في دراسة بعنوان "عن الأصول الثقافية لإسرائيل الوقحة"، نشرت في مجلة "قضايا إسرائيلية"، يحاول الباحث مؤيد طنينة قراءة عقلية الجيش الإسرائيلي العملياتية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، من خلال الربط بين ما يسميها سمات الجرأة والمباغتة والابتكار وبين منظومة ثقافية ودينية أعادت الصهيونية إنتاجها، وفي مقدمتها مفهوم "الحوتسبا" (الجرأة الوقحة الإيجابية).
تنطلق الدراسة من فرضية أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لا يمكن فهمها بوصفها إجراءات تقنية فحسب، بل باعتبارها امتدادا لثقافة صهيونية مؤسساتية تمجّد كسر المألوف والمخاطرة وتحولهما إلى فضيلة وطنية. وتستعرض الدراسة نماذج عملياتية من حرب 2023 - 2025، من بينها تدمير 80% من قدرات الجيش العربي السوري بعد سقوط نظام الأسد، والإقدام على تحرير أربعة أسرى إسرائيليين من وسط مخيم النصيرات، وتنفيذ إنزال جوي في عمق الأراضي السورية لتدمير منشأة رسمية، وصولا إلى مباغتة إيران عبر عمليات تخللها استعراض للقدرات الاستخبارية للموساد، وعملية "البيغر"، وقصف مقر قيادة حماس في الدوحة، واغتيال قيادات إيرانية.
هذه العمليات وغيرها، التي جذبت اهتماما بحثيا وإعلاميا واسعا، تدعو، وفقا للدراسة، إلى استكشاف ما إذا كانت هناك "ثقافة" تحفّز الجيش الإسرائيلي على الجرأة الممزوجة بالوقاحة، خصوصا أن هذه السمات تمتد إلى ذهنية أعمق تستمد جذورها من مفهوم "الحوتسبا" (Chutzpah)، بما يحمله من معاني الجرأة الفائقة وكسر الحدود والتصرف خارج المألوف. ويحمل المصطلح، وفقا للدراسة، دلالات متباينة في التقليد اليهودي؛ فهو من جهة يحمل دلالات سلبية عندما يشير إلى الوقاحة وتحدي النظام الإلهي أو الاجتماعي، ومن جهة أخرى يحمل دلالات إيجابية، أي الجرأة الأخلاقية أو الإيمانية التي تمكّن الأنبياء والحكماء من تحدي الواقع والوقوف في وجه الظلم أو المستحيل.
وفي سياق إعادة التأويل، انتقت الصهيونية من المعاني والحمولات المتعددة لـ"الحوتسبا" تلك الدلالات التي تحمل معاني التعدي على النظام الأخلاقي، ووظفتها في سياقات سياسية وعسكرية واستخبارية، لتتجاوز المجال الأخلاقي وتصبح منطق عمل وتصرف. وعليه، يمكن النظر إلى الجرأة العملياتية الإسرائيلية بوصفها امتدادا تاريخيا وثقافيا لمنطق تأسيسي يرى، وفقا للدراسة، في كسر المألوف شرطا للوجود والنجاح، وأن عجز العقلية الصهيونية عن الإبداع يساوي الخراب، أي "نهاية الشعب اليهودي".
ومن هنا تنطلق الدراسة إلى الادعاء بأن المباغتة العالية والوقاحة السياسية الإسرائيلية، من التوغل في عمق أراضي دول ذات سيادة إلى تنفيذ اغتيالات وضربات في عواصم إقليمية حليفة للولايات المتحدة، أو تنفيذ عمليات عسكرية عالية الكلفة المدنية، لا تعبّر فقط عن ثقة عسكرية، بل عن ذهنية ترى في كسر القواعد والمخاطرة المفرطة تأكيدا على التفوق والاستثنائية؛ وهي ليست انحرافا عن المسار، بل مواصلة له.
ولإلقاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع الباحث مؤيد طنينة.
