في سياق مقارنة حزب "قوة يهودية" الذي يقوده إيتمار بن غفير بالحركات النازية الجديدة التي نشأت في أوروبا والولايات المتحدة، وتأسست على الفوقية العرقية وكراهية الآخرين، يرى د. مهند مصطفى أن مصدر العنصرية أو الفوقية، سواء كانت دينية أم عرقية أم ثقافية، ليس ذا أهمية، لأن منطلقاتها ومخرجاتها لا تختلف بعضها عن بعض باختلاف صنوفها، بل تتنوع بحسب السياقات التاريخية والأيديولوجية. فهي عند النازية الجديدة في ألمانيا مبنية على العرق، وفي أستراليا على لون البشرة، وفي إسرائيل على الدين و"نقاء الدم" اليهودي.
وفي دراسة بعنوان "من عتبة البيت إلى صاحب البيت" التي صدرت مؤخرا عن "مدى الكرمل" في حيفا، تناولت صعود إيتمار بن غفير وحزبه، يشير مصطفى إلى تطابق مواصفات حزب "قوة يهودية"، بقيادة إيتمار بن غفير، مع حركات النازية الجديدة سالفة الذكر، مستذكرًا نبوءة المفكر اليهودي الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش، الذي توقع نشوء مثل هذه التيارات في إسرائيل مع استمرار الاحتلال والقمع ضد الشعب الفلسطيني، والذي صاغ مصطلح "يودو - نازية" أو "اليهودي النازي".
وتنظر الدراسة بخطورة إلى أثر أفكار بن غفير التي باتت تتعدى مساحة حزبه "قوة يهودية"، للتغلغل في قلب المجتمع الإسرائيلي وأحزابه المختلفة، وخاصة حزب الليكود الحاكم. وتتوقف عند نجاح الأخير، خلال فترة وجيزة، في أن يصبح تيارًا مركزيًا في المجال العمومي الإسرائيلي، بالمفهوم الفكري.
ففي عام 2021، صرّح نتنياهو، وفقًا للدراسة، بأن بن غفير لن يكون وزيرًا في حكومته، وليس مؤهلًا ليكون وزيرًا أو حتى رئيس لجنة في الكنيست. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2022، عشية انتخابات الكنيست الـ25، رفض نتنياهو الصعود إلى منصة انتخابية حتى نزل منها بن غفير. لكن خلال أربع سنوات، تحوّل الليكود نفسه "إلى حزب كاهاني ويميني متطرف لا يختلف كثيرًا عن حزب قوة يهودية، بل إلى «قوة يهودية ب»".
ولا يتوقف طموح بن غفير، وفقًا للدراسة، عند زيادة بضعة مقاعد إضافية في الكنيست، بل يسعى على المدى البعيد إلى أن يصبح قائدًا لليمين في إسرائيل بعد نتنياهو، وأن يستبدل الليكود مستقبلًا عبر جذب قواعده التقليدية، وتجاوز قوة الليكود الانتخابية بعد عهد نتنياهو، وطرح نفسه رئيسًا للحكومة.
وللمزيد حول الموضوع الذي يشغل الكثيرين عشية الانتخابات الإسرائيلية، أجرينا هذا اللقاء مع د. مهند مصطفى.
"عرب 48": لا شك أن انتقال بن غفير وحزب "قوة يهودية"، بما يمثله من فكر كاهاني فاشي، من الهامش إلى المركز السياسي الإسرائيلي خلال فترة قياسية، هو مؤشر على التحولات العميقة الجارية في المجتمع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة. واللافت، كما أشرتَ في دراستك، هو تعدّي أفكار بن غفير الفاشية نطاق حزبه الصغير نسبيًا، ووصولها إلى عمق الساحة السياسية الإسرائيلية وإلى داخل الحزب المهيمن فيها، وهو الليكود، ليتحول الفكر الكاهاني الفاشي إلى السمة الغالبة في السياسة الإسرائيلية.
ونحن على أعتاب انتخابات جديدة في إسرائيل، لا نرى أن ما تسمى بالمعارضة، على تنوع أحزابها، تحمل الكثير من البشائر، خاصة أن غالبية هذه الأحزاب تُصنَّف ضمن اليمين السياسي، وتتفق مع أحزاب الائتلاف حول قضايا الإجماع الإسرائيلي التي بات يظلل عليها فكر بن غفير. فهي لا تتفق فقط على رفض الدولة الفلسطينية والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية، والسيطرة على كامل فلسطين التاريخية، والهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية، بل تتفق أيضًا على الأدوات التنفيذية لهذه السياسة، متمثلة في حرب الإبادة في غزة، وإرهاب المستوطنين في الضفة، وإقامة مناطق عازلة في سورية ولبنان، والحرب على إيران، وصولًا إلى تقييد مواطنة فلسطينيي الداخل. بمعنى أن هذا الفكر أصبح يلقي بظلاله على مجمل الساحة السياسية الإسرائيلية.
