تُثير تصريحات دونالد ترامب المتناقضة جدلًا واسعًا، إذ لا يقتصر التناقض على مواقفه بين خطاب وآخر، بل يظهر أحيانًا داخل الخطاب نفسه، بين تهديد وتهدئة، أو موقف ونقيضه، هذا النمط غير المألوف دفع كثيرًا من المختصين في علم النفس إلى محاولة فهم شخصيته وتحليل دوافعها العميقة.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
ولم تبقَ هذه التناقضات في إطار الكلام فقط، بل ترجمت إلى خطوات وُصفت بالاستثنائية، من فرض رسوم جمركية على دول حليفة وخصمة على حد سواء، إلى التصعيد مع فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو في مشهد صدم العالم كلّه، وصولًا إلى إعادة محاولات الاستيلاء على غرينلاند، في سلوك أعاد خلط أوراق السياسة الدولية.
وفي ذروة التصعيد، يتنقل خطابه تجاه إيران بين نقيضين؛ يومًا يتحدث عن تدمير كامل وأنه لم يعد هناك ما يُستهدف، ويومًا آخر يلوّح بمواصلة الحرب وتصعيدها، هذا التأرجح الحاد بين إعلان الحسم وفتح الباب لجولات جديدة، يعكس نمطًا متكررًا ويجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات متضاربة.
وحول شخصية ترامب المتناقضة ومدى انعكاساتها على سياسات الولايات المتحدة، قال د. مصطفى قُصقصي، وهو اختصاصيّ نفسيّ عياديّ ومعالج نفسيّ، لـ"عرب 48" إن "الانشغال بشخصية دونالد ترامب بدأ مع فترة رئاسته الأولى وبشكل كبير، حيث أن هناك شبه إجماع بين المختصين في علم النفس على وجود سمات نرجسية واضحة في شخصيته، هذه السمات تتمثل في التمجيد الذاتي المفرط، والشعور بالعظمة والجوع الشديد والمزمن للتقدير والإعجاب وغياب التعاطف، إلى جانب خطاب مليء بالتناقضات، يجمع بين التبسيط الشديد والمرونة التي تصل أحيانًا إلى حد قول الشيء ونقيضه في الوقت ذاته".
وأضاف قصقصي أن "هذا الانشغال بشخصية ترامب مبرّر إلى حد كبير، كونه شخصية تؤثر بشكل مباشر على العالم وعلى الحياة اليومية لملايين من الناس، إلا أنه قد يكون إشكاليًا في الوقت ذاته، إذ يرى البعض أن التركيز المفرط على شخصيته يأتي على حساب القضايا الجوهرية التي يؤثر عليها، مثل السياسة العالمية والأزمات والهجرة، وقد يتحول أحيانًا هذا الانشغال إلى أداة بيد المؤسسات الحاكمة لصرف النظر عن القضايا الحقيقية في السياسة المحلية والعالمية".
"ترامب أدخل إلى السياسة خطابًا جديدًا"
يقول قصقصي، إن "خطاب ترامب يمكن وصفه بالشعبوي غير النخبوي، إذ يخاطب العواطف أكثر مما يخاطب العقل، ويعتمد على التبسيط والتناقض، ويرى البعض في هذه التناقضات خللًا في الشخصية، بينما يراها آخرون جزءًا من إستراتيجية مدروسة تهدف إلى الحفاظ على مرونة المواقف وإمكانية التراجع أو التقدم بحسب الحاجة".
وأشار قصقصي إلى أن "تأثير شخصية ترامب على قرارات كبرى، مثل اندلاع الحروب أو إنهائها، هو موضوع قابل للنقاش، إذ لا يمكن اختزال قرارات بهذا الحجم في شخصية فرد واحد، ومن جانب آخر، فإن صعود ترامب يعكس حالة أوسع من التطرف في الثقافة السياسية، حيث باتت الشعبوية ظاهرة ملحوظة على مستوى العالم، ما يعني أن ترامب ليس حالة منفصلة، بل أحد تجليات هذا المزاج السياسي العام".
