15/02/2026 - 11:01

حوار مع سجود عوايص: سيطرة الحركة الصهيونية على امتياز الكهرباء وهندسة العتمة في فلسطين قبل وبعد 1948

ترى الباحثة والأكاديمية فلسطينية، د. سجود عوايص، أن الحركة الصهيونية وجدت في مشروع الكهرباء مدخلًا للاستيلاء على الأرض وتعظيم إمكاناتها وقدراتها بأسرع وقت ممكن وبأقصى استغلال للموارد.

حوار مع سجود عوايص: سيطرة الحركة الصهيونية على امتياز الكهرباء وهندسة العتمة في فلسطين قبل وبعد 1948

محطة "روتنبرغ" ومحطة التحويل الخارجية التابعة لشركة الكهرباء بين 1927 و1933 (Getty Images)

في مقال بعنوان "الكهرباء الإسرائيلية بوصفها هندسةً للعتمة في فلسطين"، تتتبّع د. سجود عوايص سياسات الإنارة والكهرباء في المناطق العربية الفلسطينية منذ اللحظة الأولى لدخول التيار الكهربائي إلى البلاد، مرورًا بالنكبة ثم النكسة، وما صاحبهما من استثمار إسرائيلي في شبكات البنية التحتية - ومنها الكهرباء - بوصفها أدوات ضبط وهندسة، جرى من خلالها ترسيم حدود رمزية بين مناطق "متحضّرة" وأخرى مهمّشة.

وتبرز الباحثة كيف أدّى منحُ الاستعمار البريطاني الحركةَ الصهيونية "امتيازًا حصريًا" لإنتاج وتوزيع الكهرباء في فلسطين منذ عام 1919، عبر المهندس اليهودي الروسي بنحاس روتنبرغ، إلى نشوء اقتصادين، يهودي وعربي، متجاورين وغير متكافئين. فعلى الرغم من أن المستوطنات اليهودية لم تكن تُشكّل حتى نهاية عام 1947 سوى ثلث السكان، فإنها كانت تستهلك 90% من إنتاج الكهرباء. كما أسهمت الشركة بقوة في إطلاق عدد من المشاريع والموارد والصناعات الإستراتيجية، مثل بناء ميناء حيفا وتطوير المنطقة المحيطة به، ودعم أعمال شركة الإنشاءات "سوليل بونيه" وشركة "نيشر" للإسمنت، ومطاحن القمح، ومصانع الحديد والصلب، ومصانع الغذاء والتعليب وغيرها؛ وهي البنى التحتية التي موّلت حرب 1948.

سجود عوايص

وتكشف الباحثة عن ارتباط ذلك بتطوير الاستيطان الزراعي عبر أنظمة الريّ الكهربائية، ومن خلال امتياز الشركة في استخدام المياه للريّ وإنتاج الطاقة، ما جعل القطاع الزراعي يحتل حصة كبيرة من الاقتصاد اليهودي بلغت نحو النصف بنهاية ثلاثينيات القرن الماضي. كما تشير إلى أن التملّك الحصري للحركة الصهيونية لقطاع الكهرباء أسهم في التأسيس لاستيطان دفاعي شبكي يخترق الأراضي الفلسطينية، ويتيح أكبر قدر من السيطرة على الموارد والسدود ومصبات الأنهار. فقد امتدت أسلاك الجهد العالي من تل أبيب جنوبًا إلى حيفا شمالًا ونهر الأردن شرقًا، بالتوازي مع شراء الشركة أراضي حول مواقع مخصّصة لسدود كهرومائية وخطوط كهرباء، ثم بناء مستوطنات يهودية لتكون بمثابة حصون دفاعية تحيط ببنيتها التحتية.

ويشير المقال إلى أن غياب نصوص صريحة في قرار تقسيم الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 تربط ترسيم الحدود بالبنية التحتية، لا يعني أن السيطرة اليهودية على شبكات الكهرباء خلال فترة الانتداب كانت عفوية أو عبثية، بل إنها أسهمت، بشكل غير رسمي، في تعزيز الهيمنة الإقليمية لمستعمرات معيّنة، ما خلق أساسًا تقنيًا واقتصاديًا عززته الخرائط والإحصاءات التي قدمتها الوكالة اليهودية إلى لجان الأمم المتحدة. وقد روّجت تلك المعطيات لدولة "قابلة للحياة اقتصاديًا" تستند إلى بنية تحتية فاصلة بين حدّ وآخر داخل البلاد نفسها، لينتهي المطاف بأغلبية البلاد لصالح كيان يهودي، انطلاقًا من مبدأ "الإبقاء على البنية الحيوية للطاقة في يد من أنشأها".

