في مقالةٍ نُشرت مؤخرًا على "الشبكة الفلسطينية"، يقدّم الباحث عبد الرحمن كتانة قراءة مغايرة لمفهوم "البقاء" في غزة، تتجاوز ثنائية المفاضلة بين المقاومة البطولية ذات القدرة غير المحدودة، وبين اعتبار البقاء مجرد ضرورة تسلب الناس قدرتهم على الفعل السياسي وتحولهم إلى ضحايا لا حول لهم ولا قوة أمام واقع لا بديل له.
ويشير كتانة إلى أنه لا يمكن فهم صمود غزة من خلال ثنائية تصوّر الفلسطينيين، أفرادًا كانوا أم جماعات، إما مقاومين أبطالًا أو ضحايا سلبيين، بل بوصفه ممارسة جماعية ترتبط بسياق تاريخي وعلاقات اجتماعية وظروف مادية تتشكل وتتطور وتستمر في ظل العنف الاستعماري المتواصل.
ويرى الباحث أن الصمود في غزة يتجلى بوصفه ممارسة متفاوتة ومحكومة بالظروف، تصوغها المعطيات المتغيرة عبر الزمن ومن خلال مختلف العلاقات الاجتماعية، ويجمع هذا الفهم بين الالتزام والإنهاك، والتحدي والألم، داخل البنى ذاتها التي تحيط به.
ويتزايد فهم الصمود باعتباره متجذرًا في البنى التحتية الجماعية للحياة الحضرية والاجتماعية والعائلية، التي تكفل استمرارية الوجود بما يتجاوز القدرة الفردية على التحمل أو التمسك الشكلي بالبقاء. وينبع ذلك من كون مواجهة المحو الاستيطاني الاستعماري هدفًا فلسطينيًا جماعيًا، قائمًا على يقين بأن المشروع الصهيوني يستهدف الوجود الفلسطيني وهويته ومستقبله.
ومن هنا، فإن الحياة تستمر رغم ما تسببه حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية المتواصلة من تدمير للأنظمة المدنية والاقتصادية والتخطيطية في غزة، وتفكيك للبنى التحتية والخدمات التي تكفل استمراريتها. فالحياة اليومية تستمر، وفق وصفه، عبر ترتيبات مستحدثة ترتكز على التكافل والتضامن والعون المتبادل، إذ تتشارك العائلات والجيران الموارد الشحيحة، وتقدّم المطابخ المجتمعية وجبات مشتركة، وتُنظَّم مراكز الإيواء المؤقتة والمخيمات بصورة جماعية، كما تنشأ شبكات رعاية أهلية لدعم الأطفال والجرحى وكبار السن في ظل غياب المؤسسات الفاعلة.
ويلفت الباحث إلى بروز دور العائلة الممتدة، أو "الحمولة"، بوصفها فاعلًا حاسمًا من بين الفاعلين الذين يشكلون الصمود في غزة، نظرًا لقدرتها المميزة على حشد أشكال متعددة من الدعم في آن واحد. وبينما تتعامل الجهات المؤسسية، مثل البلديات، مع احتياجات محددة ومجزأة، تعمل العائلات على تجميع الموارد المادية المتاحة، وتنظيم الملاجئ، وتوفير الرعاية والحماية، والحفاظ على الروابط العاطفية والاجتماعية من خلال ترتيبات قائمة على القرابة.
واستنادًا إلى هذه القدرة، تُعد الأسر الممتدة في غزة مزودًا أساسيًا للموارد الضرورية خلال الإبادة الجماعية. فتتشارك العائلات مصادر المياه، والأراضي اللازمة لإقامة المخيمات، والمأوى والغذاء ومصادر الدخل والحماية، كما توزّع الأدوار بين أفرادها، بدءًا من إنشاء المخيمات وجمع المواد اللازمة، وصولًا إلى رعاية الأطفال والمسنين.
وتتعزز قدرة العائلات بفعل اندماج أفرادها ضمن طيف واسع من الشبكات الرسمية وغير الرسمية، إذ لا تعمل بوصفها وحدات منغلقة، بل بوصفها نقاط ارتباط تتوسط شبكات العلاقات داخل البنى الاجتماعية الأوسع، وتحولها إلى أشكال من الدعم اليومي، بما يعزز دورها بوصفها خلايا فاعلة في الصمود.
ولإلقاء مزيد من الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث عبد الرحمن كتانة.
