في كتابه "في حضرة الأسماء"، الذي صدرت طبعته العربية مؤخرًا عن مركز مدى الكرمل، يبحث د. عامر دهامشة في تسميات البلدات والمعالم الطبيعية الفلسطينية.
ويشير الباحث دهامشة إلى أن الأسماء العربية الفلسطينية تبلورت كنص بشكل تدريجي منذ الفترات التاريخية السابقة وحتى الماضي القريب، ضمن عملية تشكّل ديناميكية، تكشف طبقات الأسماء المختلفة عن مراحل تشكّلها، وعن التواصل بين الثقافات، والعلاقات بين الطوائف الدينية والمجموعات القومية التي سكنت المكان في الماضي.
ويرى الباحث أن خارطة أسماء البلدات العربية الفلسطينية هي نتاج نقاش متعدد الأطراف بين منظومات إنتاج الأسماء الخاصة بمجموعات إثنية ولغوية، وتشكل محلاً لتعدد الهويات والموروثات واللغات. وبرغم التغيرات الديمغرافية والجيوسياسية، فإن الأسماء الفلسطينية تكرس "الأخروية" الإثنية والطائفية التي وُضعت في الحيز الجغرافي منذ الماضي.
ويضيف دهامشة أن منح الأسماء لم يقتصر على كونها جزءًا من الرواية السردية القومية، ولم يُستغل سياسيًا لسلب المكان من الآخرين، ما أدى إلى حفظ أسماء من لغات أخرى على ألسنة الناطقين بالعربية، لتظل هذه الأسماء رواسب ثقافية لذكريات محلية فلسطينية وعربية، ومحلّ التقاء للأطلال الثقافية والدينية لشعوب مختلفة عاشت في المنطقة، وجُسّدت آثارها لغويًا. ويرى أن مطلقي الأسماء الجغرافية من أبناء المجتمع العربي الفلسطيني اعتبروا أنفسهم امتدادًا لموروثات "طوبونيمية" ولغوية تابعة لثقافات وشعوب سابقة زمنياً.
وفي باب عبرنة الأسماء كجزء من تهويد المكان وتاريخه، يشير الكاتب إلى الانشغال المبكر للصهيونية بهذا المجال، حيث ارتبطت سياسة عبرنة الأسماء الجغرافية العربية الفلسطينية بأنشطة تهدف إلى دفع وتعزيز التطلعات القومية في فلسطين التاريخية، وهي سياسة لم تتوقف عن أجندة الدولة الإسرائيلية حتى اليوم.
ويضيف دهامشة، أن المحو الإسرائيلي لأعراف التسميات العربية يذكرنا بترسيم الخرائط الأوروبية في جنوب شرق آسيا منتصف القرن التاسع عشر، إذ تم تجاهل السكان المحليين، لكن عبرنة الحيز الجغرافي لم تكتفِ بتدمير الموروث اللغوي والجغرافي الفلسطيني، بل ألحقت الأذى أيضًا بمخلفات الفترات السابقة غير الفلسطينية.
ويشير الكتاب إلى ضلوع إسرائيل الرسمي في محو الأسماء العربية الفلسطينية، حيث جرى بلورة هذه السياسات ضمن القوانين، مثل قانون القومية الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2018، والذي جرد اللغة العربية من مكانتها كلغة رسمية.
وفي عام 2009، سنّ وزير المواصلات آنذاك، يسرائيل كاتس، نظامًا يوحد يافطات أسماء الطرق والشوارع في إسرائيل، بهدف محو الأسماء العربية والإنجليزية وكتابتها بالعبرية فقط. ونتيجة لذلك، استُبدلت على اليافطات كلمات مثل "أورشليم" و"القدس" بكلمة "يِروشَلايم" بأحرف عبرية، ما أدى إلى حذف أسماء المدن والمعالم الطبيعية العربية من معظم اللافتات.
