في ورقة بحثية بعنوان "صعود قوة المستوطنين وتحولات بنية الحكم في إسرائيل" نُشرت مؤخرًا، تناول الباحث حمدي علي حسين التحولات التي شهدتها إسرائيل خلال العقدين الأخيرين في مواقع وأدوار قوى المستوطنين داخل البنية السياسية والاجتماعية، وانتقالها تدريجيًّا من جماعات ضغط أيديولوجي تسعى إلى التأثير من خارج دوائر صنع القرار، إلى قوى فاعلة تمارس أدوارها من داخلها، بعد أن حصلت على تمكين وظيفي ومؤسسي داخل مؤسسات الدولة.
وقد تعزز هذا التحول، كما يقول، بتشكل شبكة سلطوية متعددة المستويات، تشريعية وتنفيذية وقضائية داخل الدولة، مكنت هذه القوى من امتلاك أدوات تنفيذ وقدرة على فرض الوقائع المتعلقة بالمشروع الاستيطاني وتنفيذها على الأرض في مناطق مصنفة (ج) في الضفة الغربية.
وتشير الورقة إلى أن معالم هذا التحول قد برزت منذ تولي الحكومة اليمينية الأخيرة (السابعة والثلاثين) زمام الحكم في كانون الأول/ديسمبر 2022، حيث سخَّرت هذه القوى لنفسها داخل الحكومة الإسرائيلية إمكانات كبيرة لدعم المستوطنين ومأسسة مشروعهم، مما دفع باتجاه رفع وتيرة الاستيطان وتحوله من نشاط وطموحات استعمارية إلى واقع مؤسسي مدعوم، فيما ارتفعت هذه الوتيرة بشكل ملحوظ بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
في ضوء ذلك، يرى الباحث أن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية يشهد تحولًا يتجاوز فكرة التوسع عبر زيادة عدد الوحدات الاستيطانية أو شرعنة بؤر قائمة، ليصل إلى إعادة هندسة الفضاء الجغرافي، وتثبيت بنية سيادية إسرائيلية في المناطق المصنَّفة (ج)، وذلك استكمالًا لمشروع الضم الزاحف الذي طرحه سموتريتش منذ عام 2017، ويجري ذلك عبر دمج المستوطنات في منظومات التخطيط والإدارة والميزانيات، ومنحها قدرًا أكبر من الاستقلال الإداري والاتصالي، هذا في وقت يتسارع فيه مسار شرعنة البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى أدوات للسيطرة الجغرافية على التجمعات الفلسطينية.وتشير الورقة إلى أن تحول القوى اليمينية في الحكومة إلى راعية لعمليات الاعتراف القانوني بالبؤر، حوّل البؤرة الاستيطانية من مجرد أداة ضغط على الحكومة، إلى جزء من المشروع الاستيطاني الذي تتبنَّاه الحكومة بصورة مباشرة، الأمر الذي يعني أن المسار الميداني الذي كان يسلكه المستوطنون لفرض الأمر الواقع على الأرض بات اليوم رسميًّا ومدعومًا من الحكومة ذاتها.
لإلقاء الضوء حول هذا الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث حمدي علي حسين.
عرب 48: كيف تحولت قوى الاستيطان من مجموعات ضغط، كما وصفت، إلى قوى فاعلة متغلغلة في مفاصل الدولة وتمارس أدوارها من داخلها؟
حسين: هناك ثلاثة مسارات لقوى المستوطنين شهدت من خلالها تحولات في بنية الحكم الإسرائيلي، وتمكنت عبرها من إحداث هذه النقلة النوعية. الأول هو المسار الأيديولوجي المجتمعي الذي يضم الأحزاب الاستيطانية، وفي مقدمتها حزب الليكود الذي يوفر، ضمن ائتلافاته الحكومية، غطاء سياسيًّا وحكوميًّا للتوسع الاستيطاني، ثم الأحزاب الصهيونية الدينية الناشطة التي تعد الاستيطان جزءًا من برنامجها، ثم الأحزاب الحريدية، التي تقوم بدعم الاستيطان في إطار تحالفاتها المصلحية ومشاركتها في الائتلافات الحكومية التي يقودها الليكود. هذا إلى جانب شبكة واسعة تتشكل من المجالس الاستيطانية والمدارس الدينية والمعاهد التوراتية والمجالس الإقليمية والمحلية، إضافة إلى منظمات الضغط الإعلامية والقانونية ومنظمات التمويل المحلية والدولية.
أما المسار الثاني، فهو المسار الميداني الذي يتألف من الحركات الشبابية الاستيطانية ومجموعات الحراسة، في حين أن المسار الثالث هو مسار رسمي مؤسسي يتمثل في قوى المستوطنين داخل تشكيلة الحكومة، خصوصًا وزارة المالية ووزارة الأمن القومي ووزارة الاستيطان، إضافة إلى الإدارة المدنية والمؤسسة العسكرية والجهاز القضائي ومجلس "ييشع".
