21/06/2026 - 09:41

حوار مع ساهر غزاوي: الحرب على غزة ودور الأكاديميا الإسرائيلية في عسكرة المعرفة وأمننة الوعي

يتناول هذا الحوار مع الباحث ساهر غزاوي دور الأكاديميا الإسرائيلية في تعميق العنف الاستعماري عبر ما يُعرف بـ"عسكرة المعرفة" و"أمننة الوعي"، خصوصًا في سياق الحرب على غزة، وكيف تسهم المؤسسات الأكاديمية في إعادة إنتاج خطاب أمني - عسكري.

حوار مع ساهر غزاوي: الحرب على غزة ودور الأكاديميا الإسرائيلية في عسكرة المعرفة وأمننة الوعي

مؤيدون لفلسطين يتظاهرون "أوقفوا مؤتمر لندن للدفاع" في 10 نيسان 2026 (Getty Images)

في ورقة بحثية بعنوان "الأكاديميا الإسرائيلية بين عسكرة المعرفة وأمننة الوعي"، نُشرت على موقع مركز مدى الكرمل، يتناول الباحث ساهر غزاوي دور الأكاديميا الإسرائيلية في مرحلة ما بعد حرب غزة، بوصفها فاعلًا بنيويًّا في إنتاج خطاب أمني - عسكري يضفي طابعًا تقنيًّا على العنف الاستعماري، ولا يقتصر دورها على الحقل المعرفي الداعم فحسب.

وتشير الورقة إلى أن ما شهدته الأكاديميا الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لا يعكس تحوّلًا نوعيًّا بقدر ما يعكس تعميقًا لدور قائم، يتجلى في إعادة صياغة مفاهيم الأمن والردع وإدارة الصراع ضمن مقاربة تركز على الكفاءة، مع تهميش الأبعاد القانونية والسياسية. كما تبيّن الورقة تكامل عسكرة المعرفة مع أمننة الوعي في ضبط حدود المعرفة المشروعة وتغييب الفلسطيني بوصفه ذاتًا معرفية، بما يمنع فتح أفق معرفي تحرري بديل.

ويرى الباحث أن المنظومة الأكاديمية الإسرائيلية لم تتشكل كفضاء معرفي مستقل أو محايد، بل نشأت وتطورت ضمن سياق سياسي - استعماري جعل من المعرفة إحدى الأدوات المركزية في بناء الدولة الصهيونية وترسيخ سرديتها. ويشير إلى أنه منذ المراحل الأولى اضطلعت الجامعات ومراكز البحث بدور يتجاوز التعليم وإنتاج المعرفة، ليشمل الإسهام في إعادة كتابة التاريخ، وصياغة الهوية القومية، وإنتاج أطر تفسيرية تعيد توصيف السيطرة على الأرض والسكان الأصليين باعتبارها مسألة تنظيم و"بناء دولة".

ساهر غزاوي

وفيما يعرّف الباحث "عسكرة المعرفة" بأنها إخضاع إنتاج المعرفة ووجهتها ووظيفتها لحاجات المنظومة العسكرية - الأمنية، بحيث تتحول الأبحاث الأكاديمية إلى امتداد وظيفي لأدوات السيطرة، فإن "أمننة الوعي" تعني إعادة تشكيل الإدراك الجمعي عبر خطاب أكاديمي يعيد تعريف الواقع ضمن مفاهيم أمنية. ويؤكد الباحث أنه لا يستخدم هذا الإطار النظري بوصفه بديلًا عن تحليل الواقع المادي، بل كأداة لفهم كيفية إعادة إنتاج هذا الواقع على مستوى المعنى والتمثيل، حيث تتكامل، على حد تعبيره، السيطرة المادية مع السيطرة المعرفية في بنية واحدة.