مصطفى: لدى مراجعة تجربة حزب بن غفير "قوة يهودية"، نرى أنه حاول دخول الكنيست عدة مرات، قبل أن ينجح في ذلك في انتخابات 2021، ومن ثم في انتخابات 2022 بالتحالف مع "حزب الصهيونية الدينية". هذه التجربة تدل على أن اللقاء بين يمين تقليدي محافظ وبين يمين متطرف ينزع إلى الفاشية والفوقية، لا يؤدي بالضرورة إلى اعتدال الحزب المتطرف، وإنما قد يؤدي، كما حصل، إلى تغلغل الأفكار المتطرفة داخل الحزب التقليدي.
وفي اعتقادي أن حزب "قوة يهودية" ليس نتاج عمل بن غفير وحده، على الرغم من أن الأخير كانت له، في السنوات الأخيرة وحتى قبل انتخابه وزيرًا للأمن الداخلي أو القومي، مساهمة مهمة جدًا في صعود هذا الحزب، من خلال استغلال الأجواء العامة في إسرائيل المتمثلة، وهذه هي فكرة الدراسة الأساسية، في تحويل الكراهية تجاه الفلسطينيين، وبالذات الفلسطينيين في إسرائيل، إلى مشروع سياسي. بمعنى أننا لا نتحدث فقط عن عنصرية كانت سائدة بين الأحزاب الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الداخل، وإنما عن حزب حوّل هذه العنصرية إلى مستوى من الكراهية المعلنة والواضحة، وحوّل هذه الكراهية إلى برنامج سياسي.
في ظل ضعف المركز اليميني التقليدي، وهو الضعف الذي أحدثه نتنياهو ذاته لأسباب شخصية وأسباب تاريخية، من بينها بقاؤه في الحكم لفترات طويلة، أدى هذا الضعف إلى هيمنة الأحزاب اليمينية المتطرفة، وبالذات "قوة يهودية"، على مركز اليمين.
وبن غفير الآن لا يحاول فقط أن يتحول إلى التيار المركزي في اليمين، بل يطمح إلى أن يكون قائد اليمين القادم بعد نتنياهو. وفي سبيل ذلك، يسعى بنجاح إلى أن يتحول الليكود نفسه إلى "قوة يهودية" بالمفهوم الفكري، عبر العمل على زيادة عدد أعضاء الكنيست من الليكود، أو أعضاء الليكود، أو حتى القواعد الاجتماعية لليكود الذين يتبنون الفكر الكاهاني وفكر حركة "كاخ" الإرهابية.
"عرب 48": هو يسعى للسيطرة على الليكود من الداخل؟
مصطفى: تحويل الليكود، من الناحية الفكرية، إلى "قوة يهودية" سيخدم بن غفير، لأن ذلك سيضعف الليكود انتخابيًا مقابل صعود حزب "قوة يهودية". واليوم، ما يعزز مكانة الليكود ويحافظ على قوته هو وجود شخصية مثل نتنياهو. لكن نتنياهو نفسه مكّن عمليًا أفكار بن غفير من الدخول إلى الليكود، وقد فعل ذلك لمصالح شخصية وأيديولوجية، علمًا أنه لا ينتمي إلى هذا التيار الكاهاني، على الرغم من أنه صادق في معارضته لإقامة دولة فلسطينية وعدم منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية. لكن بين هذا الموقف وبين الفكر الكاهاني مسافة كبيرة جدًا، وقد قطع نتنياهو هذه المسافة بسبب مصالح شخصية وسياسية وانتخابية تتمثل في البقاء في الحكم.
الآن، بن غفير يفهم، في تصوره الاستراتيجي، حقيقة أساسية، وهي أن الليكود تحول إلى "قوة يهودية"، وهو معني بأن يصبح كذلك؛ لأنه عندما تجري انتخابات بعد عهد نتنياهو، سيفضل الناخب التصويت لـ"قوة يهودية" الأصلية، وليس لـ"قوة يهودية" المقلدة لبن غفير.
