09/08/2026 - 19:51

حوار مع د. نسيبة: المحكمة العليا الإسرائيلية من سياسة عدم الاختصاص إلى شرعنة "حق اليهود في الأقصى"

"تنظر الدراسة أساسًا في موضوع "حق العبادة" وتعامل المحكمة مع هذا الحق في حقب مختلفة. الحقبة الأولى هي الحقبة التي امتنعت فيها المحكمة الإسرائيلية عن بحث موضوع المسجد الأقصى بشكل كامل، واعتبرته خارج نطاق اختصاص المحاكم الإسرائيلية"

حوار مع د. نسيبة: المحكمة العليا الإسرائيلية من سياسة عدم الاختصاص إلى شرعنة

صورة توضيحية (Getty images)

في دراسة بعنوان "القضاء كأداة تهويد..."، نُشرت مؤخرًا في دورية “المقدسية” الصادرة عن جامعة القدس، يتناول د. منير نسيبة التطور المنهجي والخطير لقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية المتعلقة بالمسجد الأقصى المبارك بين عامي 1968 و2024؛ بدءًا من مبدأ الامتناع عن التدخل القضائي في الشؤون الدينية عام 1968، مرورًا بفرض الولاية القضائية، ووصولًا إلى تأسيس "حق مبدئي" لليهود في الصلاة داخل المسجد الأقصى عام 1993، وبالتالي إخضاع ممارسة هذا الحق للتقييمات الأمنية لشرطة الاحتلال.

وتعالج الدراسة هذا التحول باعتباره أداة استعمارية تهدف إلى تقويض الوضع التاريخي والقانوني، وشرعنة فرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد. كما تناقش بطلان هذه القرارات من منظور القانون الدولي، مؤكدة أن التذرع بحرية العبادة هو توظيف مشوه يتعارض مع مبدأ حصانة الأماكن المقدسة وحماية حقوق المجموعة المالكة، وأن الممارسات الإسرائيلية ترقى إلى مستوى جريمة الاضطهاد الممنهج.

وتتبع الدراسة المسار التاريخي والقانوني لقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية تجاه المسجد الأقصى، وتفكك مبادئها، وتكشف عن الدور الاستعماري الذي تلعبه المنظومة القضائية في شرعنة الانتهاكات الإسرائيلية وتحويل "الحقوق الدينية" المزعومة إلى قواعد قانونية، وتفنيد الحجج القانونية الإسرائيلية في ضوء القانون الدولي، وإثبات بطلانها ومخالفتها التزامات القوة القائمة بالاحتلال.

وتلفت الدراسة إلى دلالات استخدام المحكمة مصطلح “جبل الهيكل” في إشارتها إلى المسجد الأقصى المبارك، وتجاهلها التام للتسمية الإسلامية والتاريخية والقانونية للمكان، بوصفه استخدامًا منهجيًا، وليس مجرد خيار لغوي عفوي، بل أداة قانونية ومعرفية تهدف إلى طمس الهوية الإسلامية للمكان، وتأطير النزاع القضائي بأسره داخل الرواية الكولونيالية والصهيونية، من خلال فرض هذه التسمية في الوثائق والأحكام.

وتنطلق المحكمة في تأسيسها القانوني، وفقًا للدراسة، من فرضية مسبقة تعتبر أن المكان هو إرث يهودي خالص في أصله، وهو ما يسهل عليها لاحقًا تبرير وتأسيس "الحقوق" المزعومة لليهود فيه، محولة المسلمين إلى مجرد "طرف آخر" يمتلك وضعًا قائمًا يجب موازنته مع "أصحاب حق آخرين"، وفق زعمها.

وتغطي الدراسة فجوة بحثية في الدراسات القانونية التي غالبًا ما تركز على الجوانب السياسية والأمنية للاحتلال، متجاهلة “الحرب القانونية” التي تُدار داخل أروقة المحاكم. وتزداد أهمية البحث في ظل المعطيات الراهنة (2025-2026)، إذ بات القضاء الإسرائيلي لا يكتفي بالمصادقة على الانتهاكات، بل يمهد الطريق قانونيًا لتنفيذ تقسيم زماني ومكاني شامل، ما يجعل من الضروري تفكيك هذه الآليات قضائيًا وقانونيًا قبل أن تتحول هذه “الاجتهادات” إلى واقع قانوني يصعب نقضه.

د. منير نسيبة

ولإلقاء المزيد من الضوء على الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع د. منير نسيبة.