لإلقاء المزيد من الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا اللقاء مع الباحثة د. سجود عوايص:

"عرب 48": اللافت أنكِ تربطين بين الماضي والحاضر من خلال تسليط الضوء على فلسطين قبل عام 1948 وحالها اليوم، لتُظهري أن الظلم التاريخي اللاحق بالفلسطينيين ناتج عن تمييز بنيوي يرتبط بالمستعمِر وامتداداته الراهنة؟

عوايص: نعم، في الحقيقة يبدأ الظلم والغبن منذ اللحظة الأولى للانتداب البريطاني، عبر تبنّيه المشروع الصهيوني حتى قبل سيطرته الكاملة على أرض فلسطين، من خلال وعد بلفور عام 1917، علمًا أن إعلان الانتداب صدر عام 1920.

جاء ذلك لعوامل عدة، منها مساهمة الحركة الصهيونية في استكمال السيطرة العسكرية البريطانية على كامل أرض فلسطين من خلال "الفيلق اليهودي"، إضافة إلى الخدمات اللوجستية والاقتصادية التي قدمتها لقوات الانتداب بعد دخوله، فضلًا عن العلاقات الدبلوماسية لقادة الحركة مع قادة الاستعمار.

نتج عن ذلك التزام "وثيقة الانتداب" بتهيئة الظروف اللازمة لإقامة "وطن قومي يهودي" في فلسطين، إلى جانب التزام عام بتنمية البلاد لصالح جميع سكانها. غير أن العبارة الأخيرة جاءت بمثابة "مسايرة" للعرب، بينما تمثل الهدف الحقيقي في تحقيق تنمية يهودية تُضيّق الفجوة السكانية بين العرب واليهود (إذ بلغت الفجوة حينها 643 ألف عربي مقابل 84 ألف يهودي وفقًا لتعداد عام 1922، بنسبة 8:1).

وهكذا اعترفت وثيقة الانتداب بالمنظمة الصهيونية كهيئة عامة تتشاور معها بريطانيا وتتعاون معها في المسائل المتعلقة بإنشاء "الوطن القومي اليهودي"، وعهدت إلى حكومة فلسطين بتنمية البلاد. ولتحقيق هذه الغاية، مُنحت كامل الصلاحيات للسيطرة على الموارد الطبيعية، والأشغال العامة والخدمات والمرافق.

ومن خلال العلاقات الدبلوماسية بين قادة الحركة الصهيونية وقادة الانتداب، مُرّرت امتيازات لمشاريع مهمة لصالح الحركة، مثل مشروع شركة الكهرباء. وربما يبدو أنه يقتصر على الكهرباء، لكنه في الواقع منح المهندس اليهودي الروسي روتنبرغ امتياز توليد الكهرباء، إلى جانب حقوق استغلال مياه نهر الأردن وروافده (نهر العوجا واليرموك)، وتحويل المياه، وإقامة محطات توليد كهرومائية، واستملاك الأراضي اللازمة، ومدّ خطوط نقل الكهرباء عبر الأراضي العامة والخاصة، وأولوية الحصول على تصاريح البناء.

كانت هذه الصلاحيات جميعها بيد طرف واحد، ونتج عنها لاحقًا تطور متنامٍ في الزراعة والصناعة والنقل والتجارة، ومدّ خطوط الهاتف وأنابيب المياه والمواصلات، ما يعني أن التمييز البنيوي أخذ يتعاظم تدريجيًا ليصبح أكثر رسوخًا وشمولية.

"عرب 48": تحكّم يهود الحركة الصهيونية، ربما، بأهم مورد حيوي في فلسطين وهو الكهرباء، هل هو مؤشر إلى الارتباط العضوي القائم بينها وبين الاستعمار البريطاني، الذي سعى إلى تمكينها من الإمساك بمفاصل البلاد والسيطرة على مواردها منذ أن وطئت أقدامهما أرض فلسطين؟

عوايص: هو ارتباط عضوي عبّر عن نفسه على شكل مصالح مشتركة للطرفين. فمن ناحية، كان الاستعمار البريطاني بحاجة إلى تطوير البلاد والترويج لنفسه باعتباره بوابة الانفتاح والتحضّر، وكان متقبّلًا للمبادرات المحلية "المنتقاة" في مستعمراته بصفتها تقلّل من تكلفة الاستعمار عليه، وفق مبدأ "الحكم بأقل كلفة"، إضافة إلى توفير الطاقة عن طريق المياه، إذ إن مشروع الكهرباء كان قائمًا على مبدأ توليد الكهرباء من جريان نهر الأردن (الطاقة الكهرومائية).