"عرب 48": من الطبيعي أنه عند انهيار المؤسسات المدنية، مثل البلديات والدوائر الحكومية، كما حدث في غزة نتيجة حرب الإبادة المتواصلة، أن تقوم المؤسسة الاجتماعية بسد هذا الفراغ والمساهمة، قدر استطاعتها، في تدبير حياة الناس وتسيير شؤونهم. ومن حسن الحظ أن المجتمع الفلسطيني ما زال يحتفظ ببنية اجتماعية تقليدية تشكل العائلة الممتدة إحدى ركائزها الأساسية، وهو ما أشرت إليه في مقالك وورقتك البحثية؟
كتانة: يتناول المقال دور العائلات في غزة في تثبيت الناس في أماكن سكنهم وتسهيل حياتهم أثناء النزوح، وهو جزء من البحث الذي أجريه حول كيفية تدبير الناس لشؤون مساكنهم خلال فترات الحروب.
ورغم أن المشروع الذي أعمل عليه مع ستة باحثين آخرين يركز على الضفة الغربية، فإن راهنية قضية غزة وخصوصيتها دفعتاني إلى إجراء أبحاث حول الوضع هناك. ويعمل معي في المشروع مساعدا بحث من غزة يدرسان في فنلندا، إضافة إلى مساعدين باحثين داخل غزة، ضمن مشروع يبحث في كيفية تدبير الناس لشؤون مساكنهم في مناطق العنف المزمن.
الفكرة الأساسية هي أننا كثيرًا ما نقول إن الناس في غزة صمدوا لأنه لم يكن أمامهم خيار آخر، وأنهم لو وجدوا حدودًا مفتوحة لهاجروا. أو أننا نضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: الهجرة أو الصمود. وأنا أرى أن هذا الطرح غير دقيق، لأن الشخص نفسه، والعائلة نفسها، والحمولة نفسها، قد تكون صامدة في لحظة معينة، وقد تتوقف عن ذلك في لحظة أخرى.
فعلى سبيل المثال، فإن إنسانًا من مخيم جنين لا يستطيع الذهاب لإحضار أغراضه من منزله يُعد صامدًا، كما أن شخصًا آخر يعيش في رام الله ويستطيع الذهاب إلى الطيرة وتناول العشاء في مطعم فاخر يمكنه أيضًا أن يقول إنه صامد في وطنه. وفي الحالتين، فإن الشخصين بقيا في الوطن ولم يهاجرا.
ومن هنا فإن الصمود ليس حالة جامدة أو ثابتة. وربما لو عرضت على ابن مخيم جنين ألفي دينار مقابل الهجرة لوافق، بينما قد يرفض شخص آخر يعيش في ظروف أفضل الهجرة، حتى لو خسر جزءًا كبيرًا من ممتلكاته. كما أن قدرة الناس على الصمود تتغير من وقت إلى آخر، وينطبق ذلك على الأفراد والعائلات والمدن والشعوب.
"عرب 48": البقاء في غزة، بغض النظر عما إذا كان خيارًا حرًا للناس أم لا، هو شكل من أشكال الصمود وتدبير الحياة في ظل ظروف معيشية قاسية، دون مياه أو كهرباء أو مساكن تؤويهم؟
كتانة: نعم. بغض النظر عما إذا كان الغزي قد اختار البقاء أم لا، فهو بقي وتمكن من تدبير مقومات الحياة الأساسية، مثل المياه والغذاء والمرافق الصحية والمأوى، بما يضمن استمراريته في العيش، لأن الخيار في كثير من الأحيان ليس بيده.
ومن خلال متابعتنا للوضع، يتبين أن المياه تمثل أحد أهم عناصر البقاء في المكان. وفي مقابلة مع أحد أعضاء الطاقم البلدي ضمن فريق البحث، قال إن الهم الأساسي كان توفير المياه للمدينة لأنها عنصر رئيسي يساعد الناس على البقاء فيها. وفي هذه الحالة، لم يعد توفير المياه مجرد واجب خدماتي بلدي، بل أصبح مهمة سياسية ووطنية من الدرجة الأولى، لأنها تعزز صمود الناس وتحد من التهجير.