"عرب 48": "الحوتسبا" مفهوم شائع إسرائيليا، ويتجاوز السلوك الاجتماعي إلى مجالات أخرى. ولا يُنظر إليه بمنظار سلبي كما يوحي المعنى الحرفي للكلمة، بل يُحمّل بالعديد من الدلالات الإيجابية، ويُستخدم للتعبير عن صفات استثنائية يتمتع بها اليهودي أو الإسرائيلي. وربما يمنح، في هذا السياق، اليهودي أو الإسرائيلي حقوقا وامتيازات عن الآخرين، انطلاقا من استثنائيته وتفوقه عليهم، كما يبرز ذلك في بعض العمليات العسكرية التي أشرت إليها في الدراسة، والتي تتسم ليس بالجرأة فقط، بل بالتجرؤ على تحطيم القواعد والأعراف والقوانين الإنسانية والدولية، والتعامل مع ذلك كأنه حق ممنوح للإسرائيلي دون غيره. هل يتم تبرير ذلك أيضا من خلال تأويل توراتي؟
طنينة: في البداية، أتمنى أن أكون قد وفقت في الدراسة في البحث عن شيء جديد ومفيد للمجتمع المعرفي الذي يحاول تفكيك هذه المنظومة الاستعمارية إبستمولوجيا، والبحث عن مساحات ربما لم تكن متداولة من قبل.
من جهتي، جاء اهتمامي بهذا الموضوع بحكم دراستي في "الدراسات الإسرائيلية" بجامعة بير زيت، وتحديدا ضمن مساق الصهيونية الذي تدرّسه د. هنيدة غانم. ثم تُرجم الاهتمام بهذه المفردة إلى إجراء بحث يتناولها ويتناول دلالاتها واستخداماتها.
وعند الشروع في البحث والتنقيب، وجدت أن غالبية الأدبيات التي تتحدث عن الموضوع تتمحور حول المجالات التكنولوجية و"الستارت أب" وغيرها. لكن خلال عملية البحث والكتابة مع مركز "مدار"، والتشاور مع طاقم تحرير المجلة، توجهت للبحث في مساحة جديدة من "الحوتسبا" مرتبطة بالسلوك العسكري الإسرائيلي، خاصة أن هناك شيئا لافتا يبرز في الاستعراضات التي تحاول إسرائيل القيام بها وتمارسها من خلال عمليات عسكرية تظهر هذه النزعة الوقحة، أو "الحوتسبا".
"عرب 48": معروف أن توظيف الموروث الديني والتوراتي من قبل الصهيونية وإسرائيل يمتد إلى العديد من المفردات والمواضيع، ومنها المجال العسكري. وقد أعطيت في دراستك العديد من الأمثلة التي تنطوي على هذه "الجرأة الوقحة"، وأشرت إلى أنها بدأت مع نشوء المنظمات العسكرية الصهيونية واستمرت مع دولة إسرائيل، لتكسب الجيش الإسرائيلي نوعا من الفرادة والتميز. ما مدى تأثير الموروث الديني وحصته من العوامل الأخرى في هذه العمليات؟
طنينة: إذا ذهبنا بعيدا بعض الشيء، نستطيع القول إن الصهيونية نفسها هي عملية تأويل مستمر للتراث اليهودي؛ بمعنى أن نشأتها هي عملية تأويل لليهودية ولمفردات من التراث الديني منذ البداية: تحويل المملكة السماوية إلى مملكة أرضية، وأطروحات الصهيونية الدينية، سواء لدى أبراهام كوك أو غيره، الذين قرروا تحويل الديني إلى قومي، ليصبح استعمارا بالضرورة، بتعبير د. هنيدة غانم، لأن الأرض المقدسة بحسب الكتاب المقدس هي فلسطين، وهي بلد عامر بأهله، وتحويل الفكرة الدينية إلى فكرة قومية يعني استعمار هذا البلد وطرد أهله والاستيطان فيه.
