في مقالته المعنونة "الاستشراق الإسرائيلي في خدمة الدولة الاستيطانية"، المنشورة في العدد الأخير من مجلة "قضايا" الصادرة عن مركز "مدار"، يشير الباحث محمد فارس جرادات إلى الطابع الوظيفي الأمني والسياسي للاستشراق الإسرائيلي، الذي وإن اندرج ضمن الشبكة العامة للاستشراق الأوروبي، الذي يركّز على المعرفة العامة والفلسفات الكلاسيكية، كما يقول، فإنه وُظِّف في خدمة الدولة الجديدة بوصفه أداة لفهم المجتمعات العربية، وتطوير السياسات تجاه الفلسطينيين، وتدريب العاملين في أجهزة الأمن والمخابرات، وذلك انسجامًا مع دعوة مؤسس الدولة، دافيد بن غوريون، وتوجيهاته في هذا الشأن.
وتتناول المقالة تطور التعاون بين الأكاديمية الإسرائيلية والمخابرات والجيش ووزارة الخارجية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وإدماج المستشرقين في مؤسسات صنع القرار، وظهور فئة من المستعربين الذين درّبهم المستشرقون في تلك الفترة، ولعبوا دورًا ميدانيًا داخل المجتمعات العربية، متقمصين شخصيات مخاتير وزعماء وشخصيات عامة. والمقصود هنا ليس مجرد قوات أمنية خاصة متخفية باللباس العربي، كما تطور الأمر لاحقًا، بل إن هؤلاء المستعربين شكّلوا، في مرحلة قيام الدولة، بحسب تعبيره، جهاز الاستخبارات برمته، حتى أصبحوا عقل الدولة وذراعها الطويلة في آن واحد، وهو ما أطلق عليه المستشرق الإسرائيلي غيل إيال، وفقًا لما يورده الباحث، اسم "شبكة الأبعاد الخمسة".
وعن ظروف نشأة الاستشراق الإسرائيلي، تلفت الدراسة إلى أنه نشأ أداةً بيد الدولة، نتيجة تفاعل الطموحات الصهيونية مع الوظيفة الأمنية والسياسية التي أُنيطت بالمستشرقين منذ بدايات المشروع الاستيطاني. وتوضح أن هذا المسار تطور تاريخيًا مع تأسيس الجامعة العبرية، حيث بدأ التأسيس الأكاديمي للدراسات الشرقية، قبل أن ينتقل الاستشراق، بعد قيام إسرائيل عام 1948، من كونه مجالًا معرفيًا إلى مجال وظيفي يخدم أهداف الدولة في التعامل مع العرب والفلسطينيين، ولا سيما أن الدولة الحديثة، وفق تعبير الباحث، احتاجت إلى أدوات لفهم السكان العرب داخل الخط الأخضر وخارجه وإدارتهم، فكان الاستشراق الوظيفي خيارًا استراتيجيًا بالنسبة إليها.
ويبين الباحث أن تحوّل الاستشراق الإسرائيلي إلى أداة وظيفية تم عبر توظيف المستشرقين في مؤسسات الدولة، إذ عمل كثير منهم في الجيش الإسرائيلي مرشدين ثقافيين، وفي المؤسسات الأمنية، ولا سيما جهازي "الشاباك" و"الموساد"، لتقديم تقديرات ورؤى حول المزاج العربي العام، كما عملوا في وزارة الخارجية للمساهمة في صياغة السياسات تجاه الدول العربية. وهكذا لم يعد المستشرق محصورًا في الجامعة، بل أصبح جزءًا من جهاز الدولة العميق، واضطلع بأدوار أمنية وسياسية مباشرة.
وتبيّن المقالة أيضًا كيف تحوّل الاستشراق الإسرائيلي منهجيًا من نشاط بحثي إلى أداة تطبيقية؛ فلم تعد الدراسات تركز على التاريخ والثقافة العربية فحسب، بل أصبحت تهتم بالسلوك الجمعي للعرب، ونقاط الضعف في البنى المجتمعية والسياسية، وسبل التأثير النفسي والإعلامي، إلى جانب المساهمة في صياغة خطاب إعلامي دعائي. كما تشير إلى بروز عدد من المستشرقين في وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية بصفتهم محللين يقدمون أنفسهم بصفة موضوعية عند تناول الشأن العربي، بينما يروّجون في الواقع لصورة سلبية أو متحيزة. وقد تعزز هذا التحول من خلال تدريب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وإعداد خرائط ثقافية للمجتمعات الفلسطينية، والمساعدة في ترجمة الوثائق العربية وتحليل مضامينها، ليس من الناحية اللغوية فحسب، وإنما من الجوانب الثقافية والسلوكية أيضًا.
