14/06/2026 - 09:48

حوار مع علي إبراهيم: تقليص دور الأوقاف الإسلامية وتآكل الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى

يشهد المسجد الأقصى تصاعد التوترات المرتبطة بتقييد صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية وتراجع دورها، في ظل سياسات إسرائيلية تعيد تشكيل الواقع القائم داخله. ويسلّط الباحث علي إبراهيم الضوء على أبعاد هذا التحول وتداعياته على الوصاية الأردنية وإدارة الأوقاف.

حوار مع علي إبراهيم: تقليص دور الأوقاف الإسلامية وتآكل الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى

جموع الفلسطينيين في المسجد الأقصى (مصدر الصورة: هيئة الأوقاف الإسلامية)

بلغت الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى المبارك ذروة غير مسبوقة في ظل حكومة اليمين الديني الاستيطاني الفاشي التي يقودها نتنياهو، حيث تترافق مع تقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في إدارة شؤون الحرم، من خلال سلسلة من التدابير والإجراءات الاحتلالية التي تعمل على مصادرة نشاطها وتقييد حرية حركة القائمين عليها والعاملين فيها. وهي إجراءات باتت تهدد ما يُعرف بالوصاية الأردنية، وتفرض واقعًا جديدًا يستهدف إنهاء الدور التاريخي للأردن في إدارة شؤون المسجد الأقصى.

ويبدو أن تراجعات الأردن في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على صلاحيات هيئة الأوقاف الإسلامية، التي تشكل الذراع التنفيذية لهذه الوصاية على الأقصى، قد سهّلت عملية القضم التدريجي لدوره، وصولًا إلى إنهاء هذا الدور واستبداله بصيغة عربية - إسرائيلية، تشكل فيها الدول المطبّعة غطاءً لفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى المبارك.

ولإلقاء المزيد من الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث المهتم بشؤون القدس والأقصى، علي إبراهيم:

"عرب 48": كنت قد أشرت في تصريح صحفي إلى أن الانسحاب الرسمي الأردني شبه الكامل من مواجهة السياسات الإسرائيلية في الأقصى، وخاصة المتعلقة بتقليص وتهميش دور هيئة الأوقاف الإسلامية، بات يهدد ما يُعرف بالوصاية الأردنية على الحرم القدسي الشريف؟

إبراهيم: كان التراجع في الدور الأردني تراجعًا تدريجيًا، لكنه تسارع بشكل أساسي منذ عام 2015 عندما جرى التسامح مع استهداف "الرباط في الأقصى". فقد مثّل هذا الاستهداف ليس فقط تحديًا للدور الأردني أو للوصاية، بل كان جزءًا من العدوان على المكوّن البشري داخل المسجد. وبطبيعة الحال، فإن إضعاف المكوّن البشري داخل المسجد الأقصى وتقليص أعداد المصلين والمرابطين فيه، ساهما في تسهيل اقتحامات المستوطنين لساحاته، وازدياد أعدادهم وأفواجهم، حتى تحولت ظاهرة الاقتحامات إلى ظاهرة شبه يومية.

علي إبراهيم

يُضاف إلى ذلك التسامح وعدم اتخاذ موقف أردني حازم إزاء استهداف الاحتلال لحراس المسجد الأقصى المبارك، والتصدي للاعتداءات التي سعت إلى تقييد صلاحياتهم. وبحسب شهادات الحراس، فإنهم تمتعوا سابقًا بما يشبه الرعاية أو الحصانة في مواجهة شرطة الاحتلال؛ فكانوا يقفون في وجه الاقتحامات، ويعترضون على أي اعتداء أو تدنيس، ويعرقلون أداء الطقوس اليهودية العلنية. إلا أن هذه "الحصانة" تقلصت تدريجيًا حتى انتهت بشكل كامل، مع منعهم من الاقتراب من "المقتحمين".

لقد سعت سلطات الاحتلال إلى "تقليم" متعمد لـ"أظفار" الحراس، من خلال استهدافهم بالاعتقال المتكرر من أماكن عملهم ومن داخل المسجد الأقصى، وتنفيذ اعتداءات جسدية ونفسية ترافق الاعتقال، ثم تحويلهم إلى مراكز التحقيق وغيرها، وإصدار قرارات إبعاد عن المسجد تصل إلى ستة أشهر، ويمكن أن تتكرر بأوامر من شرطة الاحتلال. كما أصدرت محاكم الاحتلال أحكامًا بالسجن بحق عدد من حراس الأقصى، وهدمت منازل بعضهم، إلى جانب أشكال أخرى من الاستهداف.

"عرب 48": تقليص وتقييد دور حراس الأقصى كان يقود، بالضرورة، إلى تعزيز دور الشرطة الإسرائيلية داخل المسجد الأقصى المبارك؟

إبراهيم: بالتأكيد. واستهداف الحراس هو نموذج لاستهداف دائرة الأوقاف بعامليها ومسؤوليها، وخاصة المرتبطين بأعمال الإعمار، واستهداف لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك، وحتى الإداريين؛ إذ وصل الأمر إلى إبعاد رموز ومسؤولين في إدارة المسجد الأقصى، مثل الشيخ عمر الكسواني، مدير المسجد الأقصى، والتحقيق المتكرر مع رئيس مجلس الأوقاف، الشيخ عبد العظيم سلهب، الذي توفي مؤخرًا، وإبعاده، رحمه الله، أكثر من مرة عن المسجد الأقصى.