"عرب 48": يُستدل من تتبعك لقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية المرتبطة بالمسجد الأقصى المبارك أن المحكمة تبنت، خلال الفترة الممتدة من عام 1968 وحتى عام 1993، أي على مدى ربع قرن من عمر الاحتلال، توجهًا يقضي بعدم التدخل في شؤون المسجد الأقصى، لتكسر هذا القرار عام 1993، وتشرعن، في سابقة قانونية، حق اليهود في الصلاة في المسجد الأقصى، وتحول ممارسة هذا الحق إلى قضية إجرائية تخضع لتقييمات شرطة إسرائيل؟

نسيبة: في البداية، أود التنويه بأن هذا البحث تناول جانبًا واحدًا فقط من جوانب قضية المسجد الأقصى المبارك تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ وبالتالي، فهو ليس بحثًا شاملًا، بل يقتصر على الانتهاكات الإسرائيلية المرتبطة بما يسمى “حق اليهود في العبادة في حرم المسجد وساحاته أو أي مكان فيه".

هذا مع التأكيد أننا، من جهتنا، نعتبر أن كل المساحة البالغة 144 دونمًا، والتي تشمل المباني والقباب والساحات والشجر وكل شيء داخل البوابات، هي المسجد الأقصى المبارك، ولا يوجد فرق لدينا، كمسلمين، بين داخل قبة الصخرة أو داخل المسجد القبلي وبين الساحة التي نتحرك فيها. وعندما يصلي المسلم في أي مكان في المسجد، ينال الأجر نفسه، سواء صلى تحت شجرة أو داخل مبنى؛ وبالتالي، فإن هذا التصنيف بأن هناك مسجدًا وهناك ساحة هو تصنيف إسرائيلي لا نعترف به.

"عرب 48": هم يحاولون في الآونة الأخيرة تثبيت حالة مفادها أن المسجد يقتصر على الأماكن المغلقة ولا يشمل الساحات، خدمة لتنفيذ مخططاتهم المبيتة. ولكن دعنا نعود إلى الجانب القانوني الذي كان موضوع الدراسة، ومسألة تطور، أو تدهور، موقف المحكمة العليا الإسرائيلية، وصولًا إلى شرعنة حق اليهود في الصلاة في المسجد والتمهيد للتقاسم الزماني والمكاني؟

نسيبة: تنظر الدراسة أساسًا في موضوع "حق العبادة" وتعامل المحكمة مع هذا الحق في حقب مختلفة. الحقبة الأولى هي الحقبة التي امتنعت فيها المحكمة الإسرائيلية عن بحث موضوع المسجد الأقصى بشكل كامل، واعتبرته خارج نطاق اختصاص المحاكم الإسرائيلية، والذي أعتقد أنه كان أفضل موقف ممكن أن تتخذه المحكمة في تلك الظروف.

وكما هو معروف، فإنه بعد ضم القدس الشرقية عام 1967، بدأت، ابتداءً من العام التالي، 1968، مجموعات يهودية تطالب بحقوق في المسجد الأقصى، حقوق عبادة وما إلى ذلك، من ممارسة صلوات أو طقوس أخرى داخل المسجد، وتوجهت إلى المحكمة العليا لتعينها على ذلك، إلا أن جواب الأخيرة كان بأن موضوع المسجد الأقصى والأماكن المقدسة في القدس خارج اختصاصها، وصمدت على هذا الموقف، رغم الالتماسات المتكررة، حتى عام 1993.

"عرب 48": لماذا عام 1993، وبعد ربع قرن من الاحتلال وضم القدس؟

نسيبة: من الملاحظ أن الكثير من الأمور تغيرت بعد دخول عملية السلام، وازدادت سوءًا بعد أوسلو، عوضًا عن أن يحدث العكس. وإذا ما خرجنا قليلًا عن الموضوع، نلاحظ أن إسرائيل كثفت من بناء المستوطنات بعد عملية السلام، وزادت من سحب هويات المقدسيين، والتهجير، وهدم البيوت، وبناء شوارع التفافية، وغيرها من الإجراءات التي تكشف أنها لم تدخل هذه العملية بحسن نية وبهدف التوصل إلى حل سياسي، بل لأجل تحقيق مكتسبات جديدة من الحالة المريحة التي وفرتها لهم عملية السلام، خصوصًا على المستوى الدولي، إذ أخرجت إسرائيل من عزلتها الدولية بعد أن كانت مقاطعة عالميًا من التكتلات المتضامنة مع الفلسطينيين في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية والعالم العربي.

