منذ اندلاع الحرب على غزة، عاد مفهوم "عماليق" إلى واجهة الخطاب السياسي والديني في إسرائيل، بعدما استُحضر في تصريحات مسؤولين وقادة سياسيين وعسكريين، في سياق الحرب. وقد أثار هذا الاستخدام اهتمام باحثين في دراسات الإبادة الجماعية واللاهوت السياسي، باعتباره خطابًا يتجاوز الاستدعاء الديني إلى إنتاج تصور سياسي للعدو يشرعن العنف والإبادة.
في دراسة بعنوان "الإبادة الجماعية في غزة والإرث اللاهوتي - السياسي لمفهوم عماليق التوراتي"، نُشرت ترجمتها العربية في العدد الأخير من مجلة "قضايا" الصادرة عن مركز "مدار"، يتناول د. عبد عزام، الباحث المتخصص في فلسفة الدين، خطاب "عماليق" من خلال مقاربة اللاهوت السياسي، متتبعًا الجذور الدينية والسياسية لهذا المفهوم، وكيفية انتقاله من سردية توراتية إلى أداة في إنتاج صورة "العدو".
وتبحث الدراسة في الحمولة السياسية للاهوتية للسرديات التوراتية المتعلقة بـ"عماليق"، بوصفه نموذجًا أصليًا لمفهوم العدو كما صاغه الفيلسوف الألماني كارل شميت، كما تتتبع جينيالوجيا بناء الصهيونية للفلسطيني بوصفه "عدوًا عماليقيًا"، وصولًا إلى ما يعتبره الباحث توظيفًا لهذا التصور في محو الفلسطيني من ذاكرة "الحضارة" الغربية.
وتشير الدراسة إلى أن خطاب "عماليق" لم يبقَ محصورًا في الأوساط السياسية أو العسكرية، بل امتد إلى قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي. وتستشهد باستطلاع أجراه مركز "كورد" في الجامعة العبرية بالقدس في حزيران/ يونيو 2025، أظهر أن نحو 64% من الإسرائيليين وافقوا على المقولة: "لا يوجد أبرياء في غزة".
ويرى د. عبد عزام أن "عماليق" لا يمثل مجرد عدو من بين أعداء آخرين في المخيال الديني، بل يشكل مفهومًا مركزيًا في بناء صورة العدو داخل اللاهوت السياسي الإسرائيلي؛ فهو العدو الذي ترتبط إزالته بفكرة السيادة، وهو ما يفسر، بحسب الدراسة، حضور هذا المفهوم في الخطاب الإسرائيلي خلال الحرب على غزة.
في هذا الحوار مع "عرب 48"، يشرح د. عبد عزام كيف انتقل مفهوم "عماليق" من النص التوراتي إلى المجال السياسي الحديث، وعلاقته بفكر كارل شميت، وبناء مفهوم العدو، ودور هذا الإرث الديني - السياسي في الخطاب الإسرائيلي المعاصر.
"عرب 48": لطالما وظّفت الصهيونية وزعماؤها، ومن ثم قادة دولة إسرائيل، الإرث الديني التوراتي في خدمة مشروعهم السياسي والاستيطاني. ويبدو أن استدعاء مفهوم "عماليق" خلال الحرب على غزة جاء في هذا السياق، لكنه بلغ مستوى جديدًا من التوظيف السياسي للدين، بما حمله من دعوات إلى إبادة الفلسطينيين. في دراستك تناولت هذا الموضوع من خلال عدسة اللاهوت السياسي. كيف تقرأ هذا الاستخدام؟
عزام: تفرد الورقة معالجة خاصة لاستخدام مصطلح "عماليق" خلال الحرب على غزة، وتخرجه من السياق الذي جرى استخدامه فيه غالبًا ضمن الخطاب الحقوقي المتعلق بالعدالة الفلسطينية. وليس الهدف من ذلك التقليل من أهمية هذا الخطاب، وإنما محاولة وضع تشبيه الفلسطيني بالعدو "العماليقي" ضمن إطار آخر، هو الإطار اللاهوتي - السياسي، بما يسمح بفهم جانب آخر من المشروع الصهيوني وفهمه لذاته بوصفه مشروعًا معلمنًا.
ومن هنا، فإن خطاب "عماليق"، أو إبادة "عماليق"، بهذا المفهوم الديني المعلمن، يتيح فهم الصهيونية ومسألة السيادة المعلمنة، بالاستناد إلى إرث كارل شميت، الفيلسوف الألماني الذي تكمن أهميته في كشفه عن البعد اللاهوتي الكامن في الأسس السياسية للدولة العلمانية، التي تقدم نفسها باعتبارها متحررة من الإرث الديني.
