ضمن سلسلة الندوات التي نظمها مركز مدى الكرمل تحت عنوان "الإبادة العمرانيّة (Urbicide) في غزّة: العنف المكانيّ وإعادة الإعمار والمقاومة"، وبالتعاون مع برنامج الماجستير في الدراسات الإسرائيليّة في جامعة بير زيت، شاركت د. فاتنة إبريق - زبيدات، الباحثة والمحاضِرة في كلية الهندسة المعمارية في جامعة تل أبيب، في ندوة بعنوان "الإبادة العمرانيّة من موقع المخيمات الفلسطينية".
وقدّمت مداخلة بعنوان "عينيّة الصراع وتحديد حيّز مخيمات اللاجئين في قطاع غزّة"، تناولت فيها السياق التاريخي لحرب الإبادة، وأولوية مخيمات اللاجئين الفلسطينيين عمومًا، وفي غزّة تحديدًا، في الأجندة الإسرائيلية.
وأشارت إلى أنه رغم التباين الظاهر بين سياسات حزب العمل "الناعمة" التي صاغها موشيه ديان، وسياسات الليكود "الخشنة" التي ارتبطت بأريئيل شارون، فإن الهدف كان واحدًا: التخلص من المخيم بوصفه شاهدًا على النكبة واللجوء ورمزًا لحق العودة.
يُشار إلى أن د. إبريق - زبيدات كانت قد أعدّت أطروحة الماجستير حول المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية، بالتركيز على مخيمي الدهيشة والفوّار، ثم أنجزت أطروحة الدكتوراه حول مخيمات غزة ومدنها. وصدر لها مؤخرًا كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان
A Territory in Conflict: Eras of Development and Urban Architecture in Gaza
("منطقة تحت الصراع")، يجمع خلاصة أبحاثها حول المخيم الفلسطيني.
ولإلقاء مزيد من الضوء على المداخلة والكتاب، أجرى "عرب 48" هذا الحوار معها:
"عرب 48": يبدو أن المخيم قد رافقك خلال مسيرة البحث في المراحل المختلفة: الماجستير، والدكتوراه، وما بعد الدكتوراه أيضًا؟
إبريق - زبيدات: فعلًا، بدأ اهتمامي بالمخيمات حتى قبل مرحلة الماجستير؛ إذ أنجزتُ درجة البكالوريوس في معهد بتسلئيل في القدس، وخلال تجوالي في أنحاء الضفة الغربية لفت انتباهي "المخيم" بنمط بنائه الخاص، وأثار لديّ تساؤلًا حول سبب عدم اندراج هذا النمط ضمن مفهومنا للعمارة.
عندما انتقلتُ لاستكمال تعليمي الأكاديمي في التخنيون، بدأتُ بحث الماجستير حول المخيمات، مع التركيز على مخيمي الدهيشة والفوار نموذجًا، حيث تناولتُ مسألة اللجوء الفلسطيني منذ بدايات التهجير المبكر عام 1947، مرورًا بفترة الحكم الأردني، وصولًا إلى احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967.
وتناول البحث تطوّر الحياة السكنية للاجئين الفلسطينيين، من العراء والمغَر إلى الخيام، ثم إلى البناء الإسمنتي الذي ما يزال قائمًا حتى اليوم، وذلك في إطار العلاقة مع السلطات الأردنية، وكذلك العلاقة الداخلية بين اللاجئين أنفسهم. وأجريتُ لهذا الغرض عددًا كبيرًا من المقابلات مع لاجئين من سكان مخيمي الدهيشة والفوار.
وعندما بدأتُ دراسة الدكتوراه، ومن دافع اهتمامي بموضوع المخيمات، نصحني العديد من المعماريين والمهندسين ببحث موضوع مخيمات غزة، لكونه لم يُطرق من قبل، أو لم يحظَ إلا بالقليل من البحث، علمًا بأن إسرائيل كرّست معظم نشاطها في مخيمات غزة.