وترتكز الدراسة على تحليل الخطاب النقدي بوصفه أداة مركزية لفحص النصوص والخطابات الأكاديمية الصادرة عن الجامعات الإسرائيلية ومراكز الأبحاث المرتبطة بها، ولا سيما تلك التي برزت أو أُعيد تفعيلها في سياق ما بعد الحرب على غزة. ويستند التحليل إلى عينة نوعية غير تمثيلية من المواد، تشمل نماذج من إنتاج مؤسسات بحثية وأكاديمية بارزة، من بينها معهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومعهد القدس للإستراتيجية والأمن (JISS).

ولإلقاء الضوء على هذا الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث ساهر غزاوي.

"عرب 48": كشفت حرب الإبادة على غزة عن طبيعة "المؤسسة الصهيونية" ودوائرها المختلفة، بما فيها القضاء والأكاديميا، على حقيقتها، بعد أن أسقطت كل المساحيق التي جملت وجهها ونمّقت خطابها خلال سنوات طويلة. وقد جرى عسكرة هذه المؤسسات وتحويلها إلى أذرع مساهمة في الحرب، فيما لعبت الأكاديميا، كما تبين، دورًا فاعلًا في هذا الصعيد؟

غزاوي: تتحدث الدراسة عن تعميق السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية بعد الحرب على غزة، وهي تتناول الحالة القائمة قبل الحرب وكيف تعززت وتعمقت خلالها وبعدها، لتصل إلى النتيجة المعروفة التي أكدت الحرب بوضوح أكبر، وهي أن الأكاديميا الإسرائيلية جزء من المشروع الصهيوني، مثلها مثل الذراع الأمني أو الإعلامي أو غيره.

وتجادل الورقة بأن ما شهدته الأكاديميا الإسرائيلية في مرحلة الحرب وما بعدها يعكس تعميقًا وتكثيفًا لدورها البنيوي، الذي لم يقتصر يومًا على إنتاج معرفة داعمة للدولة، بل انطلق من كونها فاعلًا منخرطًا في إنتاج خطاب أمني - عسكري يعيد تأطير العنف الاستعماري ويضفي عليه الشرعية المعرفية.

وقد كثّفت الحرب هذا الدور عبر تحويل الجامعات ومراكز الأبحاث الإسرائيلية إلى فضاءات مركزية يُعاد فيها إنتاج منطق الأمن داخل المعرفة ذاتها، من خلال إعادة تشكيل مفاهيم مثل "الأمن" و"الردع" و"إدارة الصراع" كأطر تفسيرية مهيمنة، وذلك عبر مقاربات أكاديمية تتناول الحرب ضمن إطار تقني - إجرائي يركز على الكفاءة والنجاعة وإدارة التهديد، مقابل تهميش الأبعاد القانونية والسياسية، وإقصاء أي توصيف يُدرج العنف ضمن سياقه الاستعماري. وقد تجلى هذا النمط بصورة أكثر إحكامًا في بنية الخطاب الأكاديمي ذاته، حيث يُنتَج الواقع عبر اللغة، وتُضبط حدود المعرفة المشروعة وفق اعتبارات أمنية - قومية.

"عرب 48": من المعروف أن الأكاديميا شكلت تاريخيًا إحدى ركائز المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين، فقد تأسست الجامعة العبرية في القدس عام 1918، و"التخنيون" في حيفا عام 1924، ومعهد فايتسمان في رحوفوت عام 1934، كما لعبت هذه المؤسسات دورًا أساسيًّا في ترسيخ الوجود الاستيطاني وبلورة أهدافه السياسية ودعم نشاطه العسكري؟

غزاوي: من الواضح أن الأكاديميا الإسرائيلية نشأت وتطورت ضمن سياق سياسي استعماري، كما أشرت في سؤالك وكما أوضحت الورقة. وهي لم تبقَ محكومة بحدود النشأة فقط، بل تطورت في إطار الصيرورة الاستعمارية التي تشكل الحرب على غزة إحدى تجلياتها. ومن هنا فإن حدود القبول الأكاديمي لا تُرسَم فقط وفق معايير علمية، بل وفق مدى انسجام المعرفة المنتَجة مع السردية القومية - الأمنية المهيمنة، أي ضمن اشتغال الحقل الأكاديمي في حيّز منظّم سياسيًا تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المعرفة والسلطة.