ولإلقاء الضوء على هذا الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث محمد فارس جرادات.
"عرب 48": أشرتَ، كما ورد في المقدمة، إلى اختلاف نشأة الاستشراق الإسرائيلي عن الاستشراق الأوروبي، رغم سيره في فلكه؛ إذ نشأ الاستشراق الإسرائيلي، أو بالأحرى أُنشئ، لخدمة المشروع الكولونيالي الصهيوني، بينما نشأ الاستشراق الأوروبي كمجال بحثي وأكاديمي، ثم جرى استثماره وتوظيفه من قبل المشاريع الاستعمارية الأوروبية؟
جرادات: لعل عنوان الدراسة "عندما يرتدي المستشرق زي الدولة الرسمي..." يشير إلى هذه الحقيقة، إذ تتناول الاستشراق الإسرائيلي من زاوية محددة، هي زاوية تحوّله إلى أداة رسمية في يد الدولة القائمة على الاستيطان والأمن، بحيث يوظّف المستشرق فكره وعمله في سياق وظيفة رسمية، وليس في إطار العمل البحثي الأكاديمي المحض، بل في صلب عملية الاشتغال بالاستيطان والأمن التي تأسست عليها دولة إسرائيل.
"عرب 48": هل تعني أن الاستشراق الإسرائيلي كان جزءًا عضويًا من المشروع الاستعماري الصهيوني، وليس مجالًا بحثيًا جرى استثماره وتوظيفه لصالحه؟
جرادات: أصلًا، وكما هو معروف، فإن الاستشراق يقوم على فكرة دونية الشرق النابعة من منطق الاستعلاء الغربي، وقد جرى استخدام المستشرقين وأبحاثهم في تبرير الاستعمار واستعباد شعوب الشرق. لكن الاستشراق الأوروبي، كعمل فكري، بقي بعيدًا عن تحوّله إلى أداة رسمية بيد الدولة المستعمِرة، ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى بحوث استشراقية مهمة أنتجت دراسات في الأدب العربي الإسلامي وفي مجالات مختلفة أخرى، وأسهمت، جزئيًا، في خدمة جوهر العمل الثقافي والفكري.
بالمقابل، شكّل الاستشراق الإسرائيلي منذ بداياته أداة مباشرة بأيدي المشروع الاستيطاني. وعلى مدى عقود طويلة، فشلت المدرسة الاستشراقية اليهودية، والألمانية تحديدًا، في الانفصال عن الكيان السياسي الصهيوني قبل تحوّله إلى دولة وبعده؛ إذ اندمج المستعربون منذ البدايات الأولى، وخلال عملية تهجير واقتلاع الشعب الفلسطيني، في النشاط الاستعماري الصهيوني وفي المؤسسات الاستخبارية والأمنية، وطبّقوا بالتالي ما قاله بن غوريون إن كل المفكرين يجب أن يكونوا رجال استخبارات وأمن، وإن رجال الاستخبارات يجب أن يتمتعوا برؤية فكرية.
وبناءً على هذا التوجه، تحوّل عدد كبير من المستشرقين والباحثين إلى موظفين في دوائر الاستخبارات، حتى إن بعض الأسماء اللامعة منهم أجروا خلال الحروب مع الدول العربية مقابلات مع أسرى مصريين. كما توجد نماذج بارزة في الاستشراق الإسرائيلي، سواء ممن سطع نجمهم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أو من الجيل الجديد، يتعاملون مع أنفسهم بوصفهم شخصيات سياسية.
طبعًا، إن النتيجة السلبية لهذا الاندماج هي أن دولة إسرائيل بقيت "عمياء" و"عاجزة"، لأنها افتقدت إلى العيون المبصرة وإلى القوائم الثابتة التي كان من الممكن أن يشكّلها هذا الاستشراق. ولذلك فشلت في التعامل مع القضايا الفلسطينية المحلية، سواء لدى عرب الداخل أو في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وكذلك مع دول المنطقة العربية والإسلامية، وهو ما نراه في الحرب مع إيران اليوم.