ومن ناحية أخرى، وجدت الحركة الصهيونية في مشروع الكهرباء مدخلًا للاستيلاء على الأرض وتعظيم إمكاناتها وقدراتها بأسرع وقت ممكن وبأقصى استغلال للموارد. وقد ذهب جزء مهم من هذه الموارد إلى صناعات مثل التعبئة والتعدين وصناعات الإسمنت والحديد، إضافة إلى تمويل عصابات "الهاغاناه" التي شكّلت نواة الجيش لاحقًا.

"عرب 48": المقال أضاء على استعمال الاستعمار البريطاني وامتداداته المتمثلة بالكهرباء، بما تمثله من مورد حضاري وما تعكسه وترمز إليه من تطور بالمفهومين المادي والرمزي، لفرض "الظلام" على الفلسطينيين عبر تمكين الصهيونية من "كبسة هذا الزر"؟

عوايص: مفهوم "كبسة الزر" هو سياسة استعمارية شاملة في جميع المستعمرات التي حكمتها بريطانيا، تقوم على حرمان السكان من مقومات الحياة الطبيعية وتحويلها إلى امتيازات تُمنح فقط لمن يقدم الولاء والخضوع للنظام القائم.

وقد تعاظم ذلك خلال ثورة عام 1936، من خلال أساليب شركة الكهرباء التي اعتمدت الرشاوى والابتزاز واشتراط التعاون العلني مع البلديات وإخضاعها لشروط مجحفة. وكان الخيار أمام الفلسطينيين إما نور المستعمر أو ظلام الحرية.

ومن ناحية أخرى، مهما بلغ حجم استفادة الاستعمار البريطاني من مشروع الكهرباء كأداة إخضاع، فإن الحركة الصهيونية وقواتها استفادت منه بشكل أكبر: أولًا بصفتها المشغّل له، وثانيًا عبر الترويج له من خلال إنشاء مناطق صناعية يهودية مضيئة مقابل مناطق عربية مظلمة ومتخلفة في بنيتها التحتية والمعيشية، وثالثًا لأن ثورة 1936 دقّت ناقوس الخطر بشأن أهمية الانفصال عن الفلسطينيين وتعميق الفجوة بينهم، وتحويل احتياجاتهم إلى أدوات تجنيد وإخضاع.

هذا يعني أن الكهرباء لم تكن بالنسبة للفلسطيني موردًا حضاريًا، بل كانت أداة ابتزاز وهيمنة منذ اليوم الأول، وهو ما يفسر شعار الفلسطينيين "أعمدة روتنبرغ مشانقنا" الذي كان سائدًا آنذاك. علمًا أن الفلسطيني لم يكن في حالة منافسة مع أحد، فهو صاحب الأرض والمتكيّف مع ظروفها وأدواتها التقليدية، بينما كانت الحركة الصهيونية بحاجة إلى المنافسة لتعزيز قدرتها على الاستلاب والتهيئة له.

"عرب 48": الصهيونية بدورها استغلت هذا المورد الحيوي لفرض وقائع على الأرض، من استيطان وإقامة بنية تحتية واقتصادية كان لها، كما تقولين، تأثير حاسم في قرار تقسيم فلسطين ثم في السيطرة على غالبية مساحتها لاحقًا؟

عوايص: قبل إقرار تقسيم فلسطين، أرسلت الأمم المتحدة عدة بعثات إلى البلاد، كان آخرها لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين (UNSCOP)، التي تشكّلت من 11 دولة، لم تكن بينها أي دولة عربية أو إسلامية. وقد زار مبعوثو هذه الدول فلسطين، واستمعوا إلى شهادات جهات مختلفة، ورفعوا توصياتهم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقبل صدور القرار، استمعت اللجنة إلى الوكالة اليهودية، ممثلة الحركة الصهيونية في فلسطين، والتي شاركت في النقاش وقدّمت خرائط وإحصاءات ورؤى اقتصادية، وروّجت للدولة اليهودية باعتبارها دولة قابلة للحياة اقتصاديًا، استنادًا إلى ما تملكه من موارد اقتصادية وصناعية، وإلى ما حظيت به من دعم سياسي ودبلوماسي. كما شاركت سلطة الانتداب في النقاش، وقدّمت تقارير إدارية، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في حين رفضت القيادة العربية الحديث مع اللجنة أو الاعتراف بشرعية سعيها إلى حلّ ما اعتبرته "مشكلة بين اليهود والعرب" عبر تقسيم البلاد.