الصهيونية نشأت على فكرة تأويل الكتاب المقدس وتحويل الديني إلى دنيوي، والتراث الديني حاضر بكثافة في الفكر والممارسة الصهيونيين بكل أشكالهما السياسية والاجتماعية والعسكرية. وقد رأينا أن الجيش الإسرائيلي يحمل سرديات مثل "الجيش الذي لا يُقهر" و"القلة التي غلبت الكثرة"، وهي تندرج ضمن "بروباغندا" فاعلة، وتتقاطع مع الادعاء بأن هناك إبداعية وأن هناك جرأة متأصلة.
ما تحاول إسرائيل قوله هو أن "الحوتسبا" شيء جوهراني متمثل في جوهر اليهودي، ولذلك يكون اليهودي مبدعا في العمل العسكري وسبّاقا في كسر التقاليد. لكن هناك عوامل أخرى أشرت إليها في الدراسة في سياقات مختلفة، منها أن إسرائيل دولة استعمارية تابعة لحلف استعماري يضم دولا كبرى، وهي دولة مارقة إلى حد ما، لا تضع اعتبارا للأعراف والقوانين الدولية، وهي تستغل ذلك وتقدمه على أنه "حوتسبا" وخاصية فريدة لليهودي، علما أن "الحوتسبا" مرتبطة أصلا بالعلاقة مع الرب، لكنهم نجحوا في تأويلها وتحويلها إلى مفهوم دنيوي، مثل فكرة "الشعب اليهودي" و"الأرض المقدسة".
"عرب 48": معروف أن الصهيونية الدينية بشكلها الحالي نشأت في وقت متأخر، خاصة بعد احتلال عام 1967، وتولت عملية الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، وارتبطت بها حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية. وفي المقابل، فإن مؤسسي الصهيونية الأوائل، من هرتسل إلى بن غوريون، لم تكن لهم صلة مباشرة بالدين، ومع ذلك كانوا من أوائل من أوّلوا الدين ووظفوه في خدمة الأهداف الاستعمارية للحركة الصهيونية المرتبطة بقوى الاستعمار العالمي.
لكن سؤالي هو: ألا يمكن القول إن الدعم غير المحدود، الأميركي وغير الأميركي، الذي تحظى به إسرائيل هو ما يجعلها فوق القانون ويوفر لعملياتها غطاء لا يتوفر لأي دولة في العالم، ويحوّلها بالتالي إلى عمليات خارقة واستثنائية، وليس بالضرورة إلى تعبير عن الجرأة العسكرية؟
طنينة: العلمانيون هم من بدأوا التأويل، والصهيونية الدينية أكملت الطريق. وهذا التأويل هو ما يشرعن الاستيطان في الضفة الغربية دينيا. العلمانيون استخدموا "الكتاب المقدس" للحشد والتحشيد لأهدافهم، ثم أصبح التراث اليهودي محفزا لهذه العملية الاستعمارية وتكثيفها.
وما زالت الصهيونية بأشكالها المختلفة تلجأ إلى التراث الديني اليهودي وتأويلاته وتوظفه في مختلف المجالات. وفكرة "الحوتسبا" هي أحد العوامل التي يغذّون بها الفرادة العسكرية الإسرائيلية، إلى جانب عوامل أخرى، كما ذكرنا، مثل سرديات "الجيش القوي" و"الجيش الذي لا يُقهر" وغيرها.
"الحوتسبا" التي استنبطوها من التراث اليهودي هي المظلة لسرديات الجيش المبدع والجيش القوي، وأطروحات أفيف كوخافي حول الجيش الخلّاق والتقني، وهي تقاطع بين العسكري والتكنولوجي. وكلنا يذكر مقولات من قبيل "إن إسرائيل تستصلح الصحراء" و"تحوّل الأرض الخراب إلى جنة" بفضل التكنولوجيا وإبداع العقل اليهودي. وهي تطبق ذات المقولات في الحقل العسكري، وتحاول خلق صورة لجيشها باعتباره الأكثر فرادة وجرأة وإبداعا.
