01/02/2026 - 10:42

حوار مع نجاة عبد الحق: نفوذ اليهود واليونانيين في الاقتصاد المصري حتى عهد عبد الناصر

تقول الباحثة د. نجاة عبد الحق "إن توافر ظروف معينة تتعلق بالناس والأرض، إلى جانب الوصول إلى رأس المال والمعلومات والمعرفة، يمكن أن يحول مجموعة ما إلى قوة اقتصادية مؤثرة، وربما ذات نفوذ يفوق حجمها الديمغرافي داخل المجتمع".

حوار مع نجاة عبد الحق: نفوذ اليهود واليونانيين في الاقتصاد المصري حتى عهد عبد الناصر

صورة غلاف "اليهود واليونانيون في مصر ودورهم الاقتصادي حتى عام 1960"

في كتابها المعنون "اليهود واليونانيون في مصر ودورهم الاقتصادي حتى عام 1960"، الذي صدرت طبعته العربية مؤخرًا، تتناول د. نجاة عبد الحق دور الأقليات في المجتمع المصري، مع تركيز خاص على اليهود واليونانيين منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وصولًا إلى ثورة عام 1952 وتأميمات الرئيس جمال عبد الناصر. وتقدم الكاتبة قراءة مغايرة لتلك التي كرّستها مرحلة التخلص من الاستعمار البريطاني، والتي نبذت كل ما كان متصلًا به.

وتشير هذه النظرة إلى أن الأقليات اعتُبرت، في ذلك السياق، بقايا للإمبراطورية البريطانية، بلا تمايز سياسي أو مكانة عضوية في المجتمع المصري. وقد هيمنت هذه المقاربة، التي أدانت دولة ما قبل عام 1952 ومجتمعها واقتصادها - وهي المجالات التي أدّت فيها الأقليات دورًا طبيعيًا جرى تجريمه أيضًا - على كتابة التاريخ منذ ذلك العام المفصلي، مع إيلاء اهتمام محدود للتحليل التاريخي النقدي الجاد لفترة ما قبل 1952، وهو المنهج الذي كانت له الغلبة في الدراسات التاريخية.

وفي محاولة جادة لإعادة النظر في هذه الاستنتاجات حول الأقليات في مصر الحديثة، سعى هذا العمل، كما توضح صاحبته، إلى تحليل دور الأقليات في الاقتصاد المصري من خلال دراسة الوثائق الأرشيفية بوصفها مصادر أساسية، وبالاستناد إلى عدستَي نظرية النمو لجوزيف شومبيتر ونظرية الشبكات. وتركّز الدراسة على مجتمعي الأقليتين الأكبر عددًا وتأثيرًا اقتصاديًا، وهما اليونانيون واليهود الذين عاشوا في مصر، رغم اختلاف طبيعة الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، ولا سيما بسبب تباين العلاقات السياسية بين مصر واليونان مقارنة بالعلاقة بين مصر وإسرائيل في القرن العشرين.

نجاة عبد الحق

وتوضح الباحثة أن دراستها سعت إلى تقديم منظور أكثر توازنًا، يأخذ في الاعتبار الوثائق الأرشيفية، والأعمال التاريخية والأدبية، بما في ذلك تلك المكتوبة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وذلك ضمن قراءة نقدية للفترة الممتدة من نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. وتُظهر الدراسة أن الأقليات، ورجال الأعمال منهم وأصحاب رؤوس الأموال الاستثمارية، لم يكونوا بالضرورة تابعين للإدارة البريطانية في مصر، بل إن صراعات المصالح بينهم وبينها كانت شائعة أيضًا.

وفي ما يتعلق بدور وحجم هاتين الأقليتين في الاقتصاد المصري، تشير الدراسة، بعد تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها خلال الفترة الممتدة من عام 1885 إلى 1960، إلى أن مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات تجاوزت النصف. كما بلغ عدد اليونانيين بين عامي 1937 و1947 ما بين 57 ألفًا و80 ألفًا، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 62 ألفًا و100 ألف، من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو 19 مليون نسمة عام 1947، أي إنهم شكّلوا معًا قرابة 4% من سكان مصر.