وأجرى "عرب 48" هذا الحوار مع د. عامر دهامشة للحديث عن كتابه الجديد:
"عرب 48": نستطيع القول إن كتابك يبحث في أصول أسماء البلدات والمعالم الطبيعية الفلسطينية ومنابعها، ويحاول تتبع حكاياتها الإنسانية، ليكشف، كما تقول، عن طبقات عديدة من الذكريات القومية والدينية والتاريخية والثقافية والمجتمعية والشخصية وعلاقتها بالمكان؟
دهامشة: نعم، الكتاب، الذي صدرت طبعته العربية مؤخرًا عن مركز مدى الكرمل، يبحث في أسماء البلدات والمعالم الطبيعية الفلسطينية كمنظومة مترابطة، ويهدف إلى إظهار المخفي من وراء المعنى ضمن سردية تحكي علاقة الإنسان العربي الفلسطيني بالمكان. وهو يستند إلى روايات وقصص شعبية وراء أسماء الأماكن، جمعتها من خلال عشرات اللقاءات التي أجريتها مع السكان العرب الفلسطينيين في هذه البلاد.
يشمل البحث كل فلسطين التاريخية، مع التركيز على منطقة الجليل الغربي والشرقي، ويضم أمثلة من النقب والمثلث وغيرها من المناطق. ومميزات الأسماء لا تختلف كثيرًا بين مناطق فلسطين المختلفة، إذ إن هذه الأسماء هي في النهاية نتاج ثقافة عربية فلسطينية محلية، ولا توجد فروقات جوهرية بين منطقة وأخرى من المناطق التي تشكل الجغرافيا الطبيعية والسياسية لفلسطين.
"عرب 48": لقد ميزت بين مستويين من الأسماء: مستوى عام يؤلف أسماء المدن والقرى ويضم المعالم الوطنية إن صح التعبير، ومستوى خاص يؤلف أسماء المعالم الطبيعية التي تشكل منها حيز القرية الفلسطينية، ونتجت عن تفاعل الفلسطيني مع أرضه بسُهولها وتلالها ووديانها؟
دهامشة: صحيح، الأسماء العربية الفلسطينية تقسم إلى قسمين: من جهة أسماء البلدات، ومن جهة أخرى أسماء المعالم الطبيعية. الحديث هنا عن مستويين مختلفين تمامًا من التسميات. ففي حين تعكس تسميات المعالم الطبيعية حياة الفلاح الفلسطيني ومجتمعه وتفاعله مع الأرض والجغرافيا، فإن أسماء البلدات، سواء كانت مدنًا أو قرى، يكاد يغيب عنها هذا الفلاح وهذه العلاقة التفاعلية، وهي أسماء من الصعب إيجاد تفسير لها ضمن هذه المعادلة.
"عرب 48": ربما يعكس هذا التباين بين ما هو محلي، بما يعنيه من خصوصية، وبين ما هو قطري وعام، صورة البلاد عمومًا بالخارج. وفي هذا السياق، نلاحظ، على سبيل المثال، ارتباط هذه الأسماء بأحداث وشخصيات تاريخية مرت من هنا؟
دهامشة: نعم، غالبًا ما ترتبط هذه الأسماء بالذاكرة الجمعية الإسلامية والعربية، وتحتفي بشخصيات إسلامية مثل صلاح الدين الأيوبي، كما هو الحال في قرية كوكب أبو الهيجاء التي سميت على اسم أحد قادته العسكريين، أو الشيخ دنون، الذي سميت القرية أيضًا على اسم أحد مقاتلي صلاح الدين الذي استشهد في المكان. كما تخلد بعض الأسماء حملات تاريخية مرت على البلاد، مثل الحملات الصليبية، وهناك أسماء تخلد شخصيات يهودية أيضًا.
على سبيل المثال، دير حنا سميت على اسم قديس مسيحي يدعى يوحنان، جاء مع الحملات الصليبية، وما زال في القرية دير وكنيسة قديمة حتى اليوم. كما نجد أن البلدات التي يبدأ اسمها بـ"دير" كثيرة في فلسطين، مثل دير الأسد، دير ياسين، دير البلح وغيرها، حيث يبلغ عددها نحو 40 بلدة. واللافت أن بعض هذه البلدات، مثل دير الأسد، لا يسكنها اليوم مسيحيون، لكنها حافظت على اسمها.