"عرب 48": غزة كانت مُغيَّبة قليلًا، وربما حظيت بـ"الاهتمام" الإسرائيلي أكثر مما حظيت بالاهتمام الفلسطيني؟
إبريق - زبيدات: ليس قليلًا فقط! كان أول ما بدر إلى ذهني بعد أن قررتُ بحث مخيمات غزة: هل اللاجئون الذين وصلوا إلى غزة هم أنفسهم الذين وصلوا إلى الضفة الغربية، والأردن، ولبنان، وسورية؟ وهل اختلفت أوضاعهم بعد الاحتلال الإسرائيلي؟
تناول البحث مخيمات غزة ومدنها، وتمحور حول سياسة "التطوير" الإسرائيلية بأوجهها المختلفة، وأهداف هذه السياسة ومنطلقاتها وأدواتها. وقد لمستُ الفارق بين مخيمات غزة ومخيمات الضفة الغربية، وهو فارق يعود أساسًا إلى اختلاف السياسة المصرية والسياسة الأردنية في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين والأراضي الفلسطينية التي وقعت تحت ولايتهما بعد نكبة عام 1948.
ففي حين اعترفت الأردن بالفلسطينيين كمواطنين ومنحتهم الجنسية الأردنية، اعتبرت مصر أنها تدير قطاع غزة إدارة مؤقتة، كما أهملت اللاجئين ورأت في الأونروا الجهة المسؤولة كاملةً عنهم. وما إن بدأت تلوح بوادر تغيير إيجابي في السياسة المصرية تجاه غزة حتى داهمها الاحتلال الإسرائيلي.
"عرب 48": مع وقوع الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، هل تعامل الاحتلال مع المنطقتين بشكل مختلف أيضًا؟
إبريق - زبيدات: بذلت إسرائيل في السنوات الأولى لاحتلالها، وخاصة بين عامي 1967 و1969، محاولات كبيرة لتهجير سكان قطاع غزة، ولا سيما سكان المخيمات. ورسمت مخططات للتهجير إلى الأرجنتين وألمانيا وغيرها، لكنها باءت جميعها بالفشل، الأمر الذي أدخلها في أزمة.
ما أردت قوله في كتابي، الذي كرّست مقدمته لحرب الإبادة المتواصلة على غزة، هو أن ما يحدث اليوم له سياق تاريخي يمتد إلى عامي 1967 و1948، إلى التهجير واللجوء والاحتلال والحصار، وإلى الحروب القصيرة التي كانت تشنّها إسرائيل بين الفينة والأخرى على قطاع غزة. بمعنى أننا أمام إبادة مخططة ومدروسة تحمل أهدافًا سياسية وإيديولوجية، ولذلك لا ينطبق عليها مصطلح "Urbicide" (قتل المدن) كما يُترجم حرفيًا، إذ إن فهم الإبادة الجارية اليوم يقتضي العودة إلى الماضي والسياق التاريخي لسياسة المحو الإسرائيلية التي بدأت منذ عام 1948.
فمصطلح "Urbicide" أو "قتل المدن" لا ينطبق على ما يجري في غزة؛ لأنه يفترض دراسة وانتقاء ما يجب هدمه وما لا يجب هدمه، في حين أن ما حدث وما يزال يحدث في غزة هو تدمير شامل لا يستثني شيئًا، هدمٌ من أجل الهدم والمحو. والنتيجة أنه لم يبقَ في غزة اليوم لا مدن ولا مخيمات ولا قرى، إذ نجحت إسرائيل في تحويل القطاع كله إلى مخيم واحد كبير. ولم يعد هناك مجال للتمييز بين من هو تابع للأونروا ومن هو غير تابع لها، لأن الجميع تحوّلوا إلى لاجئين.
وبحسب تعريف عام 1948، فإن اللاجئ هو من يتمتع بحق العودة، بينما اليوم أصبح اللاجئون أشبه بأي لاجئين في إفريقيا أو غيرها. لذلك لا أستطيع التفكير في استخدام مصطلح "Urbicide" في حالة غزة، ولهذا استعرضت في دراستي المراحل السابقة على حرب غزة لأفسّر ما يجري اليوم ضمن سياقه التاريخي.
"عرب 48": ما أصل مصطلح"Urbicide"، ومن أين جاء؟
إبريق - زبيدات: "Urbicide" هو مصطلح ظهر في سنوات الألفين، وارتبط بكتابات مارشال بيرمان (فيلسوف وكاتب أميركي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك)، في سياق نقده للمدن الأميركية وسياسات تفريغ الأحياء من السكان السود، التي تحوّلت لاحقًا إلى أحياء غنية وقوية في شيكاغو وغيرها من المدن التي أُعيد تشكيلها لخدمة البيض والأغنياء.
