن "المستقرات" الفلسطينية ليست مجرد فضاءات اقتصادية على أطراف القرى، بل بنى استعمارية مركبة يُعاد إنتاجها عبر ثلاث طبقات متداخلة: اقتصاد يقوم على استغلال التبعية، ومكان يتآكل ويتحول إلى "محل" غير مستقر، ثم إلى "مكان منقرض"، وزمن معلّق يخضع لمنطق السيطرة. هذه الأبعاد تتقاطع وتُعمّق بعضها بعضاً؛ ففقدان السيطرة على الزمن يعزز هشاشة المكان، وتآكل المكان يعيد إنتاج التبعية الاقتصادية، ويبقى الاقتصاد الفلسطيني المقيّد أسيرًا لمنظومة استعمار تتحكم في المكان والزمن معاً.
بهذا المعنى، يصبح الفضاء الفلسطيني في هذه المستقرات انعكاساً مكثفاً لطبيعة الاستعمار الاستيطاني: علاقة غير متكافئة تُدار عبر الاقتصاد والمكان والزمن، تجعل الفلسطيني حاضراً بجسده وغائباً بسيادته، قائماً كمقدّم خدمة ومستهلك للوقت والمكان، لكنه مهمّش كصاحب أرض وزمن.
"عرب 48": أشرتِ إلى انعكاس هذه الظاهرة على المشهد العام، وإعادة تشكيل الفضاء الفلسطيني عبر اللغة والرموز البصرية في الأسواق والشوارع، حيث تفرض العبرية حضورها بوصفها لغة المستهلك المهيمن. هل لك أن توضحي ذلك أكثر؟
سلامة: الظاهرة ليست معزولة عن عبرنة المشهد، بل هي جزء أساسي منه، حيث تنتشر في هذه المواقع لافتات مكتوبة باللغة العبرية لإرشاد المستوطن إلى الخدمة التي يبتغيها، وفي بعض الأحيان نجد لافتات باللغة الروسية أيضاً، لتسهيل الأمور على المستوطنين من أصول روسية. وهكذا، لا يحصل المستوطن على خدمة أرخص فحسب، بل على مشهد بصري مريح بلغته أيضاً. ما يعني أن الاقتصاد لا يُنتج منفعة مادية فقط، بل يعيد صوغ الفضاء الرمزي بشكل يُكرّس شعور التفوق والانتماء. بهذا الشكل، يصبح الاقتصاد وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة الثقافية إلى جانب السيطرة المكانية والزمنية.
*فيروز سلامة: طالبة دكتوراه في علم الاجتماع بجامعة إيكس - مرسيليا، وباحثة حاصلة على منحة تنقّل دولي ضمن مشروع "أبعاد" في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في الأراضي الفلسطينية. أنهت دراسة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية، وتحمل شهادة البكالوريوس في الجغرافيا، مع تخصّص فرعي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة بيرزيت. تتركز اهتماماتها البحثية على تأثير الاحتلال والمستوطنات في حياة الفلسطينيين، وقضايا الأرض في القرى المحاذية للمستوطنات.
التعليقات