"عرب 48": كما قلت، هم لم يدخلوا عملية السلام بحسن نية، وأرادوا استغلالها واستثمار الأجواء التي خلقتها لتثبيت حقائق على الأرض وقطع الطريق على حلول سياسية محتملة. وربما تكون القدس قد عانت أكثر من غيرها من سياسات العزل والهدم وسحب الهويات، كما ذكرت؟

نسيبة: صحيح، هذا دليل على أن هدف عملية السلام كان شراء الوقت لنشاطهم الاستعماري، بينما كان جوابهم للفلسطينيين والعالم بأن “عملية السلام شغالة”.

في ظل هذا الوضع، كسرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها السابق، وقررت، لأول مرة عام 1993، أن لديها اختصاصًا للنظر في موضوع الأقصى، وهو تغيير كبير جدًا غيّر جميع المفاهيم التي تعودنا عليها بما يتعلق بالأقصى. ولم تكتف المحكمة بذلك، بل أعلنت، أو شرعنت، في قرارها الذي قاده القاضي أهارون براك، والذي أصبح لاحقًا رئيسًا للمحكمة، وارتبط اسمه بحقوق الإنسان وله العديد من المؤلفات في هذا المجال، حق اليهود في الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، في قرار قضائي غير مسبوق.

علمًا أن القاضي براك، الذي يشتهر بنظرية “التناسب” التي توازن بين حقوق متناسبة أو متنافسة، بمعنى تقييد حق بهدف إطلاق حق آخر، طبق هذه النظرية في قرار حكمه المذكور، وقال إن لليهود حقًا في الصلاة في المسجد الأقصى، الذي أسماه “جبل الهيكل”، ولكن هذا الحق يتضارب مع الأمن، لأن صلاة اليهود في الأقصى من شأنها أن تخلق مشاكل أمنية في القدس والضفة، وربما مناطق أخرى؛ وبالتالي، يمكن تقييد حق اليهود في الصلاة من قبل الشرطة الإسرائيلية لمنع هذه المشاكل الأمنية.

"عرب 48": بمعنى أنه أعاد الموضوع إلى الشرطة الإسرائيلية؟

نسيبة: براك، بقراره هذا، أعطى غطاءً قانونيًا لما يسمى حق اليهود في المسجد الأقصى المبارك، ونقل مسألة ممارسة هذا الحق إلى الشرطة الإسرائيلية لتقرر، في كل ظرف وآخر، واستنادًا إلى المعطيات الأمنية، كيفية ممارسة هذا الحق، وجعلها صاحبة الحل والربط في هذا الموضوع.

ومنذ تلك اللحظة، تتصرف المحاكم الإسرائيلية بالشكل نفسه، إذ أصبح هذا هو المنطق القانوني السائد الذي تسير عليه هذه المحاكم؛ بمعنى أن هناك حقًا غير مشكوك فيه لليهود في الصلاة في الأقصى، ومعترفًا به قانونيًا، وأن هذا “جبل الهيكل” المهم لليهود، من دون أي ذكر لـ”الستاتوس كو”، أو ذكر للمسلمين وحقهم.

ومن المهم الإشارة، في هذا السياق، إلى أن دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس لديها موقف قديم ما زال قائمًا، يقضي بعدم الاحتكام إلى المحاكم الإسرائيلية والقانون الإسرائيلي في أي قضية تتعلق بالموقف من المسجد الأقصى. وإذا سألتني، أقول لك إن هذا موقف صحيح، لأنه لا توجد فائدة من أي براغماتية في هذا الموضوع.

"عرب 48": نقل الموضوع إلى الشرطة الإسرائيلية، بعد شرعنة الحق، أعطى "زخمًا لمجموعات المستوطنين"، وعظّم من وتيرة الاقتحامات للمسجد الأقصى، وسط صمت المحكمة العليا الإسرائيلية وإعطاء القضاء الإسرائيلي الضوء الأخضر لهذه الانتهاكات؟

نسيبة: طبعًا، خلال السنوات الماضية، تصاعدت قوة ما تسمى “مجموعات الهيكل” التي تحاول خلق واقع جديد في الأقصى، وتعمل على ذلك بنشاط، من خلال الحركة على الأرض، والاقتحامات، ومحاولة إقامة طقوس وصلوات داخل المسجد وساحاته، في ظل إرخاء الحبل من قبل الشرطة.