عرب 48: كيف حدث ذلك، وما هي الآليات التي صنعت هذه النقلة النوعية أو هذا "الانقلاب" في وضعية قوى الاستيطان داخل الدولة؟
حسين: ضمن هذه المسارات، راكمت قوى الاستيطان مجموعة تحولات أسهمت في النهاية في إحداث هذه النقلة النوعية، على صعيد الإجراءات والتشريعات، وعلى صعيد الممارسة التي تتمثل بحجم الاستيطان وتوزعه على الأرض في الضفة الغربية.
وصرنا عندما نحكي عن الاستيطان اليوم لا نتحدث عن مجرد نشاط هامشي محاصر بالكثير من الحدود والقيود، أو مجرد مجموعات ضغط على الحكومة من خلال وسائل وآليات أسلفنا ذكرها، بل أصبح الاستيطان هو المسار الرسمي للحكومة التي تمهد للنشاط الميداني وتحميه.
عرب 48: من الواضح أن المنظمات الاستيطانية أو سلطة الاستيطان قد عملت بدأب وبشكل منهجي على إحداث هذه النقلة النوعية، كما أسميتها، والتي تمثلت في هذا التحول في مكانتها ودورها داخل الدولة الإسرائيلية، لكن ما هي الأسباب والعوامل التي ساعدت في إحراز هذا النجاح في تحقيق الأهداف؟
حسين: هناك عدة عوامل، أولها هو الغطاء الأيديولوجي والديني الذي نجحت من خلاله الحركة الاستيطانية في ربط فكرة الاستيطان بالعقيدة الدينية اليهودية، المتعلقة خصوصًا بأرض إسرائيل الكاملة، الأمر الذي منح المشروع الاستيطاني شرعية تتجاوز السياسة باتجاه تحويله إلى واجب ديني وتاريخي.
العامل الثاني هو التحالف مع اليمين الإسرائيلي، مع صعود هذا اليمين ممثلًا بحزب الليكود، الذي، ومع عودته إلى سدة الحكم، تقاطعت مصالح حكوماته مع المستوطنين، وصولًا إلى إعطاء الأحزاب الاستيطانية الدينية والقومية فرصة المشاركة في الائتلافات الحكومية، ما منحهم قدرة على التأثير في التشريع والميزانيات والسياسات العامة.
أما العامل الثالث والمهم، فهو العمل التدريجي على الأرض واعتماد سياسة فرض الأمر الواقع، من خلال إنشاء عشرات البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية الفردية في مختلف المناطق، والسيطرة على التلال وزيادة الانتشار والنفوذ الجغرافي في أنحاء الضفة الغربية، بمعنى خلق أمر واقع جديد شكل لاحقًا أرضية للعمل الاستيطاني وعمّق من شرعية الدور الذي تقوم به الصهيونية الدينية في بنية الاستيطان داخل الحكومة.
العامل الرابع هو التغلغل في مؤسسات الدولة، الجيش والوزارات والإدارة المدنية، وتحويل هذه المؤسسات إلى رافد في المشروع الاستيطاني وفي خدمته، واليوم نحن نتحدث عن وزارة المالية التي يتولاها سموتريتش، ووزارة الأمن القومي التي يرأسها بن غفير، ووزارة الاستيطان بقيادة ستروك، ناهيك عن السيطرة على الإدارة المدنية من خلال حقيبة سموتريتش في وزارة الجيش.
هذا إلى جانب النجاح المؤسسي والنجاح في بناء شبكة متكاملة من المؤسسات الإعلامية والقانونية والإدارية، والتمكن من تجنيد التمويل من خلال المجالس الإقليمية وجمعيات التمويل، والتي ساهمت بمجموعها في حشد رأي عام إسرائيلي ويهودي في العالم.
عرب 48: طبعًا هناك عوامل خارجية لها علاقة بالساحة الدولية والعربية وبنا كفلسطينيين؟
حسين: صحيح، هناك عوامل خارجية، منها ضعف الضغوط الدولية المناهضة للاستيطان والمطالبة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية بهذا الخصوص، إضافة إلى وجود دعم كبير لقوى الاستيطان من الولايات المتحدة في ظل حكم ترامب، ووجود بعض الشخصيات الصهيونية في أروقة الحكم الأميركي على علاقة مباشرة مع المشروع الاستيطاني، هذا إضافة إلى تراجع المشروع الوطني الفلسطيني.
عرب 48: أشرت إلى سيناريوهين مستقبليين ممكنين، الأول هو تراجع في وضعية المشروع الاستيطاني في حال حصول تغيير في التشكيلة الحكومية في إسرائيل، والثاني هو ثبات هذه الوضعية وترسخها بغض النظر عن التغييرات الانتخابية، لكن إذا ما أدركنا أن لا شيء يعود إلى الوراء في إسرائيل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في دولة هي نتاج مشروع استعمار استيطاني، في ضوء ذلك ما هي خيارات الفلسطينيين؟
حسين: بغض النظر عن أي سيناريو محتمل، المطلوب اليوم هو تعزيز صمود الفلسطينيين على الأرض، وذلك في ظل حجم التحولات التي شهدها المشروع الاستيطاني، وبالمقابل ضعف الأدوات الفلسطينية أو حتى السياسات الفلسطينية في مواجهة هذا المشروع على الأرض.
