19/04/2026 - 10:45

حوار مع أحمد القاضي: تمويل للمستوطنين وتقييد للمحتوى الفلسطيني.. كيف تدير "ميتا" اقتصاد المحتوى؟

كشف تقرير جديد أعده الباحث أحمد القاضي من مركز "حملة" عن سياسات تمييزية تتبعها شركة "ميتا"، تتيح من خلالها للمحتوى التحريضي ضد الفلسطينيين تحقيق أرباح مالية، في الوقت الذي تُحرم فيه الصفحات الفلسطينية من حقها في التربّح.

حوار مع أحمد القاضي: تمويل للمستوطنين وتقييد للمحتوى الفلسطيني.. كيف تدير

توضيحية (Getty Images)

كشف تقريرٌ أصدره المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي "حملة" أن شركة فيسبوك (ميتا) لا تكتفي بإجازة الصفحات والمواد التحريضية التي تدعو إلى العنف ضد الفلسطينيين، التابعة للمستوطنين ومنظماتهم الإرهابية مثل "شبيبة التلال" و"إم ترتسو" وغيرها، بل تتيح لها أيضًا جني الأرباح، ما يعني مكافأتها على ارتكابها خرقًا فاضحًا للقانون الدولي ولسياسات الشركة ذاتها، ومساهمتها بذلك في تمويل الاستيطان ونشاطه العنيف ضد الفلسطينيين.

ويأتي ذلك في وقتٍ تحرم فيه صانعي المحتوى ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية من التربّح وتحقيق عوائد من صفحاتهم، من خلال استبعاد دولة فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) من قائمة البلدان المؤهلة لتحقيق مكاسب مالية وجني الأرباح، حيث يُحرمون بنيويًا من أدوات تحقيق الدخل لمجرد وجودهم في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة). في حين تتعرض الصفحات الفلسطينية التي تنشط خارج الضفة الغربية وقطاع غزة، بما فيها أراضي 48، إلى "تقطّعات" بسبب التعليق الناتج عن العقوبات والقيود المفروضة على المحتوى الفلسطيني.

ويشير التقرير إلى ترسّخ هذا الاستبعاد أكثر من خلال الممارسات التمييزية التي تعاني منها الصفحات والحسابات الفلسطينية، الواقعة تحت وطأة إشراف ورقابة منتظمة تمارسهما فيسبوك على السرديات الفلسطينية.

وفي حين يحظى المحتوى العبري بإشراف منقوص، تتواصل معاناة وسائل الإعلام الفلسطينية والصحافيين وصنّاع المحتوى من عمليات الشطب، وإزالة المحتوى، وتعليق الحسابات، والمنع المظلّل، والوصول المقيّد؛ لا سيما عند توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، أو نشر محتوى سياسي، أو حتى توثيق الواقع المعاش تحت الاحتلال.

وتُسهم الرقابة والحرمان من تحقيق المكاسب المالية، مجتمعتين، في تهميش الأصوات الفلسطينية في الأوقات الحرجة أكثر من أي وقت مضى.

في الوقت نفسه، سُمح للمحتوى العبري المُجرّد من الإنسانية، وللدعوات الصريحة إلى العنف، بالانتشار على نطاق واسع، مع ضعف في إنفاذ السياسات على مدى العامين الماضيين. وقد امتد هذا الإشراف والإدارة المنقوصة ليشمل المحتوى الذي أعلن خبراء القانون الدولي، ومسؤولو الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، أنه يرقى إلى مستوى التحريض على الإبادة الجماعية.

أحمد القاضي

ولإلقاء مزيد من الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع معدّ التقرير، الباحث من مركز "حملة"، أحمد القاضي.

"عرب 48": فيسبوك لا تكتفي، كما أسلفنا، بفتح صفحاتها لتحريض المستوطنين ومنظماتهم الإرهابية على العنف وقتل الفلسطينيين، بل تتيح لهؤلاء الأشخاص وتلك المنظمات التربّح وجني الأموال من وراء هذا التحريض، بينما تمنع ذلك عن الفلسطينيين؟

القاضي: لطالما تحدثنا عن وجود محتوى عنيف وتحريضي يُسمح للإسرائيليين، مستوطنين وغير مستوطنين، بنشره، في وقت تُفرض فيه قيود صارمة على المحتوى الفلسطيني، حتى الشرعي منه. وقد أثبتنا ذلك بالأدلة الملموسة في العديد من تقاريرنا السابقة. أما في هذا التقرير، فنُثبت بالدليل القاطع أن فيسبوك (ميتا) تجاوزت مجرد السماح بالمحتوى العنيف باللغة العبرية إلى تشجيعه، عبر تمكين هذه الصفحات والحسابات من التربّح وجني الأموال من وراء العنف والتحريض على القتل. ومن هذه الحسابات صفحات تتبع لمنظمات استيطانية شبه إرهابية مثل "شبيبة التلال"، التي ينفّذ أفرادها اعتداءات إجرامية ضد التجمعات الفلسطينية، وكذلك رئيس منظمة "بيدينو" التي تدعو إلى اقتحام المسجد الأقصى وهدمه لبناء "الهيكل" المزعوم مكانه.

