في مقال بعنوان "التأسيس الثقافي ضدّ الاستعمار: البحث في هوامش أدب المقاومة"، نُشر في مجلة "الجنوب"، يقدّم الباحث محمد قعدان قراءة نقدية للتأسيس الثقافي الفلسطيني في الداخل المحتل بعد النكبة، مركزًا على تجارب الكتّاب الذين عاشوا تحت نظام الحكم العسكري بين عامي 1948 و1966. ويجادل بأن هذه التجربة الثقافية كانت متمايزة عن مثيلاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ نشأت في ظل احتكاك يومي ومباشر مع الحاكم العسكري "الإسرائيلي"، ضمن بنية استعمار استيطاني تسعى إلى محو الوجود الفلسطيني وإعادة تشكيله.
ويشير الباحث إلى أن هذا الاحتكاك العنيف قد أنتج وعيًا ثقافيًا "مضادًا للاستعمار"، تطوّر من داخل القيد والرقابة، ووجد صداه لاحقًا خارج الحدود الجغرافية لفلسطين التاريخية، حيث لعب عدد من هؤلاء المثقفين أدوارًا محورية في تأسيس الوعي الثقافي الوطني. وانتقل بعضهم إلى المنفى الشتاتي وانخرطوا في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ليصبحوا جزءًا من الحقل الثقافي والسياسي في الشتات. لذلك، لا يمكن قراءة هذه التجربة بوصفها محلية أو محصورة، كما يقول، بل كتجربة ثقافية تشكّلت داخل النظام الكولونيالي ونجحت في تجاوز حدوده.
ويستند الباحث في قراءته وتحليله لهذا الفعل الفلسطيني تحت الحكم العسكري، في عقدي الخمسينيات والستينيات، إلى رؤية غسان كنفاني، التي تقدّم أساسًا حاسمًا لنهجٍ ضدّ الاستعمار، وتنظر إلى الثقافة كساحة نضال وصراع يومي، تساهم فيها الجهود الفكرية والثقافية والتربوية في تشكيل فكرٍ مناهض للاستعمار، يبرز كيفية تحوّل الفلسطينيين الباقين في الوطن إلى قوة ثقافية وسياسية حيوية تُشكّل تصوّرات للمقاومة.
ويلفت الباحث إلى أن شخصيات مثل محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، وتوفيق زياد، وآخرين، لم يكونوا يكتبون الشعر فحسب، بل كانوا يحوّلون اللغة إلى فعل تحدٍّ، منوّهًا إلى مساهمة كنفاني الحاسمة في تعريف العالم العربي الأوسع بهذه الأصوات المكبوتة والمستعمَرة، وفي تأطير أعمالها كجزء لا يتجزأ من النضال الفلسطيني.
وتنطلق الدراسة من هوامش السير الثقافية التي قدّمها غسان كنفاني، بوصفه كاتبًا وناقدًا وأديبًا في الشتات، ساهم في كسر الحصار على الإنتاج الأدبي الفلسطيني في أراضي 1948 من منظورٍ ضدّ استعماري، وتتتبّع القصص والمسارات التي أسّست لثقافة فلسطينية مناهضة للاستعمار في سياق تصاعد حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا والعالم العربي. فيما تركّز الدراسة على شخصيات محورية مثل: محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، في محاولة لفهم عوالمهم الفكرية، وصلاتهم الاجتماعية، وتأثير وجودهم داخل بنية الحكم الاستعماري الاستيطاني في إنتاج وعي ثقافي تجاوز حدود الجغرافيا والسياسة المعهودة، وأسّس لمخيال ثقافي فلسطيني جديد.
لإلقاء الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث محمد قعدان:
"عرب 48": تناولت في دراستك الأدب الفلسطيني من باب السياسة، بوصفه مدماكًا أو طبقة فيما أسميته "أدب ضد الاستعمار". وقد أخذت، لغرض دراسة شعر المقاومة أو أدب المقاومة في الأرض المحتلة، كما أُطلق عليه، ثلاثة نماذج: محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين. واللافت أن اثنين منهم، محمود درويش وراشد حسين، غادرا البلاد لاحقًا، كلّ بطريقته، والتحما بالحركة الوطنية الأم - منظمة التحرير الفلسطينية - التي شكّلت راعيًا لهذا الأدب في وقت مبكر، كما أشرت؟
قعدان: حاولت في الدراسة فهم، أو "اكتشاف"، مميزات المثقفين الفلسطينيين، ممثّلين بالشعراء، عبر علاقتهم مع الحكم العسكري، وسبر غور هذه العلاقة وما أنتجته، وذلك من خلال تتبّع قصص يومية سياسية لكل واحد منهم، وخاصة النماذج التي انتقيت: محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، إضافة إلى غسان كنفاني، الذي يمكن اعتباره "عرّاب" هذا الأدب، وأول من فكّ عنه الطوق وفتح له أبواب العالم العربي الموصدة، وما نتج عن هذا التفاعل من أدب مقاومة فلسطيني أعطى لونًا خاصًا للأدب العربي الحديث ولأدب "ضد الاستعمار" عمومًا.