يستخدم شميت مفهوم "العدو" بوصفه أساسًا لتعريف السياسة. وهو يرى أن تعريف العدو يرتبط بالجماعة السياسية، مستندًا إلى التمييز في التراث اليوناني والروماني بين العدو والخصم. فالخصم هو من تختلف معه في قضية أو موقف، وقد يكون قريبًا منك أو جارًا لك، أما العدو فهو من تقوم بينك وبينه عداوة وجودية، أي علاقة حياة أو موت تهدد وجود جماعة سياسية.
وهذا، في تقديري، يتقاطع مع مفهوم "عماليق"؛ فوفق الرواية التوراتية، كان "عماليق" عدوًا أراد إبادة اليهود، وفي المقابل أصبح هو نفسه عدوًا محكومًا عليه بالإبادة.
"عرب 48": بمعنى أن الصراع مع "العدو" هو صراع وجود؟
عزام: صحيح، لكن من المهم الإشارة إلى أن كارل شميت نفسه لم يتحدث عن "عماليق"، وهذا الربط هو اجتهاد تقدمه الورقة. فعندما يبحث شميت في تاريخ مفهوم العدو، يعود إلى القانون الروماني وإلى أفلاطون. وهذه نقطة مهمة، لأن العدو عنده ليس مفهومًا لاهوتيًا، وإنما مفهوم سياسي.
لكن تعريف شميت للعدو يتقاطع بصورة لافتة مع مفهوم "عماليق". فـ"عماليق" في الرواية التوراتية يجسد العدو الذي يهدد وجود الجماعة السياسية، وفي المقابل يصبح العدو، وفق هذا المنطق، قابلًا للقراءة بوصفه "عماليق".
وهذا مهم بالنسبة لنا ليس في إطار لاهوتي صرف، وإنما في إطار لاهوتي-سياسي؛ أي في إطار الدين حين يدخل المجال السياسي. فنحن لا نتحدث هنا عن الدين المسياني، بل عن المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا قوميًّا يسعى إلى إقامة دولة حديثة علمانية، لكنه يوظف الإرث الديني في بناء هويته السياسية.
ومن المهم أن أشير إلى أن هذه الورقة، عندما نُشرت في ألمانيا، أثارت ردود فعل، إذ نُشر مقال اتهمني بمعاداة السامية.
أحاول في الدراسة إخراج قصة "عماليق"، التي يتمحور جزء منها حول شاول الذي أُمر بإبادته، من إطارها التوراتي فقط، وقراءتها من خلال مفهوم شميت للعدو والسيادة. والمثير في هذه القصة أن إبادة "عماليق" ترتبط بالسيادة ارتباطًا مباشرًا.
فالأمر الإلهي لا يأتي قبل قيام المملكة أو قبل الوصول إلى الأرض، وإنما بعد الاستقرار فيها والانتصار على الأعداء الآخرين. عندها يأتي الأمر بمحو "عماليق": "عندما يمنحك الرب الراحة في الأرض التي أعطاك إياها، فامحُ ذكر عماليق".
"عرب 48": هل يعني ذلك أن "عماليق" ليس حجر عثرة أمام تحقيق المشروع، بل يصبح مرتبطًا بتثبيت السيادة نفسها؟
عزام: نعم، يمكن أن يتحول إلى تهديد سياسي، لكنه مرتبط بوجود سياسي محدد. والنقطة الأهم هي أن شاول، عندما فشل في تنفيذ الوصية أو الأمر الإلهي بإبادة "عماليق"، لم يجد أمامه سبيلًا سوى فقدان الملك.
بمعنى أن سيادة الملك تنتهي عند النقطة التي يفشل فيها بتنفيذ الأمر الإلهي ومحو "عماليق". وهنا يصبح القضاء على "عماليق" جزءًا من تعريف السيادة نفسها.
"عرب 48": وبهذا المعنى يصبح "عماليق" العدو الأبدي الذي ترتبط السيادة بالقضاء عليه؟
عزام: بالضبط. إنه العدو الأبدي الذي يجب محوه ومحو ذكراه في الوقت نفسه. وهنا تظهر مفارقة مهمة: عليك أن تتذكر أنك يجب أن تمحو ذكره. أي إن محو الذكرى يصبح غير ممكن إلا من خلال تذكر ضرورة المحو. وهنا تكمن أبدية "عماليق"، ومن هنا تأتي أهمية قصة شاول.
"عرب 48": أشرت إلى أن الصهيونية استخدمت مفهوم "عماليق" في السياق الفلسطيني منذ ثورة عام 1936. كيف تطور هذا الاستخدام؟
عزام: في البداية كان التشبيه ذا طابع خطابي أكثر منه سياسيًا أو عمليًا. لكنه تطور بعد الانتفاضة الثانية، ثم أخذ بعده العملي خلال حرب الإبادة على غزة.
ولاحظ أن الشخصية المركزية هنا ليست بن غفير، وإنما نتنياهو. وهذا يسمح لنا بفهم، كما تشير الدراسة، كيف عملت الصهيونية على علمنة اليهودية، بل وتحويل الصهيونية نفسها إلى صيغة معلمنة لليهودية.