نحن بحاجة إلى تثبيت الوجود السكاني الفلسطيني على الأرض في مناطق "ج" في ريف الضفة الغربية، وكما هو معلوم فإن مناطق "ج" لا تقتصر على الأغوار، فعندنا ريف منطقة القدس ورام الله، حيث أصبحنا، في ظل التحولات التي شهدها المشروع الاستيطاني، نرى سياسات جديدة تطبق على الأرض، تشرف عليها قوى الاستيطان بشكل مباشر، في منع البناء في هذه المناطق.
كما أن لدينا كفلسطينيين خيارات في دعم الزراعة والمزارعين، خاصة وأن غالبية الأراضي المصنفة "ج" هي أراض زراعية، كما لدينا خيار مواجهة تهجير الفلسطينيين من هذه المناطق، خاصة التجمعات البدوية القائمة على النشاط الاقتصادي الرعوي، وتشكيل مجموعات للحماية الشعبية للتصدي لاعتداءات المستوطنين، حيث نرى أن بعض القرى تقوم بمبادرات ذاتية محلية غير منظمة على هذا الصعيد، علمًا أن ذلك قد أدى إلى ازدياد الخسائر في صفوف الفلسطينيين، بغياب رافد للمقاومة الشعبية وبغياب جهة تعمل على تنظيمها بالطريقة المطلوبة ووفق إطار مؤسسي يضمن ديمومتها وفاعليتها في مواجهة زحف المشروع الاستيطاني.
هذا أضعف الإيمان في ظل التحولات التي شهدناها فصائليًّا وعلى مستوى العمل الشعبي وعلى مستوى الحركة الوطنية، والتي تحول خلالها الفعل والعمل الجماهيري الشعبي المحدود إلى العدم، حيث لم نعد نرى المظاهرات والوقفات الاحتجاجية مثلما كان سابقًا في المناطق المهددة، بعد أن تم تجفيف منابع العمل الوطني الشعبي في الضفة الغربية ومواجهته بالقوة.
أما على صعيد السلطة كمؤسسة، فهناك المجال القانوني المؤسسي، حيث تستطيع تحريك ملف الاستيطان في المحاكم الدولية وملاحقة مؤسسات أو شركات تدعم الاستيطان، إلى جانب المبادرة ودعم حملات المقاطعة وتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية بشكل منهجي، ثم إن مواصلة تشكيل ضغط دولي على إسرائيل لوقف الاستيطان هو مطلب يجب ألّا نتخلى عنه رغم تضاؤل إمكانيات نجاحه.
عرب 48: تحدثت عن شبكة حماية اجتماعية؟
حسين: نعم، هذا موضوع مهم يرتبط بالاقتصاد ومواجهة الاستيطان، لأن تشكيل مثل هذه الشبكات يساهم في دعم الزراعة ودعم الصناعات الزراعية في الأرياف وفي المناطق الفلسطينية المصنفة "ج" والمهددة بالاستيطان، وهي من الممكن أن تعزز الاكتفاء الذاتي في ظل حالة الضعف غير المسبوقة التي يشهدها الاقتصاد الفلسطيني، بسبب تضرر البنية الاقتصادية نتيجة منع العمال الفلسطينيين من الدخول للعمل في إسرائيل، وبسبب تلاعب الأخيرة بأموال المقاصة وتصاعد الاستيطان، وهو وضع يتطلب منا تعزيز البنية الاقتصادية الوطنية كبنية صمود ومقاومة في وجه المشروع الاستيطاني.
بمعنى أنه في السيناريو الأقل سوءًا فإن هناك أمرًا واقعًا أصبح مفروضًا على الأرض لن يتم تفكيكه، لأننا لم نشهد تفكيك الاستيطان تاريخيًّا باستثناء ما حدث عام 2005 عندما قررت الحكومة الإسرائيلية الانسحاب أحادي الجانب من مستوطنات قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.
أما بالنسبة لموضوع الدولة الفلسطينية، فقد يبقى خيارًا مطروحًا في الخطاب الدولي، ولكنه غير مطروح على الأرض بعد توسع المشروع الاستيطاني والسيطرة الإسرائيلية على مناطق "ج"، وتقطيع أوصال الضفة الغربية بالبؤر الاستيطانية والحواجز والبوابات، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات متناثرة، وبعد أن أصبح الضم الزاحف والمتدرج سياسة إسرائيلية رسمية.
** حمدي علي حسين: باحث فلسطيني من القدس، حاصل على درجة الماجستير في السياسات العامة من معهد الدوحة للدراسات العليا في قطر، ودرجة الماجستير في الدراسات الدولية وبكالوريوس علم الاجتماع والإنسان من جامعة بيرزيت-فلسطين. تغطي اهتماماته البحثية مجالات متعددة في الحقل الفلسطيني، منها: انعكاسات السياسات الاستعمارية على الفضاء المكاني في الضفة الغربية المحتلة، وتحولات الحركة الوطنية الفلسطينية ودورها، وله عدد من الدراسات المنشورة.