لإلقاء الضوء على هذا الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحثة د. نجاة عبد الحق:

"عرب 48": تناولتِ في بحثكِ حقبة مهمة من تاريخ مصر، وأضأتِ من خلالها على حياة ومكانة الأقليات عبر دراسة حالتي اليهود واليونانيين، برؤية مغايرة للسائد. وقد بينتِ احتضان المجتمع المصري للأقليات العرقية، بمن فيهم اليهود، بما يدحض السرديات الصهيونية التي سعت، في إطار مشروعها الاستيطاني، إلى اقتلاع اليهود من المجتمعات التي عاشوا فيها، وتشويه تاريخ شعوب المنطقة العربية ووصمها بالعنصرية وملاحقة اليهود. كيف تفسرين ذلك؟

عبد الحق: الكتاب، الذي صدر سابقًا باللغة الإنجليزية في لندن، يستند إلى بحث الدكتوراه الذي أنجزته في مجال الاقتصاد، والذي حاولت من خلاله فهم آليات عمل الأقليات في الاقتصاد بوصفها ظاهرة موجودة في مجتمعات متعددة، وأسباب النجاح الاقتصادي الذي تحققه هذه المجموعات، بما يحولها إلى قوة مؤثرة، بل مهيمنة أحيانًا، في اقتصادات العديد من البلدان. ونجد في هذا السياق أمثلة عديدة، مثل الصينيين في إندونيسيا، والهنود في إفريقيا، والفلسطينيين في الكويت قبل حرب الخليج الأولى، وغيرهم كثير.

"عرب 48": إذًا الظاهرة لا تقتصر على اليهود؟

عبد الحق: أبدًا، لكنها ترتبط باليهود أكثر من غيرهم لأسباب متعددة. وقد رأينا تجربة الفلسطينيين أنفسهم في الكويت قبل إخراجهم على خلفية موقف منظمة التحرير الفلسطينية من غزو الكويت، حيث كانوا يتمتعون بنفوذ اقتصادي واضح، وصل إلى حد السيطرة على شركات كبرى، مثل شركة "سي. جي. سي" التي تُعد من أكبر الشركات في العالم.

ما أود قوله هو أن توافر ظروف معينة تتعلق بالناس والأرض، إلى جانب الوصول إلى رأس المال والمعلومات والمعرفة، يمكن أن يحول مجموعة ما إلى قوة اقتصادية مؤثرة، وربما ذات نفوذ يفوق حجمها الديمغرافي داخل المجتمع.

وأحد الأسباب التي دفعتني إلى دراسة هذا الموضوع بعمق في الحالة المصرية هو أن الأبحاث السابقة لم تُنجز انطلاقًا من نظرية اقتصادية أو دراسة اقتصادية ممنهجة، بل قام بها باحثون في علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا، وجرى إسقاط تفسيراتهم على الشرق، ما أسهم في ترسيخ انطباع بأن الإمبراطورية العثمانية قامت على تقسيم عرقي للعمل، فشاع مثلًا أن الأرمن صاغة، وغيرهم تجار، وآخرين مرابون، وهكذا.

هذا النمط من التفسير، حتى وإن قدم إجابة جزئية، لا يفسر التفاوت بين هذه المجموعات ولا داخل كل مجموعة نفسها. أما العامل الآخر الذي استفزني في هذا المجال، فهو الاستسهال في اعتبار الأقليات ذراعًا للاستعمار، وهو تعميم غير دقيق، رغم أن الاستعمار استغل بالفعل مجتمعات تعددية لتحقيق أهدافه.

ومن المعروف أن مجتمعاتنا العربية، وإن بدرجات متفاوتة، تتمتع تاريخيًا بهذا الثراء والتعدد. وفي هذا السياق، يحضرني مقطع فيديو للكوميدي الفلسطيني علاء أبو ذياب، يروي فيه كيف طُلب منه في السويد أن يؤكد التزامه بقيم التعددية، فردّ قائلًا إنه قادم من القدس، المدينة التي تضم "حارة الأرمن" و"حارة اليهود" و"حارة المغاربة"، إلى جانب طوائف مسيحية متعددة بكنائسها المتجاورة، وكلهم جزء من حياته اليومية كفلسطيني وعربي، في حين أن من يطلبون منه ذلك ينتمون إلى مجتمع أحادي اللون والطائفة.