"عرب 48": كما أن هناك تحقيقات مستمرة مع الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى؟

إبراهيم: صحيح. جزء من هذا القضم المتواصل يتمثل في التدخل في خطب الجمعة، وهو ما يتجاوز التدخل في قضية الدور والرعاية والعمل الميداني إلى التدخل في الخطاب أيضًا. وهذا أمر جديد لم يكن قائمًا خلال سنوات الاحتلال البالغة 59 عامًا.

أما الشق الثاني من العدوان على الأوقاف، فهو منع الترميم والصيانة. وكما هو معروف، فإن المسجد الأقصى موقع أثري يتألف من مبانٍ يعود عمرها إلى نحو 1400 عام، في حين أن آخر عملية ترميم حقيقية لهذه المباني جرت في عهد الحاج أمين الحسيني خلال ثلاثينيات القرن الماضي، أي قبل ما يقارب قرنًا من الزمن. وخلال كل تلك المدة لم تُجرَ أعمال ترميم شاملة وحقيقية، ولا نقول إن هناك تقصيرًا، وإنما إن آخر عملية ترميم مضى عليها زمن طويل.

وقد كان الاحتلال، منذ عام 1967، يسمح فقط بأعمال صيانة وترميم محدودة ذات طابع جمالي، مثل الفسيفساء والشبابيك الزجاجية، بينما بدأ خلال السنوات الأخيرة باستهداف ممنهج لعمليات الترميم والتدخل في كثير منها. وفي إحدى المرات التي استبدلت فيها دائرة الأوقاف بلاطة من بلاطات الأقصى بعد تعرضها للكسر، قام أحد الصحفيين التابعين للمستوطنين بتصوير العملية، وطلب رد سلطات الاحتلال المعنية بالأمر، فأجابوا بأنهم على علم بأعمال الترميم ويشرفون عليها. وهذا يعني أن الأوقاف أصبحت، نتيجة هذا العدوان المتسلسل، مرتبطة بإذن الاحتلال، ولم تعد قادرة على القيام بأي عمل داخل المسجد الأقصى من دون موافقة الشرطة الإسرائيلية.

وبحسب المعطيات، واستنادًا إلى شهود عيان وإلى أقوال الشيخ عزام الخطيب، مدير المسجد الأقصى، فإن سلطات الاحتلال تمنع، منذ منتصف عام 2023، دائرة الأوقاف الإسلامية من القيام بأي أعمال صيانة أو ترميم داخل المسجد الأقصى المبارك، بصورة لم تعد تقتصر على الأساسات والتدعيم، بل تشمل أيضًا الجوانب الجمالية وغيرها من الأعمال.

"عرب 48": تقصد أنها أصبحت تمنع حتى أعمال الصيانة الأساسية؟

إبراهيم: صحيح. وتشير بعض المصادر إلى أن الاحتلال يعطل 23 مشروعًا أساسيًا منذ سنوات. والحديث هنا يدور عن شبكة الإنارة التي تعود إلى العهد الأردني، وإقامة شبكة إطفاء حديثة، خاصة في ضوء تعاظم أخطار الحرائق.

وعلى سبيل المثال، والشيء بالشيء يُذكر، فإن إغلاق الأقصى لمدة 40 يومًا بذريعة الحرب على إيران، إلى جانب امتلاء بركة المطر، أدى إلى نمو كميات كبيرة من الحشائش التي باتت تغطي جزءًا واسعًا من ساحات المسجد الأقصى. وبعد جفاف هذه الحشائش وارتفاع درجات الحرارة، أصبحت تشكل خطرًا حقيقيًا في حال اندلاع النيران فيها، لا سيما في ظل منع سلطات الاحتلال دائرة الأوقاف من معالجتها.

كل ما ذكرتُه يمثل ملامح عامة للعدوان المتدرج والقضم المتواصل لصلاحيات ومكانة دائرة الأوقاف الإسلامية، الناتج عن تآكل الدور والوصاية الأردنية الراعية لها. والإشكالية أن الاستجابة الأردنية، أو ردّة فعل الأردن، لم ترتقِ في جميع هذه المحطات إلى المستوى المطلوب.

"عرب 48": في الآونة الأخيرة، قامت سلطات الاحتلال أيضًا بسحب تصاريح عشرات العاملين في الأوقاف بالمسجد الأقصى من الضفة الغربية، ومنعتهم من الدخول إلى القدس لممارسة عملهم المعتاد؟

إبراهيم: وهذه واحدة من المسائل المرتبطة بعملية قضم صلاحيات الأوقاف. هذا ناهيك عن أن عدد العاملين في المسجد الأقصى وحراسه لا يتناسب أصلًا مع أعداد المصلين الذين يؤمونه، خاصة في صلوات الجمعة، حيث يصل العدد في بعض الأسابيع إلى نحو 50–70 ألف مصلٍّ، وهو عدد يحتاج إلى كوادر بشرية كبيرة من الحراس والمنظمين.