"عرب 48": كيف تُرجم دور العائلة الممتدة أو الحمولة في هذه الظروف؟
كتانة: في الورقة البحثية التي عرضتها خلال أحد المؤتمرات، أشرت إلى عوامل الصمود المادية والمعنوية وإلى الفاعلين الاجتماعيين. ويبدو أن أهم فاعل، بعد البلديات، هو العائلة أو الحمولة، التي تتقدم في سلم الأولويات على كثير من المؤسسات، خاصة في ظل انهيارها أو تقلص دورها بفعل حرب الإبادة.
فعوامل الصمود المادية تشمل المياه والكهرباء والمرافق الصحية والسكن، أما العوامل المعنوية فتشمل الدين والوطنية والثقافة والاحتضان الاجتماعي. وبالنسبة للفاعلين، فهناك الجانب المؤسسي المتمثل في البلديات والوزارات والمؤسسات الدولية، وهناك الجانب الاجتماعي، الذي أراه الأكثر أهمية وفاعلية ومرونة، بغض النظر عن بيروقراطية المؤسسات. والعائلة، في هذا السياق، هي الفاعل الاجتماعي الأساسي.
"عرب 48": دور العائلة يدخل ضمن الجانبين المادي والمعنوي، فهي توفر الاحتياجات المادية لأفرادها وتشكل حاضنتهم الاجتماعية أيضًا؟
كتانة: العائلة تستطيع، من خلال علاقاتها الداخلية، توفير المياه، ومن خلال امتداداتها الخارجية توفير الأموال. كما يمكنها إيجاد الأرض المناسبة لإقامة المخيمات، وكلما كانت أكثر تماسكًا ازدادت قدرتها على توفير الحماية لأفرادها.
وكما هو معروف، فإن بعض العائلات تعاني أصلًا من مشكلات داخلية تجعلها بحاجة دائمة إلى الحماية والتنظيم، بغض النظر عن الحرب، ولذلك تتولى هذه المهمة حتى خلال ظروف الحرب.
"عرب 48": أنت تبرز الدور الإيجابي للعائلات في الصمود والبقاء، رغم أن إسرائيل حاولت تقديم بعضها باعتبارها بديلًا لفصائل المقاومة، ما خلق صورة سلبية عنها؟
كتانة: صحيح أن بعض العائلات تورطت في الاستيلاء على المساعدات أو سرقة الطحين، لكن هذه الحالات كانت محدودة جدًا. أما الدور الإيجابي للعائلات في تعزيز الصمود وتثبيت الناس في أرضهم وتدبير شؤون حياتهم في ظل هذه الظروف الصعبة، فهو دور واضح ومشهود.
وكما هو معروف، فإن قرار بعض العائلات الكبيرة القادرة على حماية أفرادها كان ملزمًا لآلاف الأشخاص. وهناك عائلات رفضت النزوح عن غزة حتى بعد مقتل مختاريها، كما استهدفت إسرائيل بعض العائلات بسبب تمسكها بالبقاء ورفضها تنفيذ أوامر النزوح.
"عرب 48": بمعنى أن البنية الاجتماعية الفلسطينية التقليدية القائمة على العائلة كانت عاملًا مهمًا في الصمود؟
كتانة: نعم، لأن المؤسسات انهارت وتقلصت قدرتها على تلبية احتياجات الناس إلى حد كبير. فقدت البلديات جزءًا مهمًا من كوادرها ومواقعها ومواردها، ولم يعد لديها ما يكفي لتلبية تلك الاحتياجات.
ومع ذلك، كانت هناك جهات عديدة ساهمت في سد هذا الفراغ وتوفير عوامل الصمود والبقاء، إلا أن قدرة العائلة، وشبكة علاقاتها الواسعة والمتنوعة، وتوظيف هذه العلاقات لخدمة أفرادها، جعلتها من أهم هذه القوى.
فالعائلة الكبيرة تمتد عبر مختلف مناطق القطاع، وتستطيع مساعدة أفرادها الموجودين في مناطق الاستهداف أو استقبال النازحين منهم. وكما شهدنا، فإن بدايات النزوح كانت غالبًا باتجاه بيوت الأقارب، حيث أصبح المنزل الذي يتسع لخمسة أشخاص يؤوي خمسين شخصًا أو أكثر. كما كان أفراد العائلة يتدبرون مخازن أو كراجات أو أي مساحة مسقوفة لإيواء أقاربهم النازحين. هذا فضلًا عن أن أفراد العائلة الموجودين خارج القطاع كانوا يجمعون الأموال ويرسلونها إلى أقاربهم في الداخل.
