أعادته حرب الإبادة في غزة إلى مدينته، بنكبتها وأنقاضها وبقايا بيوتها وأدراج حواريها، فعاد مزودًا بما اكتسبه من أدوات التخطيط الحضري والتقنيات الحديثة، ليحاكي ذاكرة المكان وقصص ناسه الذين بعثرتهم النكبة، ويعيد بناء خريطته المفقودة واكتشاف إحداثيات معالمه المغمورة تحت بنايات "التجدد الحضري" الاستيطانية.
إنه ابن حيفا، مخطط المدن عروة سويطات، الذي داهمته حرب الإبادة على غزة خلال بحثه حول مدن الملاذ الأميركية ونظرة الدولة إلى مكانة الأقليات الأصلانية، الذي يجريه في إطار دراسة ما بعد الدكتوراه في جامعة براون الأميركية. فأعادته الحرب، مثلما أعادت الفلسطينيين جميعًا، إلى نقطة البداية، إلى نكبة 1948، وأعادته أنقاض غزة إلى أنقاض حيفا، ليكتشف أن الإبادة العمرانية ليست شاملة، وأن الأنقاض ليست مجرد شواهد تاريخية، بل هي أساس لإعادة ترميم وبناء حياة الفلسطيني وانبعاثه من جديد.
ولإلقاء المزيد من الضوء على مشروع استعادة الأحياز وبناء خريطة حيفا التي كانت، لتكون في متناول أهلها الباقين ونقطة انطلاق لإعادة بنائها، أجرى "عرب 48" هذا الحوار مع د. عروة سويطات.
"عرب 48": قدمت، فور عودتك، محاضرتين في جامع الجرينة وكنيسة يوحنا المعمدان في حيفا، وهما معلمان تاريخيان من معالم حيفا الفلسطينية. وتحدثت خلالهما عن استعادة المكان بأحيائه وحواريه وأسواقه وأدراجه، وإعادة رسم إحداثياته وبناء خرائطه من جديد. هل هذا تحديدًا ما أنجزته في الآونة الأخيرة؟
سويطات: بدأ الموضوع عندما جئت إلى أميركا للدراسة في مرحلة ما بعد الدكتوراه، وكان موضوع بحثي عن مكانة وحقوق الأقليات في مدن الغرب، من خلال المقارنة بين مدينة لندن و43 مدينة "ملاذ" أميركية. وفحصت كيفية تعامل التخطيط مع المجموعات المختلفة والأقليات، سواء السود أو المسلمين أو المهاجرين من جنوب أميركا وإفريقيا، وتقديم منهج جديد أسميه "رؤية الشمال من الجنوب".
وجدير بالذكر أن الباحثين في شمال الكرة الأرضية، عندما تعاملوا مع المدن والأقليات، كان لديهم عمى ألوان؛ فلم يروا السود ولم يروا المسلمين واللاتينيين في المدينة، وعندما رأوهم نظروا إليهم فقط من خلال خصائصهم الثقافية، ولم يروا حقوقهم السياسية والدستورية ولا علاقتهم مع الدولة. في المقابل، عندما رأى الباحثون من الجنوب، جنوب أميركا والعالم الإسلامي والعربي وأفريقيا وآسيا، الدولة، ركزوا على الدولة.
في سياقنا نحن في الداخل، نعرف ماذا يعني التركيز دائمًا على الدولة وممارساتها الاستعمارية المدفوعة بإيديولوجيات استعلائية وفوقية في المدن، وذلك على حساب إبراز دور الشعوب وإمكاناتها وقدراتها على المناصرة الحقوقية في النضال وتأثير الناس؛ إذ رأوهم فقط كضحايا مهمشين لا حول لهم ولا قوة.

لذلك، فإن المنهج الذي أتحدث عنه، "رؤية الشمال من الجنوب"، يعيد تمركز دور الدولة في المدينة، وتمركز دور الدولة في تحديد مكانة الأقليات الأصلانية وغير الأصلانية في حياة المدينة وفي أساس التخطيط، وقدرتها على استعادة حيزها والتأثير على التخطيط. وهذه نظرتي كفلسطيني أحلل ما يحدث في الغرب.