طموح بن غفير هو أن يتحول إلى الحزب اليميني الأقوى والأكبر في المشهد السياسي الإسرائيلي، وتحديدًا بين أحزاب الائتلاف الحاكم اليوم. وهو يعلم أن العائق أمام هذا الطموح هو بنيامين نتنياهو، ولذلك يسعى إلى غزو القواعد الاجتماعية والانتخابية لليكود، استعدادًا لمرحلة ما بعد نتنياهو.
وليس من قبيل الصدفة صعود قوة حزبه في انتخابات 2022، والحفاظ على قوته في الانتخابات القادمة. فبن غفير يخاطب قواعد اليهود الشرقيين، ويقضم من قوة الليكود وحركة شاس، لأن هذه القواعد تريد حزبًا أكثر عدائية تجاه الفلسطينيين في إسرائيل.
"عرب 48": الغريب هو تعاظم قوة بن غفير مقابل تضاؤل قوة سموتريتش، رغم أنهما يحملان الأجندة نفسها وينتميان إلى الفكر نفسه؟
مصطفى: بن غفير يستند إلى اليهود الشرقيين ويخاطبهم، في حين أن سموتريتش لا يحظى بمعدل تأييد كبير في صفوف هذه القطاعات الاجتماعية أو داخل الخط الأخضر، لأن مشروعه هو الاستيطان، والكتلة التي تهمه هي المستوطنون. بينما يخاطب بن غفير مشاعر الكراهية لدى اليهود الإسرائيليين داخل الخط الأخضر، الذين يكنّون مشاعر كراهية تجاه الفلسطينيين في إسرائيل، وهي كراهية تتصاعد طرديًا مع النجاحات التي يحققها هؤلاء، رغم كل المعوقات والتحديات، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.
لذلك، وعلى الرغم من الإنجازات التي حققها سموتريتش على مستوى البرنامج الانتخابي الذي طرحه والمتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية، فإنه بقي محدودًا، لأنه يخاطب قاعدة قطاعية محدودة، بعكس بن غفير الذي لا يريد أن يحصر نفسه بقطاع معين، بل يخاطب الإسرائيليين عمومًا، ويطمح إلى أن يرث الليكود كحزب حاكم.
وفي هذا السياق، جاء الكشف عن سفينة "ألتالينا"، التي قصفها بن غوريون عام 1948، والتي تُعتبر من الرموز الأساسية لليمين التصحيحي ولحركتي حيروت والليكود. وجاء الكشف من داخل متحف "الإيتسل"، معبد الذاكرة التاريخية لليكود، في تحدٍّ لنتنياهو، ومؤشرًا على محاولة بن غفير السيطرة حتى على سردية الليكود، من خلال الادعاء بأن والدته كانت مقاتلة في الإيتسل.
"عرب 48": لقد ترك نتنياهو في الخلف، كما يقولون. وهو، بهذا المعنى، لا يحاول أن يخطف الحزب والقواعد فقط، بل يسعى أيضًا إلى الهيمنة على تاريخ الليكود. وغنيّ عن البيان أن بن غفير وقرينه اللدود سموتريتش، وفكر الصهيونية الدينية الذي ينتميان إليه، هم الذين يهيمنون اليوم على دوائر اتخاذ القرار السياسي في إسرائيل، ويلقون بظلالهم على مجمل السياسة الإسرائيلية بمختلف أحزابها.
والسؤال، في ضوء الانتخابات القريبة وانحسار المسافة الفاصلة بين أحزاب الائتلاف وأحزاب المعارضة في القضايا السياسية الأساسية، هو: هل من أجندة بديلة تقود إلى تغيير جدي في السياسة الإسرائيلية؟
مصطفى: في الاختلاف بين سموتريتش وبن غفير، تجدر الإشارة إلى فارق أساسي، وهو أن الأخير، إضافة إلى عدم حصر برنامجه بقطاع اجتماعي بعينه، وتحويل كراهية الفلسطينيين إلى برنامج سياسي، استنبط شعار "أصحاب البيت"، الذي يريد من خلاله إعادة تعريف العلاقة بين اليهودي والفلسطيني في البلاد، وداخل إسرائيل بشكل خاص. ويحاول، من خلال ذلك، فرملة تقدم الفلسطينيين داخل إسرائيل باتجاه التحرر من علاقة السيد والعبد، التي كسرتها نجاحاتهم الفردية والجماعية رغم كل المعيقات.
