في ورقة بحثية صدرت مؤخرًا عن مركز "رؤية"، تتناول الباحثة د. رغد عزام استخدام الاحتلال الإسرائيلي لمكبات النفايات كأداة استعمارية تُسهم في التوسع الاستيطاني وتعميق السيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية، إلى جانب التخلص من نفايات مستوطناته ومدنه ومناطقه الصناعية الواقعة داخل الخط الأخضر وخارجه. وتشير إلى أن الضفة الغربية باتت تستقبل أنواعًا مختلفة من النفايات الصناعية والطبية والإلكترونية، فضلًا عن المواد الكيميائية الخطرة.
وتوضح الورقة أن سيطرة الاحتلال على مساحات واسعة من الضفة الغربية، ولا سيما المناطق المصنفة (ج)، أسهمت في نقل جزء من أنشطة معالجة النفايات والصناعات الملوِّثة إلى تلك المناطق، مستفيدًا من انخفاض كلفة التخلص من النفايات وضعف الرقابة الفلسطينية. ووفقًا لمنظمة "بتسيلم"، يدير الاحتلال أكثر من 15 منشأة لمعالجة النفايات في الضفة الغربية، من بينها ست منشآت مخصصة للنفايات الخطرة.
وتلفت الورقة إلى أن اتساع نطاق التلوث الناتج عن هذه النفايات يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالتوسع الاستيطاني؛ فمع ازدياد عدد المستوطنات واتساع المناطق الصناعية التابعة لها، ترتفع كميات المياه العادمة والمخلفات الصلبة والنفايات الصناعية، الأمر الذي يوسع الرقعة الجغرافية المتأثرة بالتلوث.
ولا يقتصر الأثر المكاني لمكبات النفايات على المساحات التي تُقام عليها المنشآت فحسب، بل يمتد إلى الأراضي المحيطة بها عبر الطرق، ومناطق الحماية، وشبكات نقل النفايات والطاقة والمياه العادمة. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة، بما يرافقها من تلوث وروائح كريهة وحركة مستمرة للشاحنات وقيود تخطيطية، إلى تغيير إمكانات استخدام الأراضي المجاورة، في عملية تفضي، بحسب الورقة، إلى التلاعب الفعلي بملكية الأرض؛ إذ حتى لو بقيت الأرض فلسطينية من الناحية القانونية، فإن قدرتها على دعم النشاط الاقتصادي أو التوسع العمراني تتراجع بصورة كبيرة.
وتسوق الورقة مثالًا على ذلك مشروع معالجة النفايات وتوليد الطاقة المخطط إقامته على أراضي قرية قلنديا، شمال القدس، حيث وزعت سلطة الأراضي الإسرائيلية عام 2025 أوامر إخلاء على سكان مبنيين يضمان عشرات الفلسطينيين، وشملت الأوامر المنازل والأراضي الزراعية المجاورة. وتشير إلى ارتباط تلك الأوامر بمشروع واسع لمعالجة النفايات الإسرائيلية، يعيد تنظيم استخدامات الأرض ويربط الموقع بالبنية التحتية الإسرائيلية المحيطة بمنطقة "عطروت"، كما تتضمن الخطة تغييرًا في مسار الجدار وإدخال مساحات فلسطينية إضافية ضمن المجال المباشر للمشروع.
وتورد الورقة مثالًا آخر من منطقة ترمسعيا، شمال رام الله، حيث حوّل مستوطنون أراضي مزروعة بأشجار الزيتون إلى مكبات للنفايات الصناعية، بالتوازي مع تجريف مساحات زراعية واسعة وقطع آلاف الأشجار. وتترافق هذه الممارسات مع فرض قيود على وصول المزارعين إلى أراضيهم، وتحويل أجزاء من السهل الزراعي إلى مناطق تستخدمها البؤر الاستيطانية للرعي والزراعة، ما أدى إلى تعطيل استغلال آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية المنتجة.
كما تشير إلى وجود منشآت ومكبات للنفايات الإسرائيلية في مناطق مثل غرب الخليل ونعلين ورنتيس، حيث ارتبط نقل النفايات بالاستيلاء على مساحات من الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مواقع لتجميع النفايات أو معالجتها، الأمر الذي تسبب في تراجع القيمة الاقتصادية للأرض وتقييد إمكانات استغلالها الزراعي مستقبلًا.
ولإلقاء الضوء على هذا الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحثة د. رغد عزام.
"عرب 48": يبدو أن الاحتلال يوظف حتى "نفاياته" في خدمة أطماعه الاستيطانية والتوسعية وابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، ولا تقتصر أهدافه على التخلص من هذه النفايات خارج فضائه العمراني فحسب؟
عزام: عادةً ما تتناول التقارير والأبحاث الميدانية موضوع مكبات النفايات ومنشآت تدوير النفايات الإسرائيلية في الضفة الغربية من زاويته البيئية، وما يتركه من آثار وتداعيات على صحة الفلسطينيين وتلويث بيئة المجتمعات القريبة من هذه المنشآت. لكن الورقة التي نحن بصددها تذهب إلى بُعد آخر، هو البعد الاستيطاني الاقتصادي.