"عرب 48": لكن كل ذلك تغير أو شهد تحولًا لدى اندلاع حرب الإبادة على غزة؟
سويطات: عندما وقعت الحرب على غزة وبدأت الإبادة، كان من الصعب عليّ شعوريًا وعاطفيًا أن أواصل التركيز على مدن أميركا أو لندن، في وقت أشاهد فيه الدمار والتدمير في غزة وصمود الناس حول أنقاض المدينة. هذا المشهد أعادني إلى صدمة عائلتي وبلدي ومدينتي حيفا التي جرى تدميرها.
المدينة التاريخية مُحيت تقريبًا بشكل كلي في نكبة 1948، ولم أستطع شعوريًا وعلميًا أن أواصل دراسة مدن الغرب وتجاهل ما حدث ويحدث في بلدي. لذلك قررت أن أعود إلى الوطن وأوجه بحثي نحو حيفا تحديدًا، وأن أواصل البحث الذي أجريته في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة هارفارد حول حيفا، ولكن عن غزة هذه المرة، في مرحلة ما بعد الدكتوراه التي أجريها في قسم الدراسات الفلسطينية التابع لجامعة براون.
وقد سألت نفسي كباحث: كيف يمكننا إعادة إعمار مدينة مهدمة من الأنقاض؟ وكيف يمكن للذكريات والسرديات والتاريخ أن تساعدنا في إعادة تخيل حياة حضرية جرى تدميرها؟ والجواب كان أنه لا يوجد تدمير كامل. هذا ما علمتنا إياه النكبة والإبادة في غزة أيضًا. دائمًا، ومهما حاولوا، تبقى الأنقاض. والسؤال هو: كيف تستعيد الناس أحيازها، وتعيد تكوين هويتها، وتبقى صامدة حول أنقاض بيوتها؟ وكيف يمكن لمجالي، وهو مجال تخطيط المدن، المعزز بالخرائط الرقمية والحوسبة والتقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي، أن يساعدنا في اكتشاف هذه الأحياز واستعادتها؟
"عرب 48": استعادتها كذاكرة؟
سويطات: بل استعادتها في الحيز ذاته. ادعائي المركزي أن أنقاض المدن المهدومة والأماكن المهدومة وما تبقى من الأحياز الثقافية الفلسطينية، هي بمثابة ركائز يستند إليها الفلسطيني في إعادة بناء نفسه، وفي عملية انبعاثه من جديد، وفي مقاومته الثقافية، وفي صمود السكان الأصليين وأصحاب الوطن في المدينة؛ لأن الأنقاض تعطي الناس مساحة من المعاني الوجدانية والسردية ولممارساتهم اليومية في الحيز نفسه لمواجهة الاقتلاع المستمر.
ادعائي المركزي أننا، من النكبة إلى الإبادة، نواجه اقتلاعًا مستمرًا يأخذ أشكالًا مختلفة. في حيفا دمروا المدينة وهجروا 77 ألف فلسطيني، وبقي 3000 جرى تركيزهم في غيتو في حي وادي النسناس. لكن اليوم، وبرغم أن الفلسطيني يشكل 11% من سكان المدينة فقط، فإنه عاد إلى المدينة التاريخية، عاد من خلال ممارساته الاقتصادية والثقافية والإسكانية والحياتية اليومية، ليستعيد مكانته ويستعيد هذه الأحياز.

وعلى سبيل المثال، فإن جامع الجرينة، الذي جرى استعادته وإعادة إعمارِه، رغم مرور 60 عامًا على إغلاقه وتكرار محاولات بيعه وهدمه وإقامة مبنى تجاري على أنقاضه، استُعيد بعد أن نظم الناس، في بداية سنوات الألفين، حملة وأقاموا لجنة شعبية للدفاع عن الأوقاف. وأثمر ذلك عن تحرير جامع الجرينة وإعادة افتتاحه. وقد كان لي شرف المشاركة في هذه الحملة الشعبية التي حولت الجامع اليوم إلى مكان حي نابض، ومن أهم المعالم والمساجد في حيفا.