أما أسماء المعالم الطبيعية، فهي تعكس علاقة الفلسطيني بأرضه، إذ يمكن من خلالها استنطاق جغرافية القرية العربية الفلسطينية. فمثلاً: "الظهور" تدل على الأرض المرتفعة، و"العرايس" على الأرض الخصبة، و"أم الشرايط" على الأرض شحيحة المحصول. كما يشير "هودج العروس" إلى سهل في الرينة بين الناصرة وصفورية كان يُستخدم لتبادل عرائس الزواج بين القريتين.
"عرب 48": بهذا المعنى، كما تقول، هل يمكن اعتبار الأسماء "شيفرة" للتعرف على الجغرافية والحياة الاجتماعية الفلسطينية في الماضي؟
دهامشة: نعم، من خلال الأسماء يمكننا التعرف أيضًا على بنية المجتمع الفلسطيني. فبعض الأسماء تخلد البسطاء، وأخرى تخلد أشخاصًا ذوي مكانة اجتماعية أو دينية.
على سبيل المثال: في قرية إكسال، هناك موقع يسمى "كرم المسكين"، يشير إلى رجل لم يرزقه الله أولادًا. وهناك مغارة "المشتى"، كان الرعاة يحتمون بها من الأمطار في الشتاء. وفي سخنين، نجد موقعًا يسمى "قبر العبد"، لرجل مصري الأصل مات وهو يبحث عن رزقه دون جدوى.
أما أسماء الأشخاص ذوي المكانة الاجتماعية أو الدينية، فهناك العديد من المواقع التي تحمل أسماء مثل "الشيخ"، "الخوري"، "الخطيب"، و"الراهب". ففي صندلة، على سبيل المثال، نجد "قرطات الشيخ أحمد"، وفي أراضي كفر كنا، توجد "عيون موسى"، سميت على اسم الخوري موسى الذي أقام صلاة استسقاء جمعت مسلمين ومسيحيين في سنة شحت فيها الأمطار.
كما تخلد بعض المواقع ذكرى الشهداء. ففي قرية عكبرة، هناك "مغارة الشهدا"، تخلد مجموعة من الثوار الذين استشهدوا في ثورة 1936. وفي قرية سولم، توجد "مغارة حسن"، التي تخلد مواطنًا أردني الأصل استشهد أثناء مقاومته القوات البريطانية. وفي دير حنا، هناك "بلاطة البنات"، صخرة تخلد البنات اللاتي احتمين فيها من قصف طائرة بريطانية فقُضين شهيدات.
"عرب 48": لاحظنا أن النساء قد حظين بنصيب وافر في تسمية المعالم الطبيعية؟
دهامشة: نعم، احتلت المرأة نصيبًا كبيرًا في أسماء المواقع والمعالم الطبيعية، ويبدو أن هناك تفسيرًا جندريًا لذلك، إذ اقتصرت تسميات النساء غالبًا على المعالم الطبيعية المرتبطة بالمناطق المنخفضة وعيون الماء، وانحصرت ضمن حدود مساحة القرية. وبدا أن الهدف كان إخفاء الهوية النسائية عن العيون الخارجية، ولذلك لم تُسمَّ البلديات بأسماء نساء. ومن غير المستبعد أن يرتبط تغييب أسماء النساء بسياسة لجان التسميات الرسمية.
في هذا السياق، نجد عشرات وربما مئات المواقع التي تحمل أسماء نساء، مثل "حجر الحطابات" في كفر كنا، و"درب الحطابات" الذي كان يسلكه نساء لوبية نحو جبل طرعان، و"خلة الطحانات" على الطريق التي كانت تقود نساء عيلوط لطحن القمح والبرغل في صفورية، وصولًا إلى "جبل العروس" في الناعورة و"قلاع العرايس" في البقيعة.
وتشير وفرة الأسماء النسائية إلى المكانة التي كانت للمرأة الفلسطينية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وارتباطها بالأرض، بوصفها شريكة أساسية في جهد وعمل العائلة الفلسطينية، ما يفيد بأنها لم تكن حبيسة البيت والمطبخ كما هو الانطباع السائد أحيانًا.
