بإشارة مزدرية من يده إلى قائد قوات "البلماح" في المدينة، إيغال ألون، ونائبه يتسحاك رابين، أمر دافيد بن غوريون، في 12 تموز/ يوليو عام 1948، بتهجير سكان اللد والرملة. وفي اليوم التالي، 13 تموز/ يوليو، وتنفيذًا لهذا الأمر، أجبر الجنود الإسرائيليون سكان اللد والبلدات المجاورة، بما فيها الرملة، والبالغ عددهم نحو 70 ألف نسمة، على الخروج من المدينة خلال نصف ساعة.
وقد أُجبر الأهالي على النزوح سيرًا على الأقدام تحت شمس تموز الحارقة، بينما كانت طائرة عسكرية إسرائيلية تحلق فوق رؤوسهم على علو منخفض، في "رحلة موت" جسدها الفنان إسماعيل شموط، ابن اللد، الذي كان من بين النازحين، في لوحته الشهيرة "عطش"، بعد أن قضى المئات، بينهم شقيقه، عطشًا في رحلة النزوح القسري تلك.
لم ينجُ من سكان اللد، الذين قُدّر عددهم بنحو 25 إلى 30 ألف نسمة قبل أن ينضم إليهم آلاف آخرون نزحوا من يافا التي سقطت قبلها، سوى بضع مئات. ولاحقًا، جرى تدمير المدينة التاريخية القديمة وهدم مبانيها بالكامل تقريبًا بعد سنوات قليلة من احتلالها. ولم ينجُ منها، كما يقول الباحث توفيق دعادلة، ابن المدينة، سوى جزء من شارع يضم الكنيسة والجامع، وذلك أسوة بالمدن التاريخية الفلسطينية القديمة، أو غالبيتها، التي مُحيت عن الوجود بعد تهجير أهلها.
دعادلة، الذي عمل بحكم اختصاصه على استعادة المدينة بإحداثياتها ومواقع بيوتها ومعالمها الفلسطينية، عرض خلال ندوة "الإبادة العمرانية"، التي نظمها مركز مدى الكرمل، خارطة مستعادة تضم ثلاثة أحياء للمدينة التاريخية القديمة، التي كانت تشكل، على حد وصفه، قلب مدينة اللد.
ولإلقاء الضوء على رحلة البحث عن المكان المفقود، أجرينا هذا الحوار مع ابن اللد، د. توفيق دعادلة.
"عرب 48": كما فهمنا، فإن المحو الكامل الذي تعرضت له المدينة القديمة في اللد جعل حتى قضية استعادتها على الورق مهمة شاقة جدًا؟
دعادلة: سياسة هدم المدن التاريخية القديمة لم تكن حكرًا على اللد فقط، بل شملت كافة المدن الفلسطينية، وأبرز مثال على ذلك هدم مدينة طبرية التي جرى محوها بالكامل، بحيث لم يبقَ منها سوى بقايا المسجد. وإذا ما أخذنا صورًا جوية لطبرية واللد وحتى يافا عام 1936، نرى أن البلدة القديمة، التي شكلت نواة المدينة وقلبها، قد هُدمت بالكامل تقريبًا. ففي يافا، التي قد نعتقد أنه ظل فيها بلدة قديمة، يشكل ما بقي منها أقل من 10% من البلدة القديمة التاريخية التي كانت قائمة.
"عرب 48": في طبرية هدموا حتى بيوت اليهود الذين كانوا يسكنون في البلدة القديمة، والمقصود اليهود الأصليون الذين سكنوا في فلسطين قبل الهجرة الصهيونية؟
دعادلة: صحيح، وقد وثّق ذلك البروفيسور مصطفى عباسي، الذي بحث الموضوع وصدر له كتاب عن طبرية، وأشار إلى شكاوى قدمها أصحاب البيوت اليهود ضد عمليات هدم بيوتهم التعسفية.
"عرب 48": هل تمت عمليات الهدم تلك بعد النكبة وتهجير أهالي تلك المدن مباشرة؟
دعادلة: لا يوجد نمط موحد للهدم، وهناك اختلاف بين ظروف الهدم وتوقيته من مدينة إلى أخرى. في اللد، مثلًا، جرى إحاطة المدينة التاريخية القديمة بالأسلاك الشائكة بعد إخلائها من سكانها، ومنع ما تبقى من السكان الفلسطينيين وحتى اليهود من الاقتراب منها. وظلت هذه البيوت قائمة حتى بداية الخمسينيات، بينما تواصلت عمليات الهدم إلى مطلع الستينيات.