وأُعيد استخدام المصطلح خلال حرب كوسوفو في يوغسلافيا، حيث رأى معماريون كيف جرى هدم معالم تاريخية، بما في ذلك الأسواق العثمانية، في سياق محاولة إعادة تشكيل هوية كوسوفو على نحو مسيحي. ثم استُخدم المصطلح أيضًا في سياق ما جرى في العراق وسورية، ولا سيما ضمن إطار الحرب الأميركية على "الإرهاب"، ومحاولات طمس الفوارق وإعادة إنتاج فضاءات حضرية متجانسة.
ومن الواضح، برأيي، أن هذه الأنماط لا تلائم حالة غزة؛ فغزة ليست دولة كسورية أو العراق، بل ما تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي. فهي ليست دولةً تأتيها دولة أخرى لتعيد هندسة ديمغرافيتها بذريعة محاربة "الإرهاب"، إذ إنها لم تتوقف عن كونها تحت الاحتلال منذ عام 1967.
"عرب 48": قلت إن السياسة الإسرائيلية تجاه غزة دخلت في أزمة بعد فشل محاولات التهجير التي استمرت حتى عام 1969؟
إبريق - زبيدات: تناول بحثي للدكتوراه الفترة الواقعة بين عامي 1969 و1982، لأنها السنة التي شهدت الإخلاء الكامل لسيناء. وخلال دراستي لما بعد الدكتوراه استكملت البحث من عام 1982 وحتى اتفاق أوسلو.
بعد فشل محاولات التهجير، وتحديدًا منذ عام 1969، بدأت تتبلور وتُمارَس سياسة جديدة نشأ تحت مظلتها توجّهان متباينان:
الأول اعتمد ما سُمّي بسياسة "التطوير"، التي قالت إنه لا ينبغي التفكير دائمًا وفق أجندة ديمغرافية. وقد عمل عليها رجال اقتصاد ومخططون ومعماريون اهتموا بالجانب الاقتصادي، واعتقدوا بإمكانية تحويل المناطق المحتلة إلى بؤر اقتصادية تستفيد منها إسرائيل، وتحويل الفلسطينيين - واللاجئين منهم خصوصًا - إلى أيدٍ عاملة رخيصة تُسهم في بناء الاقتصاد الإسرائيلي.
وانطلق هذا التوجه من فرضية أن غزة، بخلاف الضفة الغربية، يمكن أن تتحول إلى ميناء، ولذلك يجب بناء مدينة يهودية على شاطئها. وفي هذا السياق جرى تخطيط وبناء "يميت"، التي كانت تقع بين غزة ومصر، لتشكّل عازلًا يفصل غزة عن مصر، ويحدّ من إمكانية تطورها الاقتصادي المستقل، ويحوّل سكانها إلى أيدٍ عاملة رخيصة في مدينة "يميت" الإسرائيلية، التي خُطّط لاستيعاب ربع مليون مستوطن، وشمل مخططها إقامة ميناء ومطار وجامعة. وفي هذا السياق تكشف المراسلات بين محمد حسنين هيكل وأنور السادات في تلك الفترة عن استشعار مصر للتهديد واعتبار إقامة المدينة بمثابة إعلان حرب.
أما التوجه الثاني، فتشكّل مما أُسمّيه "العقل الديمغرافي"، الذي اعتقد أن تمكين إسرائيل من السيطرة على غزة يقتضي طرد اللاجئين وتوطينهم في العريش. ولم يُبدِ هذا التيار تخوّفًا كبيرًا من السكان المحليين، الذين بلغ عددهم آنذاك نحو 200 ألف نسمة، وانقسموا بين أقلية ضئيلة من الطبقة الغنية، وأغلبية فقيرة كان كثير منهم من أصول قروية، وكانت نسبة التعليم في أوساطهم أقل من اللاجئين.
وجدير بالذكر أن اللاجئين الذين وصلوا إلى غزة، بخلاف الذين وصلوا إلى الضفة الغربية، كانوا في غالبيتهم من سكان المدن الفلسطينية مثل يافا وعسقلان والمجدل وغيرها، وكانوا متعلمين وأقوى نسبيًا من حيث البنية الاجتماعية والثقافية. وليس غريبًا، في هذا السياق، أن تكون المقاومة في غزة أكثر صلابة، وأن تتمتع بثقافة ووعي سياسيين أوسع مقارنة بالضفة الغربية.
ولهذا السبب رأت إسرائيل في اللاجئين خطرًا أكبر من السكان المحليين، وسعت أساسًا إلى تحويل "اللاجئ" إلى "محلي"، عبر تقديم مغريات تمثلت في منحهم حق التصويت في انتخابات البلديات، والحق في التملّك.
