25/01/2026 - 11:09

حوار مع جمانة جنازرة: المناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية بين السيطرة والإخضاع

تؤكد الباحثة جمانة جنازرة أن المناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية تجمع بين الاستغلال الاقتصادي للموارد والأيدي العاملة الفلسطينية، وبين ترسيخ الوجود الاستيطاني وتهويد الأرض.

حوار مع جمانة جنازرة: المناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية بين السيطرة والإخضاع

أرشيفية (Getty Images)

في دراسة حول الآثار الاقتصادية للمناطق الصناعية الإسرائيلية في الضفة الغربية، نُشرت ضمن ملف خاص عن الاستيطان في العدد الأخير من مجلة "عمران" الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يتناول الباحثان وليد حباس وجمانة جنازرة هذه المناطق بوصفها مركّبًا استيطانيًا يتجاوز المنطق الربحي إلى وظيفة استعمارية تهويدية، تسعى إلى الدمج بين السيطرة الجغرافية والإخضاع الاقتصادي.

ويشير ذلك إلى تحوّل هذه المناطق إلى مكوّن أساسي من المشروع الاستيطاني الأوسع، إذ تجمع بين استغلال الموارد والأيدي العاملة الفلسطينية اقتصاديًا، وترسيخ الوجود الاستيطاني وتهويد الأرض.

وترصد الدراسة، استنادًا إلى تقارير مراقب دولة الاحتلال الإسرائيلي، وجود 35 منطقة صناعية إسرائيلية في المناطق المصنّفة "ج" من أراضي الضفة الغربية، جرى تأسيس ستٍّ منها في أواخر سبعينيات القرن العشرين وأوائل الثمانينيات، ثم تطورت تدريجيًا بفعل تضافر عملية "الأسرلة" الزاحفة لمناطق "ج"، وإحاطة الاستيطان المدني ببنى تحتية صناعية ولوجستية، إلى جانب الدور الذي لعبه رأس المال الصناعي والتجاري الإسرائيلي، الذي وجد في الضفة الغربية بيئة حاضنة وملائمة من حيث الأراضي منخفضة التكلفة، والأيدي العاملة الرخيصة والمنقادة، ومنظومة القوانين والتسهيلات التي لا تتوفر له داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وترتبط، وفقًا للدراسة، عملية ترويج الحكومة الإسرائيلية لما يُسمّى المناطق الاقتصادية "الدولية" في الأرض الفلسطينية المحتلة ارتباطًا وثيقًا باستغلال العمالة الفلسطينية. فمنذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، سعى الاحتلال الإسرائيلي إلى دمج الاقتصاد الفلسطيني في منظومته الاقتصادية، وهو ما تعمّق بشكل ملحوظ بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، ما أدى إلى خضوع الاقتصاد الفلسطيني لاقتصاد الاحتلال، ونشوء نشاط اقتصادي فلسطيني هشّ لا يستطيع توليد فرص عمل كافية لمواطنيه، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين إلى البحث عن عمل في إسرائيل أو في المستوطنات الإسرائيلية والمناطق الصناعية.

جمانة جنازرة

وفي هذا السياق، تفيد الدراسة بأنه من بين 40 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون في مستوطنات الضفة الغربية قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كان نحو 17 ألف عامل يعملون داخل المناطق الصناعية الإسرائيلية. وبعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، تراجع العدد الإجمالي إلى نحو 25 ألف عامل، فيما انخفض عدد العاملين في المناطق الصناعية المذكورة إلى نحو 14,500 عامل.

أما على الصعيد البيئي، فتشير الدراسة إلى آثار مدمّرة لهذه المناطق الصناعية على التجمعات الفلسطينية المحيطة بها، لا سيّما أن العديد من المصانع العاملة فيها تُنتج صناعات محظورة داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، مستغلة غياب القيود البيئية، ما يتسبب بأضرار جسيمة تلحق بالإنسان والنبات والحيوان.

وتُبرز الدراسة بشكل خاص مسألة تصريف النفايات الصناعية غير المعالجة، بما في ذلك المواد السامة، التي تؤدي إلى تلوث شديد في التربة والمياه والهواء.