وهذا يساعد أيضًا في فهم نقد شميت للديمقراطية الليبرالية والدولة الحديثة. فهو يرى أن الدولة الحديثة لا تخلو من أبعاد لاهوتية، وأن لها عدوًا ينبغي البحث عنه في المجال السياسي أو اللاهوتي - السياسي.
وينطبق الأمر ذاته على إسرائيل بوصفها دولة حديثة علمانية توظف الإرث الديني - السياسي وتحوله إلى ثقافة سياسية، ليس فقط بالمعنى البسيط للثقافة، وإنما بالمعنى السياسي أيضًا.
"عرب 48": تشير في الدراسة إلى علاقة هذا الخطاب بمسألة الشر والخير، وبقراءة الإبادة من منظور سياسي؟
عزام: نعم. هناك هنا ما يمكن ربطه بنقد نيتشه للأخلاق. فالإبادة، وفق المنظور الأخلاقي، هي فعل سيئ يستوجب الإدانة والعقاب. لكن منطق السياسة يعمل بطريقة مختلفة؛ فهو يحاول إخراج الفعل من ثنائية الخير والشر، والنظر إليه بوصفه فعلًا له دوافعه وشروطه السياسية.
والتفسير الذي أحاول تقديمه هو تفسير يتعلق ببنية السيادة والخوف. فعندما نتحدث عن قصة شاول، فإنها لا تدخل ضمن معادلتنا الأخلاقية الحديثة. فشاول، وفق الرواية التوراتية، قتل الرجال والنساء والأطفال تنفيذًا للوصية، لكنه أخطأ لأنه لم ينفذ الأمر كاملًا، إذ أبقى على ملك "عماليق" وبعض الحيوانات الثمينة التي أراد الاستفادة منها.
لم يكن فشله لأنه أشفق على الأطفال والنساء، وإنما لأنه لم ينفذ الأمر الإلهي كما طُلب منه. لذلك، ووفق الرواية نفسها، كانت خطيئته عصيان الأمر، لا رفض العنف.
"عرب 48": قلت إن إبادة "عماليق" بوصفه العدو الأبدي ترتبط بالسيادة. كيف يظهر ذلك؟
عزام: صحيح. فالملك يفقد سيادته إذا لم ينفذ الوصية بمحو "عماليق". وهنا يظهر موضوع الخوف؛ لكنه ليس خوفًا من العدو فقط، بل خوف من الإخفاق في تنفيذ الأمر، وبالتالي فقدان الشرعية والسيادة.
إنه خوف ذو مرجعية ذاتية؛ خوف من ارتكاب الخطيئة، ومن أن يؤدي عدم تنفيذ الأمر إلى سقوط مكانة الملك نفسه. لذلك فالمسألة لا تتعلق فقط بالخطر الذي يمثله العدو، وإنما بعلاقة الحاكم بالسيادة التي يعتقد أنه يحملها.
"عرب 48": هذا ينطبق على حالة شاول، لكن ماذا عن حالة نتنياهو؟
عزام: نتنياهو وصف الحرب على غزة بأنها حرب "القيامة" أو "البعث"، أي حرب وجود: إما أن تكون أو لا تكون. وهنا يدخل السؤال الوجودي: إما أن تقتل العدو أو يقتلك العدو، إما أن تكون أنت صاحب السيادة أو يصبح هو صاحب السيادة. وهذا يعيدنا إلى عام 1948 في الذاكرة الصهيونية، حيث تُقدَّم تلك الحرب بوصفها حرب وجود بالنسبة إلى إسرائيل.
عرب 48: وفق الرواية الصهيونية طبعًا؟
عزام: بالتأكيد، وفق تفسيرهم للتاريخ. والسؤال الأساسي هو: إلى أين يقودنا هذا التفسير؟
إنه يقودنا إلى مسألة السيادة. فـ"عماليق" هو الاسم الإسرائيلي الخاص للعدو الذي تحدث عنه شميت؛ ولذلك يجري تمثيل الفلسطينيين أحيانًا بوصفهم "عماليق"، أي بوصفهم خطرًا يهدد الوجود السياسي لإسرائيل.
ومن هنا، فإن استخدام مفهوم "عماليق" في خطاب نتنياهو، وفي الخطاب الإسرائيلي عمومًا خلال الحرب على غزة، لا يمكن فهمه باعتباره مجرد خطاب تعبئة للجنود أو حثٍّ على القتال، وإنما يتضمن، ضمن منطقه اللاهوتي - السياسي، دعوة إلى الإبادة.
نبذة عن د. عبد عزام
د. عبد عزام حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، ومتخصص في فلسفة الدين. درّس في عدد من الجامعات في ألمانيا والولايات المتحدة.
صدر له عن دار نشر جامعة كولومبيا عام 2015 كتاب: Nietzsche versus Paul وتركز أبحاثه على موضوعات في اللاهوت السياسي، والدراسات الألمانية، والدراسات الفلسطينية.