ما أردت التأكيد عليه هو أن اعتبار الأقليات، بوصفها جزءًا أصيلًا من مجتمعاتنا، مجرد ذراع للاستعمار، أو إطلاق مثل هذه الاتهامات بشكل عام، ينطوي على ظلم كبير للواقع العربي وتاريخه الاجتماعي.

"عرب 48": انتقدتِ أيضًا النظرة القومية الجارفة التي سادت بعد ثورة عام 1952 في التعامل مع التاريخ السابق لها. كيف تقيّمين هذه المقاربة؟

عبد الحق: صحيح. من الظلم اتهام اليوناني أو اليهودي المصري، الذي لا يعرف وطنًا غير مصر، ويأكل الفول و"الزغاليل بالملوخية" شأنه شأن سائر المصريين، بسهولة بأنه ذراع للاستعمار. وفي المقابل، أشرتُ إلى أن التشبيك والعلاقات التجارية مع الخارج كانت، بحكم الواقع، أكثر سهولة بالنسبة للأقليات.

في عام 1840 وقعت ما يُعرف بـ"قضية دمشق"، حيث اتُّهم يهود دمشق بقتل راهب كاثوليكي فرنسي الأصل لاستخدام دمه في إعداد خبز الفصح "المتسوت". وهي حادثة ارتبطت في جوهرها بالصراع بين الدول الغربية على النفوذ في المنطقة العربية، تحت ذريعة حماية المسيحيين.

ومن المعروف أن فكرة اتهام اليهود باستخدام دماء الأطفال المسيحيين في طقوسهم الدينية هي فكرة أوروبية المنشأ، خرجت من رحم الكنيسة الكاثوليكية التي حملت تاريخيًا عداءً لليهود بوصفهم، وفق عقيدتها، قتلة المسيح. وقد جرى تصدير هذه الفكرة إلى الشرق، لا لاستهداف اليهود فقط، بل لاستغلالها ضد مجتمعاتنا أيضًا، ونحن - لسبب أو لآخر - تبنّيناها.

لذلك، أنا ضد الاستسهال في إطلاق تهمة "تعامل الأقليات مع الاستعمار"، وكأنهم هم من خلقوا هذه البنية. أنا شخصيًا خريجة مدرسة تبشيرية ألمانية في بيت جالا، وهي مدرسة متميزة على الصعيدين التعليمي والتربوي، لكن ما أود قوله هو أننا جميعًا نتاج حراك تاريخي أكبر منا، انخرطنا فيه بحكم الواقع، وعلينا التعامل معه بوعي نقدي.

"عرب 48": لكن عند البحث في أسباب النفوذ الاقتصادي للأقليات، الذي يفوق حجمها الديمغرافي بكثير، أليس من المشروع النظر في العلاقة الخاصة التي ربطت الدول الاستعمارية الغربية بهذه الأقليات بوصفها أحد العوامل المفسّرة، خاصة في ضوء ما توصل إليه بحثك من تضخم وصل حد هيمنة أقلية صغيرة على الاقتصاد المصري؟

عبد الحق: في الحالة المصرية تحديدًا، نجد وضعًا متميزًا إلى حد كبير مقارنة بدول عربية أخرى. فحالة اليهود في مصر تختلف عن أوضاعهم في العراق، أو سورية، أو تونس، أو المغرب، أو ليبيا، بل إن وضع كل بلد عربي يختلف عن الآخر.

ومع ذلك، ثمة تشابه في تجربة القوى الاستعمارية، لا سيما الفرنسية والإيطالية، إذ بادرت في البلدان التي احتلتها إلى منح جنسيتها لليهود دون غيرهم من السكان المحليين. وقد أسهم هذا الأمر في خلق أوضاع قانونية واقتصادية مختلفة في تلك البلدان، لكنه لا يعني أن جميع اليهود قبلوا التجنيس، فالمسألة كانت أكثر تعقيدًا وتركيبًا مما يُختزل عادة في سرديات مبسطة.