وفي هذا السياق، تورد الدراسة أنه في عام 1998 وحده، أنتجت المصانع في المنطقة الصناعية "بركان" ما يُقدَّر بنحو 810 آلاف متر مكعب من مياه الصرف الصناعي، التي تدفقت دون معالجة إلى الأراضي الزراعية القريبة التابعة لقرى سرطة وكفر الديك وبروقين.

وفي الختام، تخلص الدراسة إلى أن المناطق الصناعية الإسرائيلية المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة ليست مشاريع ربحية فحسب، بل تُعدّ أيضًا أدوات استعمارية يتغلغل تأثيرها في المجتمع الفلسطيني، ويؤثر في أنماط حياته من خلال تحديد الخيارات الاقتصادية المتاحة أمامه، إذ يجري تصميم هذه المناطق لتكون بعيدة عن أي سيادة فلسطينية، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإسرائيلي، بما يعزّز تبعية الاقتصاد الفلسطيني ويقوّض قدرته على الاستقلال.

لإلقاء مزيد من الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحثة جمانة جنازرة.

"عرب 48": المناطق الصناعية الإسرائيلية الواسعة المقامة في الضفة الغربية المحتلة، والتي تمتد على طول الخط الأخضر وتلتهم آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية، لا تُعدّ مجرد بنية اقتصادية للاستيطان، بل تلعب دورًا أساسيًا في ربط مستوطنات الضفة الغربية بالمركز الاقتصادي الإسرائيلي، وفي إعاقة نمو الاقتصاد الفلسطيني وتكريس إلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي. ورغم ذلك، لم تحظَ هذه المناطق حتى الآن بالبحث والدراسة المستحقة فلسطينيًا، ولا سيما في ظل التعتيم الإسرائيلي المتعمّد على نشاطها. من هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تحاول إلقاء الضوء على عدد من الجوانب المرتبطة بهذا الموضوع المهم؟

جنازرة: تندرج هذه الدراسة ضمن مشروع أشمل نفّذه معهد "ماس" بالشراكة والتمويل من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، تحت عنوان تقييم الآثار الاقتصادية والسكانية للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويضمّ هذا المشروع عدة مخرجات، من بينها "مكتبة إلكترونية" تجمع كل ما كُتب حول الاستيطان من تقارير دولية ودراسات وغيرها، إضافة إلى منصة رقمية تفاعلية تشمل خرائط وأرقامًا ومعطيات حول الاستيطان منذ نشأته وحتى اليوم، إلى جانب دراسة مرجعية تتناول مكوّنات المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية وأنماطه المتعددة، فضلًا عن أربع أوراق سياسات تُعدّ هذه الدراسة واحدة منها.

ودراسة الآثار الاقتصادية التي أنجزناها، أنا والباحث وليد حباس من مركز "مدار"، تتناول المناطق الصناعية الإسرائيلية المقامة في المناطق المصنّفة "ج" في الضفة الغربية، بوصفها مركّبًا استيطانيًا يتجاوز منطق الربح إلى وظيفة استعمارية تهويدية، تجمع بين الاستغلال الاقتصادي للموارد والأيدي العاملة الفلسطينية، وبين ترسيخ الوجود الاستيطاني وتهويد الأرض.

وتهدف هذه الحالة الدراسية إلى استعراض واقع المناطق الصناعية الإسرائيلية وآثارها على الاقتصاد الفلسطيني، من خلال خمسة محاور رئيسية:

المحور الأول يتناول استغلال الأيدي العاملة الفلسطينية في ظل هشاشة قانونية وغياب الرقابة، أما المحور الثاني فيبحث في الأثر البيئي المدمّر لهذه المناطق على التجمعات الفلسطينية، في حين يتناول المحور الثالث تداخل وتشابك بعض أوساط رأس المال الفلسطيني مع هذه المناطق الصناعية، بما يثير جملة من الأسئلة حول البراغماتية السياسية، والحدود الأخلاقية، وأشكال التواطؤ المباشر. ويعالج المحور الرابع الدور الذي تلعبه هذه المناطق في تعطيل شبكات التجارة الفلسطينية، سواء الداخلية أو الخارجية، بفعل البنية اللوجستية المرتبطة بها، بينما يبحث المحور الخامس تآكل القطاع الزراعي الفلسطيني الناتج عن هذه المناطق، نتيجة مصادرة الأراضي الزراعية وحرمان المزارعين من مصادر المياه.