"عرب 48": لكن يبدو أن الأمر لا يتعلق بالعائلة وحدها، بل بالبنية الاجتماعية التقليدية عمومًا، التي ما زالت تقوم على التكافل الاجتماعي، بما يشمل الجيران والأصدقاء وأبناء البلدة وغيرهم؟
كتانة: صحيح. هذه الروابط تتعزز في فلسطين بسبب غياب الدولة الراعية للمجتمع، ووجود احتلال جائر منذ عقود طويلة، تعرض خلالها الناس للاجتياحات والتهجير والحصار وأشكال متعددة من القمع والاضطهاد.
لذلك طوّر الفلسطينيون هذه الروابط باعتبارها أدوات حماية ووسائل بقاء ذاتية، تقوم على التكافل والتضامن وتحمل الناس بعضهم بعضًا في أوقات الأزمات.
وإذا تتبعنا قصص النزوح في غزة، نجد أن الشخص الذي يجد مأوى لدى صديق أو قريب لا ينتقل وحده مع زوجته وأولاده، بل يأخذ معه إخوته وأنسباءه أيضًا. أي إن العلاقة الفردية الواحدة قد توفر مأوى أو دعمًا لعشرات الأشخاص. وهذه مسألة مهمة جدًا، لأن النزوح الجماعي للعائلة الممتدة يتيح تقاسم الأعباء وتوزيع المسؤوليات بين من يجلب الماء، ومن يعد الطعام، ومن ينصب الخيام، وغير ذلك.
كما تُبنى داخل المخيمات الكبيرة تجمعات صغيرة أشبه بـ"الأحواش"، يضم كل منها أربع أو خمس خيام تتشارك حمامًا واحدًا وموقدًا مشتركًا للعائلة.
"عرب 48": على غرار المبنى السكني الفلسطيني التقليدي؟
كتانة: نعم، إنه قريب من ذلك الطراز، لكن الذي يفرضه اليوم هو الواقع الجديد، الذي يتطلب الحفاظ على تماسك العائلة وتقارب أفرادها، في ظل عدم القدرة على توفير مرافق وخدمات مستقلة لكل وحدة صغيرة.
كما يوفر هذا النمط قدرًا من الخصوصية للعائلة، ونوعًا من الانسجام داخل المجموعة الصغيرة، وغالبًا ما تُنصب الخيام بشكل دائري أو شبه مغلق، بحيث تكون المساحة الداخلية مخصصة للعائلة ولا يدخلها الغرباء.
ومن هنا نلاحظ أن العائلة عنصر أساسي في الصمود لا يمكن الاستغناء عنه. وربما كان ذلك أحد أسباب الاستهداف الإسرائيلي المباشر لعائلات غزة ومحاولات تفتيت وحدتها. فقد أصبحت المحافظة على وحدة العائلة مطلبًا أساسيًا في ظل ظروف الحرب.
فعلى سبيل المثال، هناك عائلات صمدت خلال موجات القصف المكثف، وتمكن أفرادها من الاختباء وتدبير شؤونهم، لكن مع بدء الاجتياح البري اضطرت الأسر الصغيرة إلى الفرار بصورة منفصلة، لعدم وجود فرصة للتنسيق الجماعي، بعدما وصلت الأوضاع إلى مستوى يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾.
عبد الرحمن كتانة: معماري فلسطيني يعمل حاليًا باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة تامبيري في فنلندا، وأستاذًا مساعدًا في دائرة الهندسة المعمارية بجامعة بير زيت. حصل على درجة الدكتوراه في العمارة من جامعة "كي يو ليوفين " (KU Leuven) في بلجيكا، حيث ركّزت أطروحته على دراسة العمارة في سياقات الحرب والعنف السياسي.
في عام 2018، شارك في تأسيس مبادرة "مشروع يلا" في نابلس، التي تسعى إلى توظيف الممارسة المعمارية بوصفها أداة للبحث واستكشاف مقاربات بديلة في الإحياء العمراني.
وتتركز اهتماماته الأكاديمية والبحثية على التقاطعات المعقدة بين الحرب والعمارة، وإستراتيجيات إعادة الإعمار أثناء الحرب وما بعدها، إضافة إلى تاريخ العمارة في المدينة الفلسطينية وتحولاتها في ظل السياقات السياسية والاجتماعية المتغيرة.
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع فاتنة إبريق زبيدات: مسيرة استهداف المخيم الفلسطيني والسياق التاريخي لحرب الإبادة الإسرائيلية