"عرب 48": هل يُعدّ ذلك دليلًا على أن المستعمر حاول استغلال الأقليات وتوظيفها ضمن سياسة "فرّق تسُد"؟

عبد الحق: صحيح، غير أن هذا النمط من التجنيس لم يحدث في مصر والعراق. ففي العراق، وقعت حالة مختلفة تمامًا، إذ جرى إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود بين ليلة وضحاها عقب حرب عام 1948 وقيام دولة إسرائيل، وهو ما أسهم بشكل مباشر في هجرة الغالبية العظمى من يهود العراق إليها.

"عرب 48": يبدو أن فجاجة الموقف العربي، وما شابه من قصور سياسي، أسهمت في رفد الدولة العبرية الناشئة بقوة بشرية كبيرة، قُدّرت بما يعادل 30 إلى 40% من مجموع سكانها اليهود؟

عبد الحق: أوردتُ في الكتاب ما قاله دافيد بن غوريون خلال اجتماع لحزب "المباي" عام 1942، إذ أشار إلى أن اليهود الأوروبيين، رغم الحرب الدائرة في أوروبا، كانوا يرفضون الهجرة إلى إسرائيل ويفضلون التوجه إلى الولايات المتحدة. وفي ضوء ذلك، شدد على ضرورة جلب يهود الدول العربية، الذين كان يُقدَّر عددهم حينها بنحو مليون يهودي. بمعنى آخر، فإن التفات الحركة الصهيونية إلى يهود الشرق والعالم العربي جاء بعد إدراكها عجزها عن استقطاب أعداد كافية من يهود أوروبا.

وفي هذا السياق، شهدت خمسينيات القرن الماضي سلسلة تفجيرات في بغداد، ثبت لاحقًا تورط عملاء للموساد فيها، بهدف دفع يهود العراق إلى الهجرة. كما وقعت في مصر "فضيحة لافون" أو عملية "سوزانا" الفاشلة عام 1954، إضافة إلى أعمال مشابهة، وإن كانت أقل حدة، في دول عربية أخرى لتحقيق الهدف ذاته.

وقد جرى تضخيم هذه العمليات واستثمارها سياسيًا من قبل الحركة الصهيونية لتأجيج الأجواء وتوتير العلاقات، بما يدفع يهود الدول العربية إلى الهجرة، إلى جانب استخدام أساليب الترغيب والترهيب في بلدان مثل المغرب وتونس وغيرها.

ومن المهم التذكير بأن يهود الشرق عاشوا تاريخيًا في قلب المجتمعات العربية التي انتموا إليها، ولم يكونوا معزولين في "غيتوات" كما كان الحال في أوروبا. ففي مصر، على سبيل المثال، لم يكن هناك حي يهودي خالص، إذ إن مفهوم "حارة اليهود" أو الغيتو هو مفهوم أوروبي بالأساس. وكان من المألوف أن يساعد الجار المسلم أو المسيحي جاره اليهودي، كإشعال الضوء له أيام السبت.

لقد كان الوجود اليهودي في المجتمعات العربية وجودًا عضويًا وطبيعيًا، ويكفي التذكير بأن اليهود طُردوا من الأندلس مع المسلمين، ولجأوا معًا إلى البلدان العربية. لكن المؤسف أن كثيرًا من المستشرقين الأوروبيين، حين يكتبون عن منطقتنا، ينظرون إليها بعيون أوروبية، ويُسقطون عليها تجاربهم وسياقاتهم الخاصة.

"عرب 48": بالعودة إلى النفوذ الاقتصادي لليهود واليونانيين في مصر قبل عهد عبد الناصر، ذكرتِ أن هاتين الأقليتين امتلكتا أكثر من نصف الشركات التي أُسست بين عامي 1885 و1960، من أصل نحو 800 شركة، رغم أنهما شكّلتا قرابة 4% فقط من السكان؟

عبد الحق: صحيح. وقد استندتُ في تحليل هذه الظاهرة إلى نظرية جوزيف شومبيتر في التنمية والاقتصاد، التي تفترض أن النمو الاقتصادي وإنتاج السلع الجديدة يتطلبان مجموعة من الشروط، أبرزها توافر المواد الخام، والوصول إلى رأس المال، والمعلومات. وهي عوامل توافرت بشكل أكبر لدى هاتين الأقليتين في مصر.