نحن نقول إن هذه "البروباغندا" في الجانب العسكري موجودة في التراث اليهودي، حيث تحوّل الصهيونية الإبداع الذي كان يفترض أن يكون باتجاه العبادة وباتجاه الرب نحو البشر. وخطورة التأويل هنا هي امتداد لخطورة تأويل الفكرة الصهيونية؛ بمعنى أنه إذا أردت تحويل التراث الديني إلى فكرة قومية، فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى استعمار وتشريد أهل "الأرض الموعودة" - فلسطين.
وكذلك الأمر في الجرأة أو "الحوتسبا". فإذا حاولت تطبيقها في غير السياق الديني، يصبح الجيش يقتل ويدمر بحجة أنه جيش مبدع ويقوم بعمليات خاطفة. وهذا ما رأيناه في عمليات "الجرأة"، من اغتيال قيادات إلى تحرير أسرى، ترافقت مع قتل المئات من المدنيين، نساء وأطفالا ورجالا، وتدمير أحياء سكنية كاملة، وانتهاك القوانين والأعراف الإنسانية والدولية.
"عرب 48": معروف لغويا أن الجرأة تتحول إلى وقاحة عندما تتخطى حدود المألوف وتتجاوز الأعراف الأخلاقية السائدة. وهذا في السلوك الاجتماعي، أما في السلوك السياسي والعسكري، فعندما يجري كسر الأعراف والقوانين المعمول بها، فإنها تتحول من وقاحة إلى انتهاكات وجرائم حرب. ويبدو أن محاولة إعادة ذلك إلى الأصول التوراتية لا يقتصر دورها على التغطية على هذه الجرائم وتبريرها، بل يتعدى ذلك إلى تأصيل فرادة اليهودي وتفوقه تاريخيا. والمفارقة أنهم نجحوا في تحويل "الوقاحة"، وهي صفة سلبية ومدانة، إلى صفة إيجابية ومحمودة، وتطبيعها وتصديرها عالميا باعتبارها إبداعا وتفردا؟
طنينة: طبعا، الأعراف والقوانين الإنسانية والدولية هي التي تفصل بين السلبي والإيجابي، والمسموح والممنوع الذي يصل إلى حد ارتكاب جرائم الحرب. وكما ذكرت، حتى لو كانت هذه العمليات تنطوي على إبداع وجرأة عسكرية، مثلما حدث في مخيم النصيرات، فعندما نخضع هذه العملية لمنطق يختلف عن منطق "الحوتسبا"، يتبين أنها بقعة دم كبيرة، حيث تسببت بمقتل مئات المدنيين الأبرياء وتدمير أحياء كاملة في المخيم.
وإذا ما قسنا ذلك على سائر العمليات "الجريئة"، نرى أن الإبداع والجرأة والتقنية تكون على حساب دماء مئات وربما آلاف المدنيين الأبرياء.
الأمر ذاته في مجال الهايتك والصناعات الدقيقة. فناهِيك عن أن البرامج والتطبيقات والتقنيات التي تصدرها إسرائيل تتركز في مواضيع الرقابة والتجسس وتخدم قتل الشعوب وقمعها، فإن فرادتها تكمن، بحسب هذا الطرح، في أنها جُرّبت على الفلسطينيين. ومثلما يشكل الفلسطينيون ميدانا لعمليات "القتل الوقحة" التي توصف بالجرأة، فإنهم يشكلون ميدانا لتقنيات التجسس والقمع التي تنتج في مجال الهايتك.
مؤيد طنينة: صحافي من ترقوميا غرب الخليل، وطالب ماجستير في برنامج الدراسات الإسرائيلية بجامعة بير زيت.
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع عبد عزام | استدعاء "عماليق" في حرب غزة ليس خطابا دينيا فقط، بل تعبير عن منطق سيادة وإبادة