"عرب 48": الدراسة رصدت وجود 35 منطقة صناعية إسرائيلية على امتداد الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها؟

جنازرة: اعتمدنا في الأساس على تقارير مراقب دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي أشارت إلى وجود 35 منطقة صناعية إسرائيلية، غير أنّنا تمكّنا من رصد 22 منطقة فقط، وذلك نتيجة التعتيم المفروض على عدد من هذه المناطق، إضافة إلى أنّ بعض المناطق ما تزال قيد الإنشاء أو التطوير.

ويعود تأسيس هذه المناطق الصناعية إلى أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين، وقد تطوّرت بفعل عاملين رئيسيين:

الأول هو سياسة أسرلة المناطق المصنّفة "ج" في الضفة الغربية، والحاجة إلى إحاطة الاستيطان ببنية تحتية اقتصادية ولوجستية تساهم في تثبيت المستوطنين وتعزيز استدامة وجودهم.

أما العامل الثاني فيتمثّل في دور رأس المال الصناعي والتجاري الإسرائيلي، الذي وجدت هذه المناطق بالنسبة إليه بيئة حاضنة ملائمة، من حيث انخفاض تكلفة الأراضي، وتوافر أيدٍ عاملة فلسطينية رخيصة وطيّعة، إلى جانب منظومة قوانين وتسهيلات تُمنح في الضفة الغربية ولا تتوافر له بالدرجة نفسها داخل الداخل المحتل (إسرائيل).

وقد قُسّمت الدراسة إلى ثلاثة أقسام رئيسية؛ تناول القسم الأول تحليلًا نظريًا لفهم المناطق الصناعية بوصفها أداة من أدوات التهويد، لا مجرد فضاء للاستغلال الاقتصادي، كما بحث في العلاقة بين التوسع الاستيطاني والإنتاج الصناعي من منظور الاستعمار الاستيطاني.

ويسعى هذا القسم إلى توضيح الكيفية التي تتحرك فيها هذه المناطق خارج منطق السوق التقليدي، بوصفها جزءًا من مشروع سياسي - استعماري أشمل.

"عرب 48": تحدّثت الدراسة عن نحو 40 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون في مستوطنات الضفة الغربية، من بينهم 17 ألفًا في المناطق الصناعية، ولاحظنا أنه في الوقت الذي انخفض فيه العدد الإجمالي من 40 ألفًا إلى 25 ألفًا، فإن عدد العاملين في المناطق الصناعية تراجع من 17 ألفًا إلى نحو 15 ألفًا فقط. كيف يمكن تفسير ذلك؟

جنازرة: تجدر الإشارة أولًا إلى أن المناطق الصناعية الإسرائيلية تقع خارج المستوطنات أو بمحاذاتها، وليس داخلها، كما أن العمال الفلسطينيين يشكّلون العمود الفقري للتشغيل في هذه المناطق. لذلك، من الطبيعي أن يكون الانخفاض في أعداد العمال الفلسطينيين فيها أقل حدّة مقارنة بالمستوطنات نفسها.

ويُضاف إلى ذلك أن هذه الأعداد شهدت ارتفاعًا نسبيًا خلال السنة الأخيرة، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على اليد العاملة الفلسطينية داخل هذه المناطق الصناعية.

"عرب 48": ركّزت الدراسة على منطقتين صناعيتين هما "بركان" و"ميشور أدوميم"، بوصفهما الأكبر ضمن هذه السلسلة من المناطق الصناعية. ما خصوصية هاتين الحالتين؟

جنازرة: اعتمدنا مقاربة دراسة حالة شملت المنطقتين الصناعيتين الأكبر. الأولى هي منطقة "بركان"، الواقعة غرب سلفيت على أراضي قُرى قراوة حسان، وحارس، وسرطة في شمال الضفة الغربية. وتضم هذه المنطقة أكثر من 120 مصنعًا، وتمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 1300 دونم، وهي أراضٍ كان يستخدمها المزارعون الفلسطينيون سابقًا لزراعة محاصيلهم. وقد شكّل الاستيلاء عليها عاملًا حاسمًا في تقليص المساحات الصالحة للزراعة في المنطقة.