فإلى جانب التشبيك الداخلي، امتلك اليهود واليونانيون شبكات علاقات واسعة خارج البلاد، كما تفوقوا على غيرهم في مستوى التعليم لأسباب متعددة، ما أتاح لهم الوصول إلى المعلومات بوتيرة أسرع. ويُعزى ذلك إلى انتشار اليهود في معظم دول العالم، ولا سيما المتقدمة منها، وكذلك إلى الحضور الواسع لليونانيين في شبكات التجارة الدولية.

لهذه الأسباب، كانوا السبّاقين في الاطلاع على الابتكارات التكنولوجية والآلات الحديثة، وأسهموا في إدخال صناعات أساسية مثل السكر والنسيج إلى مصر. ويمكن القول إنهم شكّلوا "رأس جسر" ربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد العالمي، في مرحلة شهدت تدفقًا كبيرًا للاستثمارات الأجنبية، خصوصًا في أعقاب حفر قناة السويس وقبيل الحرب العالمية الأولى.

ومن اللافت أن أحد أهم المشاريع الاقتصادية الوطنية، وهو "بنك مصر"، قام على شراكة بين رجل أعمال يهودي هو يوسف قطاوي باشا، ورائد الاقتصاد الوطني طلعت حرب. كما لم يقتصر دور هاتين الأقليتين على الاقتصاد، بل امتد إلى الثقافة والفن، إذ لعب "ستوديو توغو مزراحي" في الإسكندرية دورًا تأسيسيًا في نشأة السينما المصرية، فضلًا عن بروز عدد من الفنانين والممثلين المصريين المعروفين من أصول يهودية ويونانية.

"عرب 48": هل تغيّر هذا الواقع، أو بدأ بالانقلاب، بعد ثورة 1952 وسياسات التأميم التي قادها جمال عبد الناصر؟

عبد الحق: بدايةً، شكّلت حرب عام 1948 وإقامة دولة إسرائيل عاملًا سلبيًا حاسمًا في وضع اليهود، إلى جانب بدء الحركة الصهيونية منذ عام 1942 بتكثيف دعايتها ومخططاتها لدقّ الإسفين بين اليهود والدول التي عاشوا فيها. وفي المقابل، فإن الأنظمة العربية، بدل أن تتعامل مع المسألة بحكمة ودراسة معمقة، تبنّت مواقف قومية جارفة.

واللافت أن الحركة الصهيونية فشلت أصلًا في التغلغل داخل المجتمع المصري؛ إذ يُروى أن تيودور هرتسل، حين زار مصر وسعى للقاء قطاوي باشا، تلقى اعتذارًا عن مقابلته.

غير أن "قضية لافون" عام 1954، ثم العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان لهما أثر أعمق حتى من نكبة 1948، وكذلك من انقلاب الضباط الأحرار عام 1952. وقد شكّلت هذه المحطات، إلى جانب سياسات التأميم، نقاطًا مفصلية في حياة ومكانة يهود مصر، في حين جاءت حرب عام 1967 لتكون "المسمار الأخير" في هذا المسار.


نبذة عن الباحثة:

د. نجاة عبد الحق: باحثة فلسطينية، من مواليد عام 1974 في نابلس - الضفة الغربية. حاصلة على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة بيرزيت، والماجستير في الاقتصاد والعلاقات الدولية من جامعة لايبزيغ في ألمانيا. نالت درجة الدكتوراه عام 2012 في دراسات الشرق الأوسط من جامعة إرلانغن - نورنبرغ، عن دور اليهود واليونانيين في الاقتصاد المصري خلال الفترة 1885 - 1960. تُعد من بين قلة من الباحثين العرب الذين تناولوا تاريخ اليهود في مصر، وتُعتبر دراستها أول عمل أكاديمي يعتمد على الوثائق الأرشيفية والتحليل الاقتصادي لدراسة الدور الاقتصادي لليهود واليونانيين في مصر.

التعليقات