في هذا الإطار، فإن ما حدث خلال الحرب على غزة لا يمثل تحولًا نوعيًّا بقدر ما يعكس امتدادًا مكثفًا لدور تاريخي اضطلعت به هذه المؤسسات. لكن دورها لا يتوقف عند قضايا تاريخية تتعلق بالنكبة فقط، بل يمتد إلى الحاضر، حيث يبرز دور الجامعات ومراكز الدراسات في تعميق إنتاج معرفة أمنية تعيد تفسير العنف على أنه ضرورة وجودية، وتعيد تعريف مفاهيم مثل "الأمن" و"التهديد" و"الدفاع" ضمن أطر تقنية - إجرائية. كما تسهم في تزويد صناع القرار بخطاب علمي يُشرعن السياسات العسكرية، وفي الوقت ذاته يُصدَّر إلى الفضاء الدولي بوصفه معرفة "محايدة" و"مهنية".

وهو خطاب قائم على أمننة الوعي وعسكرة المعرفة، وإعادة تأطير العنف الاستعماري، وإضفاء الشرعية الأكاديمية والمعرفية على الإبادة وجرائم الحرب.

"عرب 48": أشرت إلى قضية تيدي كاتس وإقصاء الدكتور إيلان بابيه من جامعة حيفا المرتبطين بالنكبة، وكذلك إلى اعتقال الدكتورة نادرة شلهوب كفوركيان وإقصائها من الجامعة العبرية خلال حرب الإبادة على غزة، والتي اعتُبرت "نكبة ثانية"، كمثال على هيمنة السردية "القومية" والإجماع الصهيوني وتحييد أي صوت ناقد أو خارج عن هذا الإجماع؟

غزاوي: في إطار إعادة كتابة التاريخ وصياغة الهوية القومية وإنتاج أطر تفسيرية تعيد توصيف السيطرة على الأرض والسكان الأصليين، جرى إنتاج معرفة تعيد ترميز النكبة على أنها "حرب استقلال"، وتقدّم الفلسطيني بوصفه مشكلة ديموغرافية أو تهديدًا أمنيًّا. وقد أسهمت هذه اللغة في إعادة تشكيل الإدراك الجمعي وتطبيع العنف ضمن مفاهيم تبدو "علمية" و"محايدة". وبذلك شكلت الأكاديميا أحد الفضاءات التي يُعاد من خلالها إنتاج الإجماع القومي - الأمني وتثبيته معرفيًا.

هذا الدور امتد إلى تنظيم الحقل الأكاديمي من الداخل، بما يشمل موقع الباحثين الفلسطينيين أنفسهم داخل هذه المؤسسات، حيث لم يُقصَ فقط إنتاج المعرفة المخالفة، بل أُعيد تشكيل شروط إنتاجها عبر ضبط الخطاب وتحديد حدود المقبول. وفي هذا السياق، تكشف حالة المؤرخ إيلان بابيه، على سبيل المثال، كيف يُواجَه إنتاج معرفة تتحدى السردية الرسمية بآليات ملاحقة مؤسسية تدفع نحو الإقصاء.

كما تُظهر قضية تيدي كاتس أن البحث الأكاديمي حول جرائم التأسيس، حين يستند إلى مصادر توثيقية ويخرج عن الرواية المهيمنة، يُعاد تأطيره كإشكالية قانونية أو منهجية بما يسمح بتقويضه دون الدخول في مضمونه. وتندرج في هذا الإطار أيضًا حالة أورن يفتاحئيل، والتي تُظهر شكلًا آخر من الضبط داخل الحقل الأكاديمي، سواء عبر التهميش أو الحد من الانتشار المؤسسي للمعرفة النقدية، بما يقلل من تأثيرها العام.