وبحسب ما يقوله الشيخ عمر الكسواني، فإن الاحتلال يمنع منذ سنوات توظيف أي حارس جديد ضمن طاقم حراس الأقصى المبارك.

"عرب 48": هذا رغم أن الحراس، أسوة بسائر موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، يتبعون للأردن ويتلقون رواتبهم منها؟

إبراهيم: صحيح، فهم موظفون أردنيون ويتلقون رواتبهم من الحكومة الأردنية بموجب ما يُعرف بالوصاية الأردنية، علمًا بأن هناك إشكالية في هذا المصطلح، باعتبار أن المقدسات، من الناحية الدينية، لا يكون لها وصي.

"عرب 48": هناك من يسميها الولاية الدينية الأردنية، وهي تنطوي على إشكالية سياسية أيضًا؟

إبراهيم: نعم. فبعد احتلال القدس عام 1967، أرادت إسرائيل نقل صلاحية إدارة الأقصى إلى وزارة الأديان الإسرائيلية، لكن تداعي شخصيات دينية واجتماعية وتشكيلها اللجنة الإسلامية العليا برئاسة الشيخ سعيد صبري حالا دون ذلك، وأعادا المسجد الأقصى المبارك إلى الإدارة الإسلامية عبر دائرة الأوقاف.

لكن ما حدث فعليًا على الأرض، خلال سنوات من القضم التدريجي لصلاحيات إدارة الأوقاف وسط صمت أردني، وبلغ ذروته في السنوات الأخيرة، هو تكريس واقع جديد أصبحت فيه دائرة الأوقاف مشرفة على الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى، عوضًا عن أن تكون مشرفة على المسجد الأقصى برمته، بعد أن نُزعت منها صلاحية إدارة المكان. وهذه مقاربة دقيقة إلى حدٍّ كبير.

"عرب 48": ما هو الفرق بين التوصيفين؟

إبراهيم: التوصيف الأول، والذي يصوّر ما كان قائمًا وفق الوصاية الأردنية قبل تآكلها، يعني أن تكون الأوقاف قائمة وناهضة بإدارة شؤون المسجد الأقصى برمته، بوجود المستوطنين أو عدم وجودهم. لكن هذا العدوان المتكرر كانت نتيجته تحويل الأوقاف لتكون مسؤولة فقط عن شؤون المسلمين في المسجد الأقصى، بمعنى رفع الأذان، وتنظيم المصلين، والاكتفاء بشؤون التعبد، دون امتلاك الصلاحيات التي كانت تملكها على المكان، والتي نُقلت بالكامل إلى سلطات الاحتلال.

"عرب 48": إزاء هذا الواقع الذي يتبلور على الأرض، والذي يضع نهاية لما يُعرف بالوصاية الأردنية على الأقصى، ما هي ردود فعل الأردن؟

إبراهيم: هذا هو السؤال. علمًا أن كل المعطيات التي ذكرتُها تفيد بوجود مخطط لتغيير الوضع القائم في الأقصى، وإيجاد آلية جديدة لاستبدال الرعاية الأردنية، تكون سلطات الاحتلال جزءًا منها، وتضم أطرافًا عربية يجري التنسيق معها لهذا الغرض.

"عرب 48": عندما تقول أطرافًا عربية، عن أي دول نتحدث؟

إبراهيم: نتحدث عن الدول المطبّعة مع إسرائيل مثل الإمارات، والبحرين، والمغرب، وغيرها. كذلك فإن الدور العربي المطروح هو دور تناوبي، وليس هيئة عربية مشتركة. علمًا أن الموضوع ما زال في طور "الهمهمات" و"الوشوشات" في الغرف المغلقة.

"عرب 48": الهدف، طبعًا، هو الالتفاف على الدور الأردني عبر مسار عربي؟

إبراهيم: هو، بطبيعة الحال، إنهاء الدور الأردني بشكل كامل. وبكل أسف، هناك مشاركة أردنية في ما يجري تحضيره، وهذا مؤشر خطير؛ لأن أي إفراغ ينتج عن انسحاب الدور الأردني اليوم ستملؤه إسرائيل، التي تسعى إلى إضفاء صفة رسمية على الواقع الجديد الذي خلقته في الأقصى، كونها جهة قائمة بالاحتلال وتمتلك فائضًا من القوة ومن العناصر الأمنية على الأرض.


علي إبراهيم: باحث في شؤون القدس والأقصى، متخصص في التاريخ. صدر له عدد من الكتب، آخرها كتاب "إستراتيجيات تهويد القدس والأقصى: مقاربات في السياسات الإحلالية والديموغرافية والدينية والثقافية والبيئية". شارك في إعداد عشرات الدراسات والتقارير حول واقع القدس والأقصى، وله عدد كبير من الأوراق البحثية والمعلوماتية. يكتب في عدد من المجلات والمواقع الإلكترونية.