"هناك ثقافة سياسية نرجسية آخذة في التوسع عالميًا، ويعكس ترامب هذه الثقافة بقدر ما يؤثر فيها"
يلفت قصقصي إلى صعود القادة النرجسيين على مستوى العالم، مؤكدا على أهمية "ضرورة تناول الظاهرة دون الوقوع في فخ الشخصنة المفرطة، حيث تميل هذه الشخصيات الشعبوية إلى تبسيط الخطاب، وإلقاء اللوم على الآخرين، وتقديم تفسيرات سهلة، وهو ما يترك غالبًا أثرًا سلبيًا، لكنه في المقابل يساعد هذه الشخصيات على الوصول إلى مواقع قيادية".
وبيّن قصقصي أن "الشخصيات النرجسية غالبًا ما تمتلك كاريزما تستجيب لاحتياجات نفسية واعية وغير واعية لدى الجمهور، وهو ما يفسر صعودها المتكرر عبر التاريخ، بما في ذلك في القرن العشرين، حيث شهد العالم نماذج لقادة ديكتاتوريين نرجسيين حظوا بقبول شعبي واسع، إذ يمنح القائد النرجسي شعورًا بالأمان وبالقوة والسطوة، ويستجيب لحاجات نفسية عميقة لدى الناس إلى الحماية والتخفف من القلق الوجوديّ الناجم عن الحرّية".
ولفت إلى أن المحلل النفسي إريك فروم، طرح في كتابه الشهير "الهرب من الحريّة" هذه المسألة المحيّرة، معتبرًا أن السؤال الحقيقي ليس لماذا يتنازل الناس عن حريتهم، بل لماذا يهربون منها ويرغبون في تسليمها للقائد أو للنظام تحت مسميات أيديولوجية وقومجيّة". وتطرق قصقصي إلى علاقة الجماهير بالقائد، قائلًا إن "هناك نوعًا من التعاقد غير الواعي بين القائد الكاريزماتي النرجسي والجمهور، حيث يسعى الناس إلى الأمان عبر تسليم عبء القرارات الخاصّة بإدارة حياتهم وقلقهم الوجوديّ المرتبط بالحرية لشخص يقدم نفسه كمنقذ وكليّ القدرة، ويوفر هذا النوع من القادة خطابًا مبسطًا ومثيرًا للجدل، بدغدغة العواطف الشعبية والقومية التي تحمل أحيانًا مضامين عنصرية مبطنة، وتوفير الإجابات السهلة".
وأشار إلى أن "شعار ترامب (اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا) صيغ بذكاء نفسي، إذ يخاطب شعور الإحباط لدى الجمهور ويعد بإعادة المجد، رغم إمكانية تفكيك هذا الشعار ونقده واعتباره سطحيًا".
"التاريخ يقدم أمثلة عديدة على قادة نرجسيين قادت قراراتهم إلى كوارث كبرى، بما في ذلك حروب واسعة"
يعتبر قصقصي أن "نرجسية ترامب قد تلعب دورًا مزدوجًا، فهي من جهة قد تدفع نحو قرارات خطيرة، لكنها من جهة أخرى قد تحدّ أحيانًا من اتخاذ قرارات كارثية، بسبب حرصه على صورته أمام الآخرين وحاجته إلى الإعجاب والظهور كقائد ناجح، هذا التناقض يترك المشهد مفتوحًا على جميع الاحتمالات، خاصة أن ترامب ليس اللاعب الوحيد، بل يتحرك ضمن بيئة تضم قادة آخرين يحملون سمات نرجسية مشابهة".
وختم قصقصي بالإشارة إلى أن "اللغة السياسية السائدة اليوم، خصوصًا في الولايات المتحدة، باتت تحمل طابعًا نرجسيًا وشعبويًا، تميل إلى تبسيط الواقع وأحيانًا إلى اختراعه، وهو ما يعكس تحولات أوسع في الخطاب السياسي العالمي، لا تقتصر على ترامب وحده بل تشمل قادة آخرين في مختلف أنحاء العالم".
اقرأ/ي أيضًا | البحث عن المجد الشخصي: محرك ترامب في ولايته الثانية