"عرب 48": وشخصيات عسكرية أيضًا، وقد أشرتَ في الدراسة إلى بعض الأسماء مثل إيغال يدين وإيهود هركابي. كما نلاحظ اليوم أن من يسيطرون على مراكز الأبحاث ويديرونها بغالبيتهم هم شخصيات عسكرية (سابقة). فهل إن الانتقال من الأجهزة العسكرية والأمنية إلى الأكاديميا وبالعكس، في إطار التزاوج الذي أشرت إليه، هو عملية دارجة؟
جرادات: هناك تلاقح بين التأهيل الأمني والتأهيل الاستشراقي. وكما قال طوليدانو، يستحيل أن تكون في إسرائيل وأن تكون مستشرقًا؛ فالاستشراق هنا هو بالمعنى الاصطلاحي النسبي. وحتى مراكز الأبحاث في الجامعة العبرية أو جامعة تل أبيب، التي تحاول الظهور كمراكز مستقلة، عندما ندقق النظر فيها نجد أن معظم شخصياتها إما أنها انحدرت من المجال الأمني، أو أن المجال الأمني والسياسي يقع في صلب عملها، وبالتالي جاءت إلى هذه المؤسسات بتوصيات من "الشاباك" أو "الموساد" أو وزارة الخارجية.
"عرب 48": كنت قد أوردت في البحث كيف أن بن غوريون أوصى بتأسيس مدرسة الاستشراق في الجامعة العبرية ومعهد "شيلواح"، الذي انتقل لاحقًا إلى جامعة تل أبيب وتحول إلى معهد "ديان"، ما يعني أن هذا المجال كان في صلب أهداف الحركة الصهيونية منذ البداية؟
جرادات: صحيح، لكن المشروع الاستشراقي الإسرائيلي حاول تسويق نفسه للعالم باعتباره رافعة فكرية للاستشراق الغربي، وحظي، استنادًا إلى ذلك، بدعم الجهات الداعمة لإسرائيل التي سعت إلى رفع مكانة المستشرقين الإسرائيليين لأسباب باتت واضحة للجميع، أهمها تحالف المشروع الصهيوني مع المشروع الغربي.
علمًا أن ما قدمه الاستشراق الإسرائيلي من إنتاج لا يخرج عن دائرة رؤية دعم الاستيطان وتبرير اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، إلى جانب رؤى أمنية تتعلق بالتعامل مع الشعوب العربية وشعوب المنطقة.
وهذا يكشف وجود فجوة كبيرة بينه وبين المشروع الاستشراقي الغربي الذي أنتج رؤى استشراقية لمسناها لدى بعض مفكريه.
"عرب 48": وهو ما يؤكد ما ذهبتَ إليه منذ البداية، بأن هدف المشروع الاستشراقي الإسرائيلي لم يتعدَّ تبرير المشروع الاستيطاني، وإقناع اليهود والإسرائيليين بالفكرة الاستعمارية الصهيونية، وتجنيد العالم لدعمها. ويبدو أنهم نجحوا في تحقيق هذه الأهداف؟
جرادات: ربما نجد استثناءات من خلال بعض الأنشطة الثقافية اليهودية، حتى لدى أعضاء في الحركة الصهيونية في روسيا وألمانيا، والتي يمكن اعتبارها أنشطة ذات طابع فكري وتثقيفي وتعبوي داخل الغيتوات اليهودية التي كانت منتشرة في العالم، أي خلال فترة زئيف جابوتنسكي.
لكن منذ وفاة الأخير عام 1940 وحتى هذه اللحظة، أصبح الاستشراق اليهودي والإسرائيلي يخدم بصورة جلية دولة إسرائيل، بوصفه وظيفة رسمية، من دون أي حيادية عن مؤسسات الدولة. فهو يعتمد في معيشته على مؤسسات الدولة، وبالتالي يتحول إلى أداة لخدمتها والقبول بما تنتجه مؤسساتها، سواء وزارة الخارجية أو وزارة المعارف أو غيرها.
"عرب 48": تعليقًا على ما ذكرت حول الفشل الناتج عن قصور مجال الاستشراق الإسرائيلي عن فهم المجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية وطبيعة تكوينها الاجتماعي والسياسي، بسبب عدم حيادية هذا المجال وتبعيته السياسية، يجدر التنويه إلى أن هذا الاستشراق، وإن كان لا يقدم حلولًا جذرية، إلا أنه يحقق نجاحات في إطار الدور الوظيفي الذي أُسند إليه، وذلك من خلال إعاقة عملية التطور الاجتماعي والسياسي لهذه المجتمعات، وتكريس نزعات الانقسام الإثني والطائفي والعائلي، وتعميق انقسام هذه المجتمعات وتخلفها؟
جرادات: يؤدي الاستشراق الإسرائيلي خدمات كبيرة في هذا المجال، وخصوصًا في فهم تناقضات هذه المجتمعات واللعب عليها في تنفيذ سياسة "فرّق تسد" الاستعمارية. فهو يقدم لصانع السياسة خارطة تفصيلية لحالة التنوع الديني والاجتماعي، وللتناقضات التي يمكن تحريكها واستثمارها سياسيًا.