الأمر ذاته حدث مع كنيسة السيدة، وهي من أقدم الكنائس في حيفا، والتي ظلت مغلقة فترة 45 عامًا، إلى أن جاء القس كميل شحادة وقرر إعادة ترميمها وافتتاحها مجددًا، وهذا ما كان. وتعمل فيها اليوم مؤسسة "بيت النعمة" التي تقدم خدمات جليلة للمجتمع، وهناك أمثلة أخرى من خارج المجال الديني أيضًا.
كل هذا الموضوع أسميه "إعادة التموضع". فالفلسطيني الذي يواجه الاقتلاع المستمر بأشكاله المختلفة، من التدمير الممنهج إلى الأشكال الاقتصادية الحديثة، على غرار ما يسمى "التجدد الحضري" وغيرها من السياسات النيوليبرالية المدينية والحضرية، التي تجري في قلب المدينة وفي المركز التاريخي للمدينة، يواجه محاولات استعمارية تجري من خلال السوق الحرة ورأس المال وتهدف إلى تغيير معالم المدينة، مثلما حدث في وادي الصليب.
"عرب 48": بمعنى أن المخطط الاستعماري لمحو المدينة الفلسطينية يتواصل بوسائل "عصرية" ومن خلال شركات استثمارية إسرائيلية خاصة، للوهلة الأولى؟
سويطات: ما نراه هو أن الفلسطيني يواجه اقتلاعًا مستمرًا، من النكبة إلى الإبادة في غزة، وعبر أشكال أخرى مختلفة في الضفة والقدس والداخل، لكنه يصمد ويقوم من خلال استعادته لهذه الأحياز، بعملية إعادة تموضع في مواجهة الاقتلاع المستمر.
عملية إعادة التموضع جعلت الحيز الفلسطيني يبقى في ديمومة إعمار، لأن الإبادة فشلت والنكبة فشلت، والفلسطيني أعاد بناء نفسه من جديد، وجمع شتاته بعد كل نكبة وانبعث من جديد.
"عرب 48": دعنا ننتقل إلى مسألة استعادة خريطة حيفا، المدينة التاريخية الفلسطينية؟
سويطات: ربما أن أكبر تحدٍّ يواجهه الفلسطيني هو التحدي المعرفي والمنهجي، لأن المدينة دُمرت، والمجتمع تفكك، والأرشيفات تبعثرت وصودرت أو أُحرقت، والأماكن ما زالت واقعة تحت التهديد المستمر. فكيف يمكن لنا أن نبني أنفسنا من جديد في وقت تكون فيه حتى المعرفة مفقودة؟ استعادة الحيز مرتبطة باستعادة المعرفة المفقودة، وهنا يأتي موضوع الخرائط والتكنولوجيا والتخطيط.
في حيفا، مثلًا، كل إنسان يحدثك عن "سوق الشوام"، لكنني أجريت 40 مقابلة مع مؤرخين ومعماريين ومخططين، وعندما كنت أسألهم عن موقع "سوق الشوام"، لم يكن أحد تقريبًا باستطاعته تحديد موقعه على الخريطة، علمًا أن "سوق الشوام" كان من أشهر المواقع في حيفا، وكان يضم تجارًا من الشام وسورية ولبنان.
كذلك الأمر بالنسبة إلى مواقع أخرى، مثل "مقهى الجرينة" و"مبنى السرايا" و"الحمام الصغير" و"برج الجارحي" أو "خان الشيخ حسن الخطيب"، وغيرها من المواقع.
استمعت كذلك إلى 35 مقابلة مع لاجئين أُجريت في إطار الجامعة الأميركية في بيروت، وهي تمتد لساعات، لكن من الصعب أن يخرج الإنسان منها بخريطة؛ لأن من أجروا المقابلات لم يسألوهم عن مواقع تلك المعالم، بل تمحورت المقابلات حول التجربة العاطفية والاجتماعية للتهجير، ولم تركز على الإرث والحياة والمدينة التي كانت وأين كانت، وما هذا الإرث المعماري التاريخي المبني والمعاش، وكيف كانت المدينة قبل النكبة.