"عرب 48": هل حصل تآكل في موقف المحكمة العليا خلال تلك الفترة، أم بقي على ما هو عليه؟

نسيبة: المحكمة لم تغير المبدأ القائل إن الموضوع يعود إلى الشرطة بصفتها المسؤولة عن الأمن، في حين أن التآكل حصل في موقف الشرطة، والمشاكل بدأت قبل بن غفير. وعندما جاء بن غفير إلى السلطة، كان الأقصى موجودًا على أجندته، فأخذ يقوم بالاقتحامات ويقودها، ويصلي في الأقصى بصفته الرسمية. وعندما لم تعجبه تحفظات قائد شرطة القدس، قام باستبداله بقائد آخر يتوافق مع أجندته.

اليوم، نلاحظ أن اليهود يقومون بالصلاة بشكل يومي في مناطق مختلفة من حرم المسجد، بينما يركزون أساسًا على المناطق الشرقية القريبة من باب الرحمة والسور الشرقي والبلدة القديمة كلها. وفي “التاسع من آب” الماضي، قاموا بنصب مظلات، لأول مرة، في مناطق معينة والصلاة تحتها. وهم يحاولون الاستيلاء على مصلى “باب الرحمة” الذي كانت الشرطة الإسرائيلية قد أغلقته، وأمرت دائرة الأوقاف بفتحه مؤخرًا.

"عرب 48": المحكمة العليا الإسرائيلية، حتى عندما تولى بن غفير مسؤولية الشرطة وأصبح "حاميها حراميها"، كما يقولون، أبقت على إطلاق يدها في الأقصى، ولم تغير توجهها؟

نسيبة: صحيح، هي اكتفت بإطلاق يدي بن غفير، الذي أصبح يمتلك صلاحيات واسعة جدًا، ولا يقف أمامه أي شيء سوى التخوف من ردات الفعل الفلسطينية.

"عرب 48": موقف المحكمة العليا لا يخرج عن سياق موقفها من الفلسطينيين في قضايا الاحتلال والاستيطان والقمع والجدار والتعذيب وغيرها؛ بمعنى أن ليبراليتها تنتهي عند الفلسطينيين. ولكن دعنا ننتقل إلى مخطط التقسيم الزماني والمكاني الذي تريد الوصول إليه هذه الجماعات المدعومة من المؤسسة الإسرائيلية، وموقف المحكمة العليا الإسرائيلية منه؟

نسيبة: التقسيم الزماني والمكاني هو مسألة لم تناقشها المحكمة العليا بشكل واضح وصريح؛ لأنه، بكل بساطة، لم يُطرح أمامها. ولكنها هي التي أرست المبدأ الذي يترك للشرطة، مع الوقت، أن تنظم موضوع التقسيم أو ممارسة حقوق العبادة في المسجد الأقصى.

فهي من تسمح للجماعات اليهودية باقتحام المسجد، وتقوم بحراستهم، وتُبعد حراس الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف عن المكان، وتقيد حقوق الدائرة في إدارة المسجد وترميمه وصيانته. ونحن نرى أن سلوك الشرطة يختلف، مع الوقت، بشكل كبير، والقادم أسوأ.

"عرب 48": تعني فرض وقائع على الأرض في مسألة التقسيم؟

نسيبة: صحيح، فإذا ما تتبعنا مسار بن غفير والمجموعات المقتحمة، ومنهجيتهم وتقدمهم باتجاه خلق واقع جديد، نرى أن الموضوع يتعدى مسألة التقسيم الزماني والمكاني باتجاه الهدف النهائي المتمثل، بكل بساطة، في بناء الهيكل. فهم لا يخجلون من ذلك، ولا يخافون لا منا ولا من غيرنا.


د. منير نسيبة: أستاذ مساعد في كلية الحقوق بجامعة القدس، ومدير عيادة القدس لحقوق الإنسان في الكلية، وهي أولى العيادات الحقوقية المعتمدة في فلسطين والعالم العربي. كما يشغل منصب مدير مركز العمل المجتمعي في البلدة القديمة بالقدس.

يحمل درجة البكالوريوس في القانون من جامعة القدس، ودرجة الماجستير في القانون الدولي من كلية واشنطن للقانون في الجامعة الأميركية في واشنطن العاصمة، ودرجة الدكتوراه من جامعة وستمنستر في لندن، بالمملكة المتحدة. وركزت أطروحته للدكتوراه على التهجير القسري في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، والقانون الدولي، والعدالة الانتقالية.