وقد استغلوا العائلية والطائفية والجهوية خلال فترة الحكم العسكري في مناطق الـ48، وفي الأراضي المحتلة عام 1967 لاحقًا، وحققوا نجاحات نسبية، من بينها سلخ الطائفة الدرزية واستمالة قطاعات من البدو، وزرع بذور الطائفية هنا وهناك.
ورغم فشلهم في إنشاء قيادة بديلة من خلال "روابط القرى" في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، يبرز اليوم مشروع ميخائيل كيدار بشأن "الإمارات الثمانية". وقد اختاروا البدء بالخليل لأنهم يعرفون أن التأثير العائلي في هذه المنطقة الفلسطينية العريقة أكبر من غيرها من المناطق، إضافة إلى أنها منطقة واسعة وتشتمل على رقعة استيطانية كبيرة.
ومع يقيننا بأن هذا المشروع سيفشل، كما فشلت مشاريع أخرى، فإنه لن يمرّ من دون أن يترك بعض الآثار.
"عرب 48": أنا أقول إن النجاح والفشل بالنسبة لهم لا يُقاسان بالنتيجة النهائية فقط؛ فقد نجحوا خلال فترة "الحكم العسكري" وما تلاها في مناطق الـ48 في استمالة المخاتير وزعماء العائلات. وكلنا يعرف أنه حتى "يوم الأرض" كانت غالبية المجالس العربية موالية للسلطة، وأن اللجنة القطرية للرؤساء وقفت ضد "يوم الأرض"، وحاولت إحباط قرار الإضراب بإيعاز من طوليدانو؟
جرادات: صحيح، ينجحون في شدّنا إلى الوراء، وإبطاء تطورنا السياسي والاجتماعي، وتحقيق مكاسب جزئية، ولكن بالمحصلة فإنهم فشلوا في الـ48 تحديدًا في التأثير على هوية المجتمع. وبالتالي حافظ أهلنا هناك على هويتهم الفلسطينية، وهو ما لم يحصل في كيانات استعمارية استيطانية أخرى؛ ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، جرى توقيع 29 اتفاقية مع السكان الأصليين واحتواؤهم، وبالتالي طمس وإذابة هويتهم في الهوية الأميركية.
الاستشراق الإسرائيلي يعاني من مشكلة بنيوية؛ فهو يتحرك ضمن سياقات أمنية محددة، ولا يستطيع الغوص في عمق هذه المجتمعات وفهمها، كما فعل المستشرقون الفرنسيون في الجزائر أو حتى المستشرقون الألمان، وذلك لأنه مرتبط عضويًا بدولة الاستعمار الاستيطاني. وعلى سبيل المثال، فإن المؤرخ إيلان بابه حاول الخروج من هذا السياق، وكان الخيار أمامه الخروج نهائيًا، بينما كان خيار الأغلبية هو الاندماج.
"عرب 48": الاستشراق الإسرائيلي، بعكس الاستشراق الأوروبي، جاء ليخدم سياسة استعمارية في حالة إسرائيل، ولذلك من الصعب أن يخرج عن نطاق هذا الدور، بعكس الفرنسي وغيره من الأمثلة التي ذكرتها، والتي أثرت في السياسة وساهمت في تعديلها وتقويمها أحيانًا؟
جرادات: من الأمثلة البارزة التي تتبعناها، مثل هركابي وربينوفتش وغيرهما، يتبين أن همّ المستشرقين الإسرائيليين كان الوصول إلى مراكز صنع القرار والاندماج الكامل بالمؤسسة، بدلًا من الاستقلال عنها والضغط عليها من خلال تشكيل رأي عام. وبالتالي، تحوّل هؤلاء إلى مجرد موظفين لدى المؤسسة.
ولعل الفارق في توجه المستشرقين الإسرائيليين والأميركيين وردة فعلهم على الفشل في إيران خير مثال على هذا التباين؛ فبينما يعترف المستشرقون الأميركيون بخطئهم في فهم إيران كنظام ومجتمع ودولة، وفي تقدير ردود فعلها، يصطف المستشرقون الإسرائيليون إلى جانب المؤسسة السياسية والعسكرية، مكتفين بالإعراب عن الأسف لعدم القدرة على إسقاط النظام الإيراني.
محمد فارس جرادات: حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراة من جامعة النجاح الوطنية في نابلس، وله عدة أبحاث ومقالات منشورة في مجال التاريخ والدراسات الإسرائيلية.