"عرب 48": من المعروف أن غزة أخرجت العديد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، مثل أبو إياد وأبو جهاد وياسر عرفات وغيرهم ممن لجأوا إليها من مدن الساحل الفلسطيني خلال نكبة عام 1948. لكن سؤالي هو: هل كان اللاجئون لا يتمتعون بهذه الحقوق خلال فترة وقوع غزة تحت الإدارة المصرية؟
إبريق - زبيدات: نعم. كما أسلفتُ، عمل جمال عبد الناصر على منع أي امتيازات قد تُسهم في تطبيع الوضع الطارئ للاجئين، وأحال إدارة شؤونهم المختلفة إلى "الأونروا"، بوصفها الجهة المسؤولة عن ملف اللاجئين. وفي المقابل، اعتبر قطاع غزة منطقة واقعة تحت الإدارة المصرية فقط، وليس جزءًا من الأراضي المصرية، بخلاف الضفة الغربية التي ضمّتها الأردن ومنحت سكانها الجنسية الأردنية.
وفي هذا السياق، سمح عبد الناصر للغزيين بالالتحاق بالجامعات المصرية ابتداءً من عامي 1964 - 1965، كما خطّط في السنوات نفسها لبناء ميناء في غزة، إلا أن احتلال عام 1967 قطع الطريق على هذه المخططات.
"عرب 48": عودةً إلى السياسة الإسرائيلية في غزة، فقد أشرتَ إلى وجود نهجين "متصارعين"؟
إبريق – زبيدات: صحيح. التوجه الثاني، الذي حمل الفكر الديمغرافي الاستيطاني، تشكّل من مجموعة أفراد اكتسبوا مفاهيمهم من خلال تعلمهم وعملهم في إيطاليا، حيث شاركوا هناك مع خبراء إيطاليين في مشاريع هدفت إلى تحويل البنية الديمغرافية إلى تجمعات استيطانية زراعية، عبر تجميع الفلاحين في مستوطنات زراعية منظمة، بما يتيح للدولة الفاشية السيطرة على المحاصيل الزراعية. بمعنى تركيز السكان في مناطق محددة والاستيلاء على الأراضي لصالح الدولة.
وقد استخدمت إيطاليا هذه السياسة في ليبيا أيضًا، حيث شارك بعض الصهاينة، إلى جانب الإيطاليين، في عمليات الهندسة الديمغرافية هناك. وانطلاقًا من هذه الخبرة، فكّر هؤلاء بترحيل اللاجئين إلى العريش، وإقامة مستوطنات زراعية في قلب غزة.
في تلك الفترة كانت الحكومة برئاسة ليفي أشكول ثم غولدا مئير، غير أن الشخصية التي "قلبت الطاولة" كانت موشيه ديان، الذي تبنّى التوجه الاقتصادي بدلًا من التوجه الديمغرافي الصِرف.
"عرب 48": لكن مع ذلك، فقد وقعت العديد من عمليات التهجير أيضًا؟
إبريق - زبيدات: نعم، ففي عام 1971، فكر أريئيل شارون، الذي كان في ذلك الوقت قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، في نقل اللاجئين من المخيمات إلى أحياء جديدة تُبنى على أطراف المدن. وفي هذا السياق، تم بناء حي الشيخ رضوان في غزة وحي الأمل في خانيونس.
"عرب 48": سياسة التوطين؟
إبريق - زبيدات: أنا أسميها "توطين" بهدف محو المخيم من باب التطوير، وليس من خلال التهجير القسري. الفرق أن، عندما جاء شارون وبدأ باقتحام المخيمات الواقعة في وسط قطاع غزة - مثل النصيرات والبريج ودير البلح - بهدف تهجير اللاجئين تحت ذريعة مكافحة "الإرهاب"، تدخل الفريق الاقتصادي الذي شعر بتهديد لخطط التطوير الخاصة به، كما وقف العالم وقعد ضد مخططات شارون. علمًا أنه بالتوازي، تم الشروع في بناء "يميت" وإقامة أحياء جديدة للمخيمات.