وبالنتيجة، طرحت الحركة الصهيونية مشاريعها - ولا سيما السيطرة على المياه والكهرباء - بوصفها مكوّنات لتشكيل جغرافيا سياسية. صحيح أن الوثائق الرسمية لقرار التقسيم لم تذكر ذلك صراحة، غير أن الإشارات إلى نقاط التهويد الإحدى عشرة في النقب ومشاريع الجليل والساحل استُند إليها في رسم حدود التقسيم.

وهكذا عملت شركة الكهرباء على جعل المناطق التي تعمل فيها محورًا اقتصاديًا وإستراتيجيًا يهوديًا ضمن خطة التقسيم، وساعد نظام الكهرباء في تكوين حدود سياسية، باعتبار أن الكهرباء كانت امتيازًا يهوديًا أفرز كيانًا اقتصاديًا وسياسيًا يمكن من خلاله تحديد ما هو داخل هذا الكيان وما هو خارجه.

أما بعض المناطق العربية التي وصلتها الكهرباء قبل النكبة، فقد تولّت العصابات الصهيونية تهجير أهلها عام 1948، مثل كوكب الهوى، ودانا، وكفرا، وصرين، واللجون.

"عرب 48": اليوم ما زالت التجمعات الفلسطينية كافة مرتهنة بالمستعمِر، الذي قطع الكهرباء عن غزة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بـ«كبسة زر»، ويتحكم بكهرباء الضفة عبر الأمر العسكري 159، ويمنع الكهرباء عن قرى كاملة في النقب بحجة "عدم الاعتراف بها"، كما يمنعها عن آلاف البيوت في الداخل الفلسطيني بذريعة عدم الترخيص؟

عوايص: فعليًا، ما تزال التجمعات الفلسطينية مرتهنة للمحتل عبر 237 نقطة ربط مع شركة الكهرباء الإسرائيلية في الضفة والقطاع. وإلى جانب اختلالات التوزيع، وكثافة الإضاءة، وانقطاعات التيار، ورداءة الخدمات، وارتفاع الفوائد وأسعار تركيب الكهرباء، يتحكم المحتل بأكثر من ذلك؛ فهو يفرض مثلًا على شركات الكهرباء الفلسطينية بيع الكهرباء وفق شروط وأسعار تحددها السلطات الإسرائيلية، كما أن أي توسعة للبنية التحتية تحتاج إلى موافقة الجيش.

كذلك يحرم التجمعات العربية في الضفة وفي فلسطين الداخل، التي لا يُراد لها البقاء، من الوصول إلى شبكة الكهرباء، بهدف فرض بيئة خانقة تدفعها إلى الرحيل، ما يعني تهجيرها قسريًا. ويُبرَّر ذلك أحيانًا بوجودها خارج مخططات التنظيم والبناء في مناطق 1948، أو داخل مناطق خاضعة لسيطرته في الضفة الغربية.

ورغم ذلك، حاولت العديد من التجمعات إنشاء شبكات خاصة بها عبر الاعتماد على المولدات العاملة بالوقود أو على الطاقة الشمسية، ما دفع الاحتلال إلى البحث عن أساليب أخرى للتهجير. بمعنى أن التحكم قائم سواء في المناطق التي تصلها الكهرباء أو في تلك المحرومة منها؛ يختلف شكل التحكم وأنماطه وسرعة تأثر السكان الفلسطينيين به، لكنه في جميع الحالات يهدف إلى تحويل حياة الفلسطيني إلى جحيم، وحصاره بين الاستعباد والتحكم أو الرحيل.


د. سجود عوايص: باحثة وأكاديمية فلسطينية، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة العلوم الماليزية، مهتمة بشؤون المجتمع الفلسطيني والعربي.