"عرب 48": يبرز البحث كذلك حفاظ الفلسطينيين على الأسماء التي ورثوها من حضارات وشعوب وديانات أخرى مرت على هذه البلاد؟
دهامشة: بالتأكيد، المجتمع العربي الفلسطيني اعتبر نفسه "مكمل حضارات" وليس "ماحي حضارات". فقد رأوا باليهود والمسيحيين الأجانب، بما فيهم الصليبيون، إضافة إلى الرومان والبيزنطيين، جزءًا من ماضي المكان. وكما ذكرت سابقًا، العديد من القرى الفلسطينية لا تزال تحمل اسم "دير" رغم غياب المسيحيين عنها، دون أية حساسية. كذلك بقيت أسماء رومانية ويونانية وأخرى من مخلفات الحملات الصليبية، مثل "قيسارية"، "طبرية"، و"مجيدو".
وبالمثل، شفاعمرو هو اسم تلمودي "شفارعام"، وأثناء الفتح الإسلامي للبلاد كان مفتاح الكنيس مع العرب، ومع ذلك حافظ السكان على الاسم ولم يقوموا بتغييره. وهناك بلدة رومانية تُعرف باسم "قولونيا"، وغيرها من الأمثلة العديدة.
"عرب 48": بالمقابل، تحاول إسرائيل محو أي أثر تاريخي للعرب والفلسطينيين من المكان وخارطة الأسماء؟
دهامشة: نعم، بدأت الحركة الصهيونية بعملية محو الأسماء العربية والفلسطينية منذ عام 1921 عبر "الكيرن كييمت"، وتعمق هذا المحو مع إقامة دولة إسرائيل عام 1948 وإعلان بن غوريون إنشاء لجنة التسميات الحكومية عام 1951، بهدف واضح وهو محو الأسماء العربية الفلسطينية.
وقد جرى استبدال أسماء البلدات والمعالم الطبيعية بثلاث طرق:
محو الاسم العربي وخلق اسم جديد كليًا، مثل استبدال "الشيخ مؤنس" بـ"رمات أفيف".
الترجمة الحرفية أو الجزئية، مثل استبدال "نجمة الصبح" بـ"إييلت هشاحر" و"السجرة" بـ "إيلانيت".
تحريف لفظ الاسم العربي، مثل "لوبية" لتصبح "لفيه"، و"اندور" إلى "عين دور"، و"بيسان" تصبح "بيت شان".
وتندرج سياسة محو الأسماء ضمن مساعي محو تاريخ الفلسطينيين والعرب في هذه البلاد، إذ لو بقيت هذه الأسماء، يمكن للمرء التعرف من خلالها على الطبقة التاريخية التي سبقت قيام الدولة. كما يوضح دهامشة: "الأسماء تستنطق النسيان" في مكان يشهد صراعًا قوميًّا على الهوية والذاكرة.
"عرب 48": إذن الصراع على الأسماء هو جزء من الصراع على الأرض والرواية التاريخية، وهم لا يحاولون اقتلاع طبقة من تاريخ هذه الأرض فحسب، بل زرع تاريخ آخر مكانها؟
دهامشة: بالضبط، الصراع لا يقتصر على الأرض، بل يمتد إلى الذاكرة والثقافة وهوية المكان. لذلك تُعطى الأسماء العبرية بعدًا توراتيًا، بهدف ربطها بوجود الجماعات اليهودية القديمة في البلاد، في محاولة لترسيخ حق تاريخي لهم في المكان.
نبذة عن د. عامر دهامشة: حاصل على الدكتوراه في الأدب العبري من الجامعة العبرية بالقدس، يشغل منصب رئيس قسم اللغة العبرية في الكلية الأكاديمية العربية للتربية في حيفا، وهو باحث زميل في قسم الأدب العبري والمقارن في جامعة حيفا. تركّز أبحاثه على العلاقة بين المكان والهوية، كما تتجلّى في أسماء الأماكن وسردياتها في الثقافتين الإسرائيلية والعربية -الفلسطينية، من خلال توظيف نظريات نقدية وسيميائية، ودراسة العلاقات بين السكان اليهود والعرب في إسرائيل كما تنعكس في الأدب العبري ومناهج تدريس اللغة العبرية والمشهد اللغوي في الحيز العام ولافتات الطرق.