"عرب 48": وقعت عمليات تهجير واسعة في رفح عندما جرى ترسيم الحدود مع مصر إثر اتفاقيات كامب ديفيد؟
إبريق - زبيدات: هذه العمليات وقعت بعد عام 1982، عقب الانسحاب من سيناء وتراجع الجيش الإسرائيلي إلى ما يُعرف اليوم بـ"محور فيلادلفيا". لكن خلال السنوات العشر التي تناولها البحث، من 1967 وحتى 1982، كان أول "بايلوت" نفّذته إسرائيل هو نقل لاجئين من جباليا وتوطينهم في منطقة تقع بين رفح وخانيونس. وقد تم منح من وافق على الانتقال مساحة أرض أكبر وامتيازات أخرى، مثل الحق في العلاج بالمستشفيات، بهدف تشجيع الأهالي على الهجرة. وفي هذا السياق، من الجدير بالذكر أن إسرائيل بنت العديد من المستشفيات والبنى التحتية في غزة.
"عرب 48": بمعنى أن إسرائيل هدمت البنية التحتية التي بنت غالبيتها بنفسها، بما فيها المستشفيات أيضًا؟
إبريق - زبيدات: في كامب ديفيد، عقدت إسرائيل "سلامًا" مع مصر وتراجعت إلى محور فيلادلفيا، كما ذكرت سابقًا، لكنها لم تعقد "سلامًا" مع الفلسطينيين. كل المستوطنين الذين أُخلوا من "يميت" انتقلوا للسكن في المستوطنات الكائنة في قلب غزة، مثل "غوش كطيف" و"نيريم"، وغيرها. وجرى الاستيطان في قلب غزة وفق الخرائط التي رسمها الفريق الديمغرافي المذكور في عام 1969.
دفعت غزة ضريبة "السلام" مع مصر، إن صح التعبير، من خلال تعزيز المستوطنات والتضييق على اللاجئين. وحتى فريق المهندسين الذين كانوا يؤيدون البناء في المخيمات افتقروا إلى مصادر التمويل من الحكومة الإسرائيلية، خاصة بعد أن احتل شارون منصب وزير الأمن، حيث أسس بصفته تلك "الإدارة المدنية"، وفصلها عن الإدارة العسكرية، وأوقف أي تمويل للمخيمات، ووجّه كل المستحقات والمياه الزراعية للمستوطنات. جاء ذلك بعد أن فقدت إسرائيل أي دافع لتطوير غزة إثر خسارة "يميت"، التي كانت تشكل العمود الفقري لسياسة التوجه الاقتصادي.
هذا الوضع استمر حتى اتفاق أوسلو عام 1993، الذي تلاه خطة شارون، رئيس الحكومة هذه المرة، بفك الارتباط مع غزة، والذي شمل إخلاء مستوطنات "غوش قطيف" من قلب غزة. لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الحصار، وتوجيه الضربات الجوية، والعمليات المحدودة التي تنوّعت تسمياتها وتفاوتت درجة شدتها.
"عرب 48": إذن، شارون كان مهندس السياسة الإسرائيلية في غزة، من قائد المنطقة الجنوبية في السبعينات، إلى وزير الأمن في الثمانينات، ثم رئيسًا للحكومة في سنوات الألفين؟
إبريق - زبيدات: صحيح، فقد كان في مختلف المراحل عنوانًا للسياسة التي قادت إلى انفجار السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
د. فاتنة إبريق - زبيدات: مهندسة معمارية وأستاذة مساعدة (محاضرة أولى) في كلية الهندسة المعمارية بجامعة تل أبيب، وتقود مختبر البحث "Spaces-in-Transition" في الجامعة. نالت درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف المتميزة عام 2018 من معهد التخنيون في حيفا، وأكملت دراستها لما بعد الدكتوراه في ETH بزيورخ.
تعدّ د. إبريق - زبيدات عضوًا في فريق التحرير للمجلة المحكَّمة International Journal of Islamic Architecture، ويركز بحثها على التنمية المعتمدة على المعونات والعمل الإنساني في الجنوب العالمي، والتموضع المكاني العابر للثقافات في سياق الهجرة القسرية للبشر وغير البشر، وبنى الفقر التحتية، وانعدام الأمن الغذائي في المناطق المجزأة.
نشرت العديد من الدراسات، وحاز عملها على عدة منح وجوائز. كما نال كتابها الصادر عن دار نشر جامعة بيتسبرغ الأمريكية (2025)، A Territory in Conflict: Eras of Development and Urban Architecture in Gaza، جائزة مؤسسة Graham Foundation.
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع سجود عوايص: سيطرة الحركة الصهيونية على امتياز الكهرباء وهندسة العتمة في فلسطين قبل وبعد 1948