وقد بدأ اهتمامي بهذا الموضوع عندما قرأت مقالًا لكاتب أميركي تقدمي يُدعى جيمس زغبي، يتحدث فيه عن زيارته لمخيمات اللاجئين في لبنان لإجراء بحث الدكتوراه الخاص به، وعن لقائه بغسان كنفاني، الذي عبّر خلال اللقاء عن أهمية الإنتاج المعرفي المتمثل بالشعر والفن في الداخل المحتل، مشيرًا إليه كأحد أهم مراكز التغيير الفلسطينية، ومنوّهًا بأن الثقافة الفلسطينية تُنتج هناك. ونصح زغبي بأنه إذا أراد بحث الثقافة الفلسطينية، يجب أن يولي اهتمامًا خاصًا لهذه الساحة، كما زوّده بكراسات تضم شعرًا لمحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد.
زغبي هو كاتب أميركي تقدمي، كان من أوائل الذين أطلقوا حملات لدعم القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة. نشر مقاله بعنوان "تعرفت على غسان كنفاني" بعد سنوات طويلة من اللقاء (عام 2022)، والذي يبدو أنه أثّر في نفسه وفي مسيرته الأكاديمية والشخصية كثيرًا. كما أثّر مقاله بي، وشكّل نقطة بداية جعلتني أبحث في العلاقة بين غسان كنفاني، كممثل عن الشتات، وبين الداخل الثقافي، وكيف بُنيت هذه العلاقة وما هي جسورها، خصوصًا أن كنفاني، بنظرته تلك، قد أنقذ مخزونًا ثقافيًا "ضد استعماري" هائلًا موجودًا في الداخل الفلسطيني.
وأعتقد فعلًا أنه لولا تلك الفطنة الثقافية التي امتلكها غسان كنفاني، والتي جعلته يدرك ما يحصل في الداخل وأي أدب يُنتج هناك، لما حازت شخصيات مثل محمود درويش، وسميح القاسم، وغيرهم من شعرائنا، على هذه الهالة، ولما عُرفوا على هذا النطاق.
"عرب 48": غسان كنفاني، في دراسته المبكرة (1964 - 1965) بعنوان "أدب المقاومة الفلسطيني في الأرض المحتلة،" فكّ الطوق عن من باتوا يُعرفون لاحقًا بـ"شعراء المقاومة"، وشكّل بوابتهم إلى العالم العربي؟
قعدان: صحيح، وهو من خلع عليهم هذا اللقب الذي استحقّوه أيضًا. وما لمسته من خلال بحثي أن اهتمام كنفاني بالداخل كان نابعًا من كونه ساحة مواجهة مباشرة مع الحكم العسكري، الذي يمثّل المنظومة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين، والتي عملت كدولة بعد الـ48، وكمنظمات وميليشيات صهيونية قبل ذلك.
ومن وجّهوا ثقافيًا هذا المشروع بعد الـ48، وعبّروا عن هذه المواجهة شعرًا وأدبًا، هم من بقوا في الداخل بعد النكبة، وفي طليعتهم مجموعة من الشباب الذين داهمتهم النكبة وهم أطفال، وشبّوا تحت منظومة الحكم العسكري. رأى فيهم غسان كنفاني شغف الشباب الذي يريد أن يتحدّى، فحوّلوا شعرهم إلى خطاب سياسي وطني مقاوم، ألقوه في المهرجانات السياسية الشعبية قبل أن يُدوّن في دواوين مطبوعة.
في هذا السياق، يكتب حنا إبراهيم في مذكراته عن دعوة محمود درويش إلى مهرجانات في عكا وكفر ياسيف، قائلًا: "هؤلاء كانوا يُلقون قصائد تحدٍّ غير خائفين من أحد". كما أنهم، عندما نضجوا، تبنّوا الفكر الماركسي، وهو ما ساعد كنفاني على فهم أن الموضوع لا يقتصر على حماس شباب، بل إن هناك تأطيرًا فكريًا سياسيًا يستند إلى تراث فكري طويل، يقومون بترجمته من خلال الشعر.