لذلك، فإن التحدي الذي واجهته تمثل في دمج عدة مكونات: التاريخ الشفوي، ثم أرشيف الأوقاف الإسلامية، خاصة أرشيف متولي وقف الاستقلال. وحولناها إلى خرائط رقمية محوسبة يمكن رؤيتها معًا كطبقات، تتيح لنا مشاهدة العلاقة الحيزية بين هذه المعلومات وتحليل كيفية تطور حيفا وشكلها المعماري، من تأسيس المدينة التاريخية وحتى اليوم.
"عرب 48": كيف نجحت في استعادة خريطة حيفا، المدينة التاريخية، بحيث صار بالإمكان تحديد إحداثيات مواقعها ومعالمها التاريخية بدقة، كما تقول؟
سويطات: أجريت مقابلات مع مؤرخين وباحثين ومخططين ولاجئين من حيفا، مع خرائط هذه المرة، رغم الصعوبة التي واجهتني في كون اللاجئين الذين عاصروا حيفا قبل النكبة وما زالوا على قيد الحياة كانوا في حينها أطفالًا، وشكلت معالم حيفا وملاعبها بالنسبة إليهم ذكريات طفولة.
كما أنتجنا أفلامًا تحكي عن أماكن في حيفا حولتها النكبة إلى أنقاض، منها معالم دينية وثقافية واجتماعية. ودمجنا منهجية جديدة، وبرمجية ذكاء اصطناعي طورناها مع قسم تعليم الحاسوب في جامعة بوسطن، وما زلنا مستمرين في تطويرها للسنة الثانية، ونعمل على بناء نموذج ثلاثي الأبعاد، كما سنطبق هذه البرمجية في غزة أيضًا.
استنادًا إلى ذلك كله، نجحنا في تطوير نموذج تخطيطي لاستعادة المدينة المدمرة والأحياز المدمرة، حيث انطلقنا من موقف السيارات الكبير الواقع بين "جامع الجرينة" و"كنيسة الكاثوليك" (الكرمليت)، وهو الحي الذي كان من أكثر الأحياء كثافة في المدينة. وقمنا بتحديد و"تعليم" كل مبنى وآخر، وربطنا المباني بالصور وقمنا بحوسبتها.

بعد هذه العملية، صرنا نفهم ماذا كانت عليه هذه المباني، بمعنى العلاقة بين السكن والساحات والأسواق والمدرسة والتجارة والأماكن الدينية، والعلاقة بين هذه المكونات، لننتقل إلى سؤال: كيف يمكن أن نبني مستقبلنا من خلال استعادة الإرث المهدوم؟
"عرب 48": بمعنى أننا عندما نقول إننا نجحنا في استعادة خريطة حيفا، المدينة التاريخية المدمرة، لا نعني فقط تحديد إحداثيات المواقع والمعالم، بل رسم صورة كاملة لجغرافية المدينة التي كانت؟
سويطات: صحيح. فقد اكتشفنا، على سبيل المثال، أنه كان هناك 17 "سوقًا" في حيفا القديمة المهدومة، واليوم أستطيع أن أقول لك أين يقع كل سوق وآخر، من "سوق الجرينة" إلى "سوق البطيخ" و"سوق اللبن" و"سوق السمك" وسوق الدجاج والحسبة.
كما اكتشفنا أن هناك 12 "خانًا". تخيل "خان العمدان" في عكا؛ فقد كان هناك 12 خانًا من هذا النوع في حيفا، لم نسمع عنها في السابق. وكان هناك ثلاثة أبراج ضخمة، "برج الجارجي" واحد منها، وكانت هناك ثلاث بوابات، علمًا أنهم كانوا دائمًا يقولون إن هناك البوابة الشرقية والبوابة الغربية، ليتضح أن هناك بوابتين شرقيتين: "بوابة عكا" وبوابة شرقية أخرى تقع عند "حمام الباشا" لدى قدومك من وادي الصليب.