أما حالة الدكتورة نادرة شلهوب كفوركيان فتندرج في سياق تعزيز خطاب يربط الشرعية الأكاديمية بالالتزام بالإجماع الأمني - القومي، بحيث لا يُنظر إلى المواقف البحثية بوصفها اجتهادات علمية، بل بوصفها مؤشرات على "الولاء" أو "الانحراف" عن السردية المهيمنة.

"عرب 48": عندما تتحدث عن عسكرة الأكاديميا بهدف أمننة الوعي أو إنتاج وعي أمني، ماذا تقصد؟

غزاوي: نحن أمام منطق أمني - عسكري يستند إلى مفهوم استعماري استيطاني إحلالي، يسعى إلى السيطرة الشاملة التي لا تقتصر على الأرض، بل تمتد إلى المعرفة والوعي، وإنتاج رواية داعمة للمشروع الصهيوني وتبرير ممارساته، حتى لو وصلت إلى حد الإبادة وجرائم الحرب كما حدث في غزة.

وأمننة الوعي تعني اشتغال الحقل الأكاديمي ضمن حدود أمنية وإيديولوجية تقصي أي سردية تهدد السردية المهيمنة. وبعبارة أخرى، يمكن القول إنها إنتاج خطاب أكاديمي أمني يعيد تعريف العنف الاستعماري بلغة علمية. وفي هذا السياق، فإن استخدام مفاهيم مثل "إدارة الصراع" و"تحسين الأداء العملياتي" و"تقليل الأضرار" لا يعمل كمصطلحات وصفية فحسب، بل كمفاتيح تفسيرية تعيد تعريف العنف ضمن إطار تقني - إجرائي يُقاس بمعايير الكفاءة لا بمعايير العدالة.

كما يكشف تحليل هذه اللغة كيف يُعاد تعريف العنف ضمن منظومة تقنية - إجرائية تُقاس بمعايير النجاعة، لا بمعايير العدالة أو القانون الدولي، خاصة في ظل الانتقادات والاتهامات الموجهة للجيش الإسرائيلي بخرق قواعد القانون الدولي الإنساني.

"عرب 48": لا شك أن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر وحرب الإبادة على غزة لم تنتج هذا الخطاب أو صوره التمثيلية، بل كشفت وكثفت ما كان مستورًا أو مُرادًا حجبه بشكل أو بآخر؟

غزاوي: صحيح، فالسابع من أكتوبر كان امتحانًا لهذه المنظومة وسلوكها. ومن الواضح أن أمننة الوعي تبدأ بإعادة صياغة المفاهيم المركزية التي يُفهم من خلالها الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، إذ إن مصطلحات مثل "الإرهاب" و"الصراع" و"الدفاع عن النفس" لا تُستخدم داخل الحقل الأكاديمي كفئات تحليلية مفتوحة، بل تُطرح كأطر معيارية تحدد مسبقًا موقع الفاعلين وحدود الشرعية، وتُعاد صياغتها ضمن منظومة تفسيرية لإنتاج منطق الأمن.

والجديد في أعقاب حرب غزة لا يقتصر على استخدام الخطاب الأكاديمي - الأمني مفردات تقنية مثل "إدارة الصراع" و"استعادة الردع" و"تقليل الأضرار الجانبية"، بل في توظيفه لتفريغ العنف من المساءلة السياسية والقانونية، وتحويله إلى مسألة إجرائية تُقاس بمعايير الكفاءة والنجاعة، لا بمعايير العدالة أو المساءلة.


ساهر غزاوي: كاتب وباحث أكاديمي في مجالات السياسة والقانون وحقوق الإنسان، حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة حيفا، والماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة بار إيلان. مسؤول الملفين الإعلامي والتوثيقي في مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان في الناصرة، ومعدّ دراسات وتقارير وإصدارات توثيقية وبحثية تُعنى بالقضايا السياسية والقانونية وملفات حقوق الإنسان.