"عرب 48": ربما يكون هذا النوع من التحدي هو التحدي الوحيد أو الأبرز في حينه؟
قعدان: قد يكون الأبرز، لكنه ليس الوحيد، لأن الفترة شهدت أساليب تحدٍّ ونضال متنوعة. فقد خاضت، على سبيل المثال، مجموعة من المحامين، مثل حنا نقارة، وعصام كوسا، وصبري جريس، معارك قضائية في قضايا الأرض وغيرها، إضافة إلى العمل السياسي النضالي للشيوعيين، ثم تأسيس الجبهة الشعبية، وبعدها حركة الأرض.
لكن ميزة التحدي الثقافي لا تكمن فقط في كونه الأبرز، بل في ارتباطه بالخارج وبالمنفى، من خلال غسان كنفاني وآخرين ممن كانوا ينشرون هذا الإنتاج في مجلة "الآداب" اللبنانية وفي مجلات مصرية. وبهذا المعنى، شكّل حلقة الوصل مع سائر قطاعات شعبنا الأخرى ومع العالم العربي، إضافة إلى كونه أداة مقاومة ضد الحكم العسكري ومنظومته الاستعمارية.
"عرب 48": لهذا السبب أطلق عليه غسان كنفاني "أدب المقاومة الفلسطيني"؟
قعدان: كثيرون كتبوا عن أدب المقاومة، ابتداءً من جان بول سارتر في أربعينيات القرن الماضي، الذي سمّاه "أدب الالتزام"، ووضع المفهوم الأول لكيفية تحوّل الأدب إلى أداة لمقاومة الاستعمار، وأسهمت كتاباته في تأطير مفهوم الأدب في التاريخ. وبعد غسان كنفاني، كانت هناك الباحثة باربرا هارلو، ثم مها نصار، وهي كاتبة فلسطينية أصدرت كتاب "الاعتراف بالأخوة"، تناولت فيه العلاقة بين شعراء المقاومة والعالم العربي.
من جهتي، حاولت تتبّع ظروف الحياة اليومية التي أنتجت هذا الشعر والأدب، من خلال السير الشخصية لأصحابه وظروف معيشتهم. وبينها قصص تروي كيف كان محمود درويش وسميح القاسم يمضون، في بعض الأحيان، جياعًا في حيفا، يبحثون عمّن يستدينون منه بعض النقود.
"عرب 48: بمعنى أنك تسلّط الضوء على البيئة والظروف السياسية الاجتماعية، وسياسات الخنق والإفقار التي اتبعها الحكم العسكري والتي أنتجت هذا الأدب؟
قعدان: سياسات القمع السياسي ترافقت مع سياسة خنق وإفقار اقتصادي، تمثّلت بمصادرة المصادر الأساسية لعيش الناس، وعلى رأسها الأرض، وتقييد حركة تنقلهم، واشتراط انتقالهم من بلدة إلى أخرى بالحصول على تصريح من الحاكم العسكري، الذي كان يتحكّم في كل تفاصيل الحياة العامة والخاصة. فيما لقي أمثال درويش والقاسم وزياد وغيرهم من شعراء المقاومة "رعاية خاصة" من الحكم العسكري وأدواته، تُرجمت بالاعتقالات، والإقامات الجبرية، والتضييق عليهم في أماكن العمل.
"عرب 48": نعرف أن بعض هؤلاء، مثل راشد حسين، اضطروا للعمل في منصات حزب "مبام" للتعبير عن آرائهم ونشر أشعارهم وأفكارهم؟
قعدان: حتى محمود درويش بدأ في مثل هذه المنصات، حيث نشر أولى قصائده فيها من خلال صديقه راشد حسين، كما عمل سميح القاسم في مجلة "هعولام هزيه"، قبل أن ينتقلا معًا إلى "الاتحاد" التابعة للحزب الشيوعي.
"عرب 48": يبدو أن "مبام" في حينه كانت مختلفة عن "مبام" التي عرفناها لاحقًا؟
قعدان: برأيي، "مبام" هي واحدة ولم تتغير، لكن يبدو أنه كان هناك في حينه "مبام للعرب"، استوعب أمثال رستم البستاني، وفوزي الأسمر، وراشد حسين، الذين أسّسوا دار نشر عربية، وحوّلوا منصاته باللغة العربية إلى منابر للتعبير عن الفكر القومي.