أما المنطقة الثانية فهي "ميشور أدوميم"، الواقعة بين بلدتي العيزرية والعيسوية جنوب القدس، وتتبع إداريًا لمستوطنة "معاليه أدوميم" القريبة. وقد أُقيمت هذه المنطقة بعد مصادرة نحو 2749 دونمًا من أراضي بلدة العيزرية، و248 دونمًا من أراضي بلدة العيسوية، و138 دونمًا من أراضي قرية الزعيم.

"عرب 48": شبكة الشوارع الالتفافية التي تجاوزت التجمعات الفلسطينية وربطت المستوطنات بعضها ببعض بصورة مباشرة، وربطتها بالمركز الاقتصادي الإسرائيلي، لعبت دورًا حاسمًا في تطوير هذه المناطق الصناعية وفي ترسيخ الاستيطان عمومًا. إلى أي مدى كان هذا الدور مؤثرًا؟

جنازرة: صحيح، فقد أدّت شبكات الطرق الإسرائيلية إلى تعميق حالة الانقسام الجغرافي في الضفة الغربية، الأمر الذي جعل البضائع الفلسطينية تواجه صعوبات كبيرة في التسويق والتنقّل بين مناطق الضفة الشمالية والوسطى والجنوبية. في المقابل، تقوم هذه الطرق بربط المستوطنات ببعضها في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وربطها مباشرة بالمركز الاقتصادي الإسرائيلي.

ومن أبرز عوامل الجذب لهذه المناطق الصناعية سهولة الوصول منها إلى داخل إسرائيل؛ فعلى سبيل المثال، يمكن قطع المسافة بين المنطقة الصناعية "بركان" وتل أبيب خلال 15 إلى 30 دقيقة فقط. كما أسهمت هذه الشوارع في تحويل المناطق الصناعية إلى نقاط جذب للتجارة الفلسطينية مع الداخل المحتل (إسرائيل).

"عرب 48": أشارت الدراسة إلى أن هذه المناطق نجحت في جذب بعض أصحاب الشركات الفلسطينية، وإن كان ذلك بشكل محدود. كيف تفسّرين هذه الظاهرة؟

جنازرة: نعم، للأسف أصبحت هذه المناطق مواقع لفرص اقتصادية لبعض الشركات الفلسطينية، ولعدد من المستثمرين الذين ينظرون إليها من منظور براغماتي فرداني ونيوليبرالي، باعتبارها وسيلة لتعزيز مصالحهم الاقتصادية الشخصية، وغالبًا على حساب التطلعات الوطنية الجماعية.

وتكمن جاذبية المناطق الصناعية الإسرائيلية بالنسبة إلى المستثمرين الفلسطينيين في كونها بيئة متطورة ذات بنية تحتية متقدمة، ومرافق موثوقة، إضافة إلى قربها من الأسواق الإسرائيلية والدولية، وهي مزايا غالبًا ما تكون بعيدة المنال داخل الأراضي الفلسطينية.

"عرب 48": فيما يتعلق بالتلوّث البيئي، أشارت الدراسة إلى آثار مدمّرة لتلوّث الهواء والتربة والمياه الجوفية، وانعكاس ذلك على الصحة والزراعة وجودة الحياة. ما أبرز ملامح هذا الأثر؟

جنازرة: من المعروف أن هذه المناطق لا تلتزم بالقوانين البيئية المطبّقة داخل إسرائيل، والتي تفرض إجراءات صارمة للحد من التلوّث. وقد عمدت دولة الاحتلال إلى نقل العديد من الصناعات الملوّثة إلى الضفة الغربية، فضلًا عن استخدامها أراضي الضفة كمكب للنفايات السامة والخطرة، التي تُدفن في كثير من الأحيان بشكل سري.

ولهذا الواقع تداعيات خطيرة على مصادر المياه والأراضي الزراعية وصحة الفلسطينيين. وفي هذا السياق، تشير تقارير إلى أن نحو 70% من حالات السرطان في محافظة سلفيت، على سبيل المثال، سُجّلت بين فلسطينيين يعيشون في محيط المنطقة الصناعية "بركان".


جمانة جنازرة: باحثة في معهد السياسات الاقتصادية - "ماس".

التعليقات