وهذا يعني أن فيسبوك تدفع الأموال مقابل هذا المحتوى التحريضي العنيف، وتشجّع أصحابه على الاستمرار في التحريض والعنف، الافتراضي والميداني، عبر المساهمة في تمويلهم ومكافأتهم، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني ولسياسات شركة "ميتا" نفسها.

"عرب 48": كيف يتم هذا التربّح، وما هي آلياته، ولماذا هو ممنوع عن الفلسطينيين؟

القاضي: قبل الخوض في هذا الجانب الإجرائي، أود الإشارة إلى بعض النماذج للصفحات العنيفة والتحريضية المشمولة في برامج التربّح. فهي تضم، إضافة إلى مستوطنين يقيمون في مستوطنات وبؤر استيطانية غير شرعية حتى وفق القانون الإسرائيلي، جنودًا ينشرون عن "بطولاتهم" في حرب الإبادة على غزة، ويدعون إلى تدمير بيوتها أو يقومون بذلك، وكذلك صحفيين إسرائيليين متطرفين، منهم تسفي يحزقيلي، الذي ألقى باللوم على الجيش الإسرائيلي لعدم قتله 100 ألف فلسطيني في غزة منذ الضربة الأولى.

في المقابل، فإن الصفحات الفلسطينية المهنية، التي يقتصر نشرها على محتوى مهني، والموجودة في الضفة والقطاع، ممنوعة من المشاركة في برامج التربّح، لأن دولة فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) غير مدرجة ضمن قائمة الدول المؤهلة. والمفارقة أن صفحات المستوطنين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية يُسمح لها بالمشاركة، بينما يُمنع ذلك عن السكان الأصليين.

"عرب 48": ما هي المسوّغات التي تسوقها فيسبوك لتبرير هذا المنع؟

القاضي: في الحقيقة، لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي يوضح أسباب عدم إدراج "فلسطين" ضمن قائمة البلدان المسموح لها بالمشاركة. لكنني أعتقد أن المسألة سياسية، بمعنى أن فيسبوك، كشركة أميركية، تتبنى موقفًا منحازًا. ونحن الآن، بعد إعداد التقرير، بانتظار رد فيسبوك الرسمي.

ولا يقتصر الأمر على الفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع)، بل يشمل أيضًا فلسطينيي 48، الذين رغم قدرتهم النظرية على المشاركة، يتعرضون لتقطّعات نتيجة التمييز البنيوي، عبر فرض قيود صارمة على المحتوى، وفرض عقوبات مثل حذف المحتوى، وتعليق الحسابات، أو إغلاقها، وحتى تعليق التربّح.

"عرب 48": الأمر يشمل الفلسطينيين في الخارج أيضًا؟

القاضي: نعم، لأن الرواية الفلسطينية هي المستهدفة. في المقابل، نرى صفحات تروج للبؤر الاستيطانية، إضافة إلى وسائل إعلام مثل القناة السابعة التابعة للمستوطنين، والقناة 14 اليمينية المتطرفة، بل وحتى حسابات رسمية مثل شرطة إسرائيل باللغة العربية مدرجة ضمن برامج التربّح، رغم أن ذلك يخالف سياسات فيسبوك التي تحظر مشاركة الجهات الحكومية.

"عرب 48": دعنا نفهم كيف تتم عملية التربّح؟

القاضي: تقوم الفكرة على أن فيسبوك تسعى لتشجيع المستخدمين على إنتاج المحتوى، فتُدرج صفحات معينة في برامج التربّح وفق معايير فنية، مثل عدد المتابعين والمشاهدات. وبناءً على ذلك، تُعرض الإعلانات تلقائيًا على هذه الصفحات، ويحصل أصحابها على جزء من العائدات.

المفارقة أن فيسبوك تسمح للفلسطينيين في الضفة والقطاع بنشر الإعلانات (المدفوعة)، لكنها تحجب عنهم حصتهم من العائدات، رغم استيفائهم الشروط، ما يؤدي عمليًا إلى تحويل جزء من هذه العائدات إلى صفحات المستوطنين.

"عرب 48": هل يعني ذلك أن الإعلانات الفلسطينية تُعرض على صفحات المستوطنين؟

القاضي: ليس بالضرورة أن تُخطئ جمهور الهدف، لكنها لا تحقق الفائدة المرجوة للمعلن الفلسطيني، بل تساهم بشكل غير مباشر في تمويل الاستيطان.

"عرب 48": هل تمت مساءلة فيسبوك؟

القاضي: هذه القضية تُطرح لأول مرة بهذا الشكل. عملنا على التقرير لأشهر، وجمعنا أدلة كثيرة، وبدأنا بمساءلة "ميتا". نركز حاليًا على الضغط لتغيير السياسات، خاصة إلغاء استثناء فلسطين من برامج التربّح، طالما أن الصفحات تستوفي المعايير، ووقف ازدواجية المعايير في التعامل.