"عرب 48": ربما يفسّر ذلك أيضًا التباين الذي كان قائمًا بين الخطاب السياسي وبين الشعر والأدب، والذي كان موجودًا، وإن بشكل أقل، لدى الحزب الشيوعي أيضًا؟
قعدان: صحيح، كان هناك تباين، خاصة أن المسؤولين عن الحزب الشيوعي في حينه كانوا من أمثال ميكونيس وموشيه سنيه، اللذين انشقّا عنه لاحقًا بسبب نزعاتهما الصهيونية. وقد يصح القول إن الشباب العرب في الحزب الشيوعي فعلوا ما فعله نظراؤهم في "مبام"، بمعنى "مبام عربي" وحزب شيوعي عربي، مع الحذر من المقارنة بين الحزبين، لأننا نتحدث في النهاية عن "مبام" كحزب استيطاني استعماري، قامت العديد من كيبوتساته على أراضٍ عربية.
"عرب 48": ربما كان لدى "مبام" دافع لمنافسة الحزب الشيوعي بين العرب، خاصة أنهما ينتميان، للوهلة الأولى، إلى نفس المدرسة الاشتراكية؟
قعدان: هذا كان أحد الأسباب، علمًا أن من نتحدث عنهم من العرب لم يكونوا شيوعيين، بل قوميين أرادوا استعمال هذه المنصات للتعبير عن الفكر القومي وتعبيراته شعرًا ونثرًا.
"عرب 48": أقصد "مبام"؟
قعدان: "مبام" كان معنيًا بتقويض أركان الحزب الشيوعي. أما بالنسبة للفكر الاشتراكي، فكان "مبام" حزبًا قوميًّا صهيونيًا، في حين حاول الحزب الشيوعي قمع أي توجهات قومية، صهيونية أو عربية، أيضًا، ولكن بشكل أقل، لأن الاتحاد السوفييتي منح شرعية للحركات القومية المقاومة للاستعمار.
من هنا، استغل القوميون العرب هذا الهامش الذي أبداه الحزب الشيوعي لتأسيس شبه تيار قومي، وإضفاء الطابع العربي على الحزب. في حين استغل العرب في "مبام" نزعتَه القومية الصهيونية ليقولوا: إذا كنتم مع التعاون والمساواة، فنحن أيضًا نعتز بقوميتنا، فلنعمل على ترجمة هذه القومية عبر المنصات العربية. وقد نجحوا في استغلال هذه الثغرة وتطوير هذه المنصات من عامي 1957 - 1958 وحتى عام 1962، إلى أن اتُّهم راشد حسين وجماعته بحب عبد الناصر وكراهية الدولة، فتم إغلاق كل شيء.
"عرب 48": ربما جرى استغلال هذه المنصات بشكل أكبر للتعبير عن التوجه القومي في فترة خلاف الشيوعيين مع عبد الناصر؟
قعدان: ممكن، لكن برأيي أن الخلافات تعمّقت مع التيار القومي بعد تفكك الجبهة الشعبية، التي يتهم البعض الشيوعيين بتفكيكها، بينما يعزو آخرون ذلك لأسباب مختلفة. إذ ذهب بعض الشباب القوميين، مثل حبيب قهوجي، وصالح برانسي، وصبري جريس، ومنصور كردوش، وآخرين، وأسسوا حركة الأرض، التي أعطت دفعة قوية للتعبير القومي والوطني بمختلف أشكاله.
"عرب 48": هل نستطيع القول إن تلك الثلة من الشعراء أسست لتيار قومي داخل الحزب الشيوعي؟
قعدان: ما أستطيع قوله إنهم أسّسوا لجذرية وطنية داخل الحزب، وعملوا على تعزيزها. ولولاهم، لما كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي على الشاكلة التي هو عليها اليوم، لأنهم قالوا: نريد أن ننتمي إلى الحزب الشيوعي والتراث الماركسي اللينيني، لكننا نؤمن أن هذا التراث يحثّنا على الانتماء لشعبنا، وعلى دفع الحزب لمواجهة الحكم العسكري.
*محمد قعدان: طالب دكتوراه في قسم التاريخ، جامعة رايس، هيوستن، تكساس.
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع فاتنة إبريق زبيدات: مسيرة استهداف المخيم الفلسطيني والسياق التاريخي لحرب الإبادة الإسرائيلية