كذلك اكتشفنا أن هناك قلعة، و"مبنى السرايا" الحكومي، وتسع مدارس، وستة مخابز، وثلاث صيدليات، ناهيك عن المسارح والسينمات والمقاهي والفنادق والمستشفيات والمطاحن والمقامات والمقابر والأحياز الدينية.
وقد استطعنا الوصول إلى 99 بئر ماء، وحديقتين عامتين وحمامين عموميين، "حمام الباشا" الذي ما زال قائمًا، إضافة إلى حمام ثانٍ آخر.
"عرب 48": عندما نقول البلدة القديمة المهدومة، أي منطقة نقصد بالتحديد؟
سويطات: البلدة القديمة المهدومة هي المنطقة التي تقع فيها اليوم عمارة المحاكم وبناية الصاروخ والعمارات التجارية.
اليوم لدينا خريطة محوسبة تشمل رقمنة للمباني والممرات والآبار والأسواق والأوقاف، بحيث أستطيع أن أقول لك بثقة إنه تحت شارع المينا كانت هناك مقبرة إسلامية نسمع عنها لأول مرة، وتحت مبنى المحكمة كانت هناك مدرسة تدعى "مدرسة النهضة العربية".
كما نعرف اليوم أن أرض الوقف الإسلامي كانت واسعة جدًا، حتى إنه في منطقة "كريات إليعيزر" كانت هناك العديد من الأراضي للوقف، وأن وقف الخضر، المسمى اليوم "الياهو هنفي"، هو وقف إسلامي، وظل حتى فترة متأخرة مفتوحًا أمام جميع الديانات. كان المسلمون يصلون فيه، وكان المسيحيون، الذين عرفوه باسم "مار إلياس"، يضيئون الشموع فيه، وذلك قبل أن يجري تحويله إلى كنيس يهودي وإغلاقه قبل بضع سنوات فقط.
كما أن أرض عمارة "بيزك" والشارع الممتد نحو "الجامع الصغير"، حيث كانت تقع البوابة الشرقية وكانت هناك حواصل، هي أرض وقف إسلامي أيضًا. وحتى "بيت هغيفن" الواقع في شارع "هغيفن"، الذي كانوا يسمونه مبنى "إي بي سي"، هو وقف إسلامي أيضًا.
بين "مسجد الجرينة" كان هناك سوق يسمى "سوق الكنيسة"، وهو يربط الجامع بالكنيسة، في حين أن شارع "طلياف" كان وقفًا يسمى وقف الشيخ عبد الرحمن السهلة في شارع الكنائس.
وعكس ما كان يعتقده كثير من المؤرخين بأن حارة الكنائس هي حارة مسيحية، وأن هناك حارة يهودية، وأن الفصل كان على أساس ديني، فإننا اكتشفنا أن العديد من المباني في حارة الكنائس كان وقفًا إسلاميًا، وأن تجارًا مسيحيين استأجروا محلات وقف الاستقلال، وأن أهل حيفا، من مسلمين ومسيحيين ويهود أصلانيين، عاشوا سويًا، وأحيانًا كان الحوش الواحد يضم بيوت مسلمين ومسيحيين ويهود أصلانيين.
"عرب 48": متى بدأ الفصل على أساس ديني تحديدًا؟
سويطات: رواية الفصل الديني هي رواية زرعتها الصهيونية، وللأسف أخذ بعض المؤرخين يرددونها. فقد كانت هناك خمس كنس يهودية في الحارة التي يفترض أنها حارة المسلمين بجانب الجامع الصغير، بعضها ليهود فلسطينيين تاريخيين، وجزء منها ليهود من الشام أو من مصر. وبعض مساكنهم ومتاجرهم استُؤجرت مبانيها من الوقف الإسلامي.