خطاب "صاحب البيت" يخاطب مشاعر الإحباط لدى اليهودي الذي يهتز تحته عرش السيد، ويغذي شعور الكراهية تجاه نجاحات الفلسطينيين في إسرائيل وتحررهم من الوصاية. ويحاول بن غفير من خلاله، دون جدوى، إعادة الفلسطينيين في إسرائيل إلى الوراء، عبر بث خطاب كراهية بمفهومها البدائي وتحويلها إلى برنامج سياسي. وهو يفخر بكراهية الفلسطينيين، وبأنه يهدم بيوت الفلسطينيين فقط، ويلاحق الفلسطينيين حصريًا، ويتعمد إذلالهم لإثبات وإشباع غرور اليهودي بأنه السيد وصاحب البيت في هذه البلاد. وهذا خطاب ينتمي إلى النازية الجديدة التي تعتمد الفوقية العرقية أو الدينية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فهو يمنع الاختلاط، ويلاحق عائلات الزواج المختلط العربي-اليهودي، ويتعامل مع الجريمة لدى العرب كما تعامل النازيون مع الجريمة داخل المجتمع اليهودي في ألمانيا النازية وبولندا. حتى إن قانون الإعدام هو القانون نفسه الذي سُنّ ضد اليهود في بولندا، والذي حصر الإعدام باليهود فقط. وبهذا المعنى، فإن بن غفير، بخطابه وسلوكه وبرنامجه السياسي، ينتمي بشكل كامل ومتطابق إلى أحزاب النازية الجديدة الموجودة في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية.
"عرب 48": السلاسة التي انتقلت فيها طالي غوتليب من الليكود إلى حزب "قوة يهودية"، والحديث عن انتقال ماي غولان، الذي لم يخرج إلى حيز التنفيذ بسبب رفض بن غفير، هما مؤشّران على تضاؤل الفروقات بين الحزبين، وأن أعضاء كنيست من الليكود يصلحون لتصدّر قائمة حزب بن غفير بكفاءة، وأن أفكارًا كهذه تغلغلت جيدًا في تربة معسكر الائتلاف بالكامل، وربما تعدّت ذلك إلى أحزاب معسكر المعارضة. وقد رأينا بعض الملامح في قائمة حزب أيزنكوت اليمينية، التي ضمّت ثماني شخصيات تنتمي إلى الصهيونية الدينية. والحال كذلك، على ماذا تجري الانتخابات في إسرائيل؟
مصطفى: الانتخابات تجري أولًا على شخص نتنياهو: من معه ومن ضده. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى وجود أحزاب في المعسكر المناوئ لنتنياهو، مثل حزب ليبرمان، لا تقل يمينية وشعبوية عن أحزاب الائتلاف الحاكمة، إضافة إلى أنه يحمل مركبات كاهانية، مثل قضية الربط بين المواطنة والولاء وغيرها.
المحور الثاني هو طبيعة الدولة، والانقسام بين من يريد دولة إسرائيل محافظة، وبين من يريدها محافظة متطرفة دينيًا. والمحور الثالث يتعلق بمؤسسات الدولة، بين من يسعى إلى الحفاظ عليها وإصلاحها، ومن يريد تفكيكها وإعادة بنائها من جديد. والمحور الرابع هو مركزية الفلسطينيين في إسرائيل؛ فالفلسطينيون في إسرائيل ليسوا قضية مركزية كمشروع سياسي لدى المعارضة، بينما هم قضية مركزية عند الائتلاف، وبالذات لدى التيارات الكاهانية، لأن الحاخام كاهانا كان يريد تهجير الفلسطينيين في إسرائيل أيضًا، وليس سكان غزة والضفة فقط.
في هذا السياق، يدخل وجود قائمة مشتركة ودخول منصور عباس إلى الائتلاف الحكومي. وتجدر الإشارة إلى أن أحد نجاحات اليمين عمومًا، وبن غفير بشكل خاص، هو وضع الكثير من الخطوط الحمراء التي لم تكن موجودة في السابق، واليوم يخشى الجميع من تخطيها، مثل قضية تخصيص الميزانيات للعرب، وقضية هدم البيوت، والتعامل في السجون، التي تحولت إلى قضايا إجماع تقريبًا.
لا يوجد اليوم من يناقش بن غفير حول ما يقوم به داخل السجون، ولا في قضية هدم البيوت. حتى إن بيني غانتس قام بامتداحه على ما يقوم به في السجون، بينما أقصى ما يوجَّه إليه من نقد هو أسلوبه الاستعراضي والاستفزازي، وليس جوهر سياساته. وحتى المستشارة القضائية، عندما طالبت المحكمة العليا بإقالته، لم تورد تبريرًا واحدًا يتعلق بسياساته تجاه الفلسطينيين داخل إسرائيل. وهو ما يدل على أنه نجح في تحويل موضوع الفلسطينيين في إسرائيل إلى قضية مركزية بالمفهوم السلبي للكلمة.