هذا البعد لا يقتصر على الأراضي التي تُقام عليها المكبات، وإنما يشمل أيضًا المناطق المحيطة بها وما يترتب على ذلك من ضم فعلي لمناطق إضافية من الضفة الغربية، بطريقة غير معلنة وغير رسمية، تمثل شكلًا من أشكال الزحف الاستيطاني الخفي والمتسارع على الأراضي الفلسطينية.
ويمكن ملاحظة ذلك في العديد من المكبات التي أُقيمت خلال السنوات الأخيرة، سواء كانت منشآت رسمية معلنة أو مكبات عشوائية. فالمكبات ليست مجرد مرافق للتخلص من النفايات، بل هي أداة استيطانية يستخدمها الاحتلال، شأنها شأن الاستيطان الرعوي، والبؤر الاستيطانية العشوائية، وإطلاق المستوطنين للاستيلاء على الأراضي وتهجير التجمعات الفلسطينية. إلا أن ما يميز مكبات النفايات أنها، إلى جانب السيطرة على الأرض، تفقدها قيمتها الاقتصادية.
فحتى لو استُعيدت هذه الأراضي مستقبلًا، تكون قد خسرت قدرتها الإنتاجية وقيمتها الاقتصادية كأراضٍ زراعية، نتيجة تعرضها للملوثات والمواد السامة، فلا تعود صالحة للزراعة أو للرعي أو للاستثمار، إذ لا أحد يرغب في الاستثمار بأرض مجاورة لمكب نفايات أو مكرهة بيئية.
وهذا يعني عمليًا إعدامًا اقتصاديًا ليس فقط للأرض التي يُقام عليها المكب، وإنما أيضًا للأراضي الواقعة ضمن محيطه، والتي قد تمتد لعدة كيلومترات. وكما أشرت في الورقة، فإن الطرق المؤدية إلى هذه المكبات، والبنية اللوجستية المرتبطة بها، ومناطق الحماية الأمنية المحيطة بها، تتحول جميعها إلى مساحات غير قابلة للاستخدام، كما تصبح غير ملائمة للحياة الاجتماعية بسبب وقوعها الدائم تحت السيطرة والإجراءات الأمنية الإسرائيلية.
"عرب 48": الاحتلال يضرب هنا عصفورين بحجر واحد، إن صح التعبير؛ فمن جهة يتخلص من المواد الملوِّثة والسامة خارج مناطقه السكنية، ومن جهة أخرى يستخدم مكبات النفايات أداةً استعمارية للتوسع الاستيطاني والاستيلاء على المزيد من الأراضي. وقد أشرتِ في هذا السياق إلى أمثلة على انتشار هذه المكبات في محيط القدس ورام الله على وجه الخصوص؟
عزام: نعم، هناك عدة مواقع تنتشر في قلب الضفة الغربية، ولا سيما في مناطق التماس. وآخر هذه المشاريع أُعلن عنه عام 2025، حين سلّمت سلطات الاحتلال السكان إخطارات بإخلاء أراضٍ في قرية قلنديا، شمال القدس، تمهيدًا لإقامة مشروع ضخم لمعالجة النفايات وتوليد الطاقة.
وقبل ذلك بنحو عام، أقام الاحتلال مشروعًا مشابهًا على أراضي بلدة أبو ديس، المحاذية للقدس. وهذا يدفعنا إلى ملاحظة أن الاحتلال يحاول إحكام السيطرة على المناطق المحيطة بالقدس ليس فقط عبر المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وإنما أيضًا من خلال منشآت اقتصادية وبنى تحتية، ومنها مكبات النفايات، بهدف قطع التواصل الجغرافي بين القدس وامتدادها الفلسطيني.
وفي المقابل، يستغل الاحتلال المناطق الحدودية، مثل رنتيس وبعض القرى الواقعة غرب الخليل والمحاذية للمستوطنات، لإفراغ المخلفات الصناعية والزراعية، بما فيها النفايات الطبية والكيميائية والإلكترونية، إضافة إلى نواتج الصرف الصحي، وتوجيهها نحو الأراضي الفلسطينية.
وبذلك يحقق هدفين في آن واحد؛ فهو يعزز سيطرته على المناطق التي يعدّها استراتيجية، وفي الوقت نفسه يتخلص من نفاياته بطريقة سهلة ومنخفضة الكلفة. فالقانون الإسرائيلي يفرض قيودًا صارمة على المنشآت الصناعية في كل ما يتعلق بالتخلص من النفايات داخل الخط الأخضر، الأمر الذي يجعل معالجتها هناك عملية مكلفة، ولذلك يجري نقلها إلى الضفة الغربية، حيث الكلفة أقل، والرقابة الفلسطينية شبه معدومة، فضلًا عن أن هذه السياسة تخدم المشروع الاستيطاني بصورة مباشرة.