فيما قامت الحركة الصهيونية بهدم هذه الكنس عام 1948، لأن اليهودي الفلسطيني الأصلاني، بتحليلي، يهدد الرواية الصهيونية المرتبطة بأوروبا وبعودة اليهود. وقد بدأ إخراج اليهود وعزلهم عن النسيج الفلسطيني المشترك مع بداية الاستعمار البريطاني للبلاد، حيث جرى، بالتواطؤ مع الحركة الصهيونية، إخراج اليهود من الأحياء المشتركة وبناء حي يهودي مستقل شرق مدينة حيفا، وهو ما يسمى اليوم "كيبوتس غلويوت" القريب من الحليصة.
كما جلبوا اليهود من الغرب وأسكنوهم في الهدار، أما قبل ذلك فقد كانت حياة مشتركة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وللمفارقة، في ظروف اليوم، فإن ما كانت تسمى حارة اليهود كانت تقع مقابل حارة الغزازوة.
استعادة خريطة حيفا تجعلك قادرًا على أن تتخيل نفسك تمشي في شارع "بال يام"، فتصادف مدرسة الروم للأولاد وبجانبها مدرسة الروم للبنات، ثم كنيسة السيدة، ثم تواصل المسير فتجد مدرسة الكاثوليك للأولاد. وعندما تنتقل إلى شارع يافا، تجد بستان الانشراح، حيث غنت أم كلثوم، وهو يقع بقرب موقف السيارات ومن أكثر الأحياء كثافة، كما أسلفنا.
"عرب 48": كل هذه المعالم، أو غالبيتها العظمى، جرى تدميرها. جغرافية كاملة مُحيت، ويراد محوها من ذاكرة التاريخ أيضًا؟
سويطات: كذلك جرى القضاء على قاموس ولغة كاملة وإخراجها من الاستعمال، فلم نعد نسمع كلمات مثل خان، ياخور، حوش، حمام، ساحة، ميدان، محلة، كرم، بستان، زقاق، سباط، درج، بوابة وغيرها.
من هنا، فإن استعادة الأحياز المدمرة تفتح الباب لاستعادة اللغة الأصلانية لهذه الأحياز، اللغة المكانية والسردية، وهي استعادة للإرث التاريخي وللحمض النووي للموروث الثقافي والاجتماعي الذي أرادوا قطعنا عنه.
وهي تتيح أيضًا إعادة بناء أنفسنا من جديد. وهنا يتبادر سؤال التخطيط: كيف نبني أنفسنا وحاراتنا الجديدة من أجل استعادة الإرث التاريخي المهدوم؟ فتواجهنا غزة بصمود أهلها وبأنقاض بيوتها وعماراتها، لتعيدنا إلى النكبة وإلى القضية الأساس.
إنه، رغم شدة التدمير، ستبقى دائمًا أنقاض، ومن الأنقاض تعود الشعوب وتبني نفسها من جديد، وتعيد تموضع نفسها وتواجه الاقتلاع من خلال بناء الحيز واستعادة الأحياز الفلسطينية المختلفة.
عروة سويطات
باحث ما بعد الدكتوراه في الدراسات الفلسطينية في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة براون. سويطات باحث في تخطيط المدن، حاصل على ألقاب في الفلسفة والعلوم السياسية وتخطيط المدن، ويركز في عمله على مكانة المجموعات في نظريات وممارسات التخطيط، والعلاقات بين الدول والمجموعات في تخطيط المدن، وعلى التخطيط وإعادة الإعمار في وجه الإبادة الحضرية.
شغل سابقًا منصب باحث ما بعد الدكتوراه في جامعتي هارفارد وتافتس. وفي أبحاثه الراهنة، يدمج الرقمنة وتخطيط المدن لكشف خبايا التاريخ المخفية والإرث المفقود، وإعادة رسم خرائط السردية وتطوير نماذج تخطيطية لاستعادة الأحياز والمدن المهدومة.
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع د. جوني منصور: "سقوط حيفا" والصراع المفتوح على الأرض والهوية الفلسطينية
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع بلال شلش: سقوط يافا وأثر مقاومتها على المناطق الأخرى