"عرب 48": ما حجم الأراضي التي تؤثر فيها هذه المكبات في الضفة الغربية؟
عزام: لا توجد حتى الآن أرقام دقيقة تحدد المساحة الإجمالية التي تسيطر عليها هذه المكبات أو تتأثر بها بصورة مباشرة. لكن تقرير منظمة "بتسيلم"، الذي أشرت إليه، يتحدث عن 15 منشأة مرخصة تمتد على مساحات واسعة، بينما يتجاوز تأثيرها البيئي حدود المواقع التي أُقيمت عليها إلى مناطق أكبر بكثير.
ويضاف إلى ذلك عدد كبير من المكبات والمنشآت العشوائية المنتشرة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، والتي يصعب حصرها بصورة دقيقة، إلا أن التقرير يحدد مواقع عدد منها ويبين طبيعة المناطق المتضررة وآثارها البيئية والعمرانية والاقتصادية.
"عرب 48": ماذا بشأن مقاومة هذه الظاهرة، وهل توجد تحركات فلسطينية أو شكاوى أمام المؤسسات الدولية المعنية بالبيئة وحقوق الإنسان؟
عزام: قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أطلقت السلطة الفلسطينية حملة لمكافحة تهريب النفايات من داخل إسرائيل إلى الضفة الغربية بطرق غير قانونية، ولا سيما عبر المناطق المصنفة (ج). وشملت الحملة إغلاق عدد من المكبات العشوائية ومنع تهريب النفايات إلى الأراضي الفلسطينية.
لكن بعد اندلاع الحرب وما رافقها من إغلاقات وتشديد للإجراءات العسكرية، عاد الوضع بصورة أسوأ، إذ ازداد انتشار المكبات العشوائية، وسُنَّت تشريعات وإجراءات إسرائيلية سهلت إقامة منشآت جديدة لمعالجة النفايات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ورغم ذلك، ما زالت هناك أطر قانونية يمكن الاستناد إليها. فـقانون البيئة الفلسطيني يحظر إدخال المواد الضارة والسامة إلى الأراضي الفلسطينية، كما ينص على أن أي عمليات لمعالجة أو تدوير النفايات يجب أن تخضع لرقابة الجهات الفلسطينية المختصة.
وهناك أيضًا اتفاقية بازل الخاصة بالتحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، والتي تضع ضوابط واضحة لعمليات نقل النفايات بين الدول والأقاليم.
إلى جانب ذلك، فإن القانون الدولي الإنساني واضح في هذه المسألة؛ فالاحتلال ليس مالكًا للإقليم المحتل، ولا يملك حق التصرف في موارده أو استخدام أراضيه بما يخدم مصالحه الخاصة. وبالتالي فإن إقامة هذه المنشآت على الأراضي الفلسطينية تُعد مخالفة للقانون الدولي وللأعراف والاتفاقيات الدولية.
"عرب 48": لكن الاحتلال، كما نعرف، لا يقيم وزنًا لهذه القوانين والأعراف، ولا يبدو أنه يعبأ بما يخلّفه من تدمير للأرض والمجتمع الفلسطيني؟
عزام: صحيح. الاحتلال لا يعتدي على الأرض الفلسطينية فحسب، بل يستهدف أيضًا الجغرافيا والذاكرة والهوية المرتبطة بها. فما يحدث لا يقتصر على مصادرة الأرض أو تلويثها، وإنما يمتد إلى إعدام الذاكرة الجمعية المرتبطة بالمكان.
فكل أرض تحمل تاريخًا اجتماعيًا وإنسانيًا؛ فيها ذكريات العائلات، وعلاقاتها، وأنماط حياتها التي تشكلت عبر أجيال متعاقبة. وعندما يحوّل الاحتلال هذه الأراضي إلى مكبات للنفايات، فإنه لا يدمّر البيئة والاقتصاد فقط، بل يجرّد المكان من معناه، ويقطع الصلة بين الإنسان وأرضه، ويحوّل فضاءً ارتبط بذكريات الناس وحياتهم إلى مكرهة بيئية.
لهذا، فإن النظر إلى مكبات النفايات باعتبارها مجرد قضية بيئية أو صحية لا يكفي. فهي جزء من منظومة استعمارية أشمل، تستخدم أدوات متعددة لإعادة تشكيل الحيز الفلسطيني، والسيطرة على الأرض، وإضعاف إمكانات التنمية المستقبلية، ودفع الفلسطينيين تدريجيًا إلى مغادرة المناطق المستهدفة.
د. رغد عزام كاتبة وباحثة أكاديمية متخصصة في مجالات التنمية الاقتصادية والاقتصاد الفلسطيني. حاصلة على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة الوطنية الماليزية (UKM)، وتعمل باحثة في مركز رؤية للتنمية السياسية في إسطنبول. أسهمت في تأليف وتحرير عدد من الكتب، ونشرت العديد من الدراسات والأبحاث المتخصصة في الاقتصاد الفلسطيني والتنمية والسياسات العامة.