وقد هُجّر أهلها، أسوة بسائر أهالي اللد، الذين يُقدّر عددهم بنحو 25 ألف نسمة، عدا لاجئي يافا الذين نزحوا إليها لاعتقادهم أنها ستبقى تحت السيطرة الفلسطينية في إطار قرار التقسيم. وقد هُجّروا جميعًا في 12 و13 تموز/ يوليو، اللذين صادفا شهر رمضان المبارك، في رحلة عذاب كتب عنها الأكاديمي اللداوي الكفيف رجائي بصيلة، الذي انتقل للعيش في الولايات المتحدة، ونطقت بها ريشة الفنان التشكيلي إسماعيل شموط، ابن المدينة.
"عرب 48": اللد أنجبت العديد من الشخصيات الفلسطينية البارزة، فإضافة إلى من ذكرت، هناك جورج حبش، الذي كان يدرس حينها الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، وعاد إلى المدينة ليدفن أخته، وكتب عن نكبة اللد ومجزرتها؟
دعادلة: اللد لها ميزتها، فقد كانت من المدن التي قاومت وكانت تمتلك جهازًا مسلحًا. وحتى عندما اعتقد عناصر المنظمات الصهيونية في 11 تموز/ يوليو 1948 أنها سقطت وانتهت مقاومتها، فوجئوا بإطلاق النار باتجاههم من بعض البيوت، مما أثار غضبهم وجعلهم يرتكبون مجزرة رهيبة، هي مجزرة جامع دهمش، التي ذهب ضحيتها ما يناهز 200 إنسان، غالبيتهم من النساء والأطفال.
"عرب 48": اللد سقطت بعد يافا بشهرين تقريبًا، علمًا أن يافا سقطت متأخرًا نسبيًا في 13 أيار/ مايو 1948، بعد تهجير أهلها ومغادرة المقاتلين الذين دافعوا عنها؟
دعادلة: يافا كانت هي الشوكة الأساسية، لأن هذه الثنائية، يافا - تل أبيب، هي التي أدت إلى كل مآسي يافا. وحتى اللواء كان اسمه "لواء قبالة تل أبيب". وفي سياق الهدم، ندرك أن الإنجليز كانوا قد هدموا جزءًا كبيرًا من يافا خلال ثورة 1936، بهدف كسر شوكة الثوار الذين كانوا يسيطرون على الميناء.
وقد فعل الإنجليز في يافا مثلما فعل الإسرائيليون في مخيم جنين خلال الاجتياح الأول عام 2002، حيث هدموا البيوت بهدف فتح وتوسيع الشوارع ليتمكنوا من دخول المخيم بآلياتهم.
الإنجليز دمروا البيوت كي يحولوا زقاقات يافا القديمة إلى شوارع، ليتسنى لهم التجول فيها بحرية، وقد استعمل الحاكم الإنجليزي ووكوف المتفجرات لهذا الغرض. والمتتبع لجريدة "فلسطين" في تلك الفترة، أو حتى للجرائد العبرية، يستطيع أن يقرأ عن تلك التفجيرات، حيث كانت أنقاض البيوت المفجرة تتطاير إلى ارتفاع 20-30 مترًا في الهواء.
لكن عودة إلى اللد وإلى سؤالك، فإن يهودًا شرقيين من شمال إفريقيا اقتحموا بيوت البلدة القديمة المحاطة بالأسلاك الشائكة وسكنوا فيها، بعد أن فروا من "المعبروت" التي أقيمت لهم في صحراء النقب. وهذا ما شجع عربًا فلسطينيين على دخول هذه البيوت أيضًا.
وفي بحث لزميل يهودي يدعى بيني نوريئيل، يقول إن نوعًا من الألفة نشأ بين أولئك اليهود الشرقيين والفلسطينيين، الأمر الذي لم يرقَ لرئيس البلدية وغيره من المسؤولين في المدينة، فبدأوا بسحب هؤلاء اليهود الشرقيين من المدينة. وكانوا كلما أخرجوا عائلة هدموا البيت الذي سكنته، فيما استمرت عمليات الهدم حتى أواخر الستينيات.
"عرب 48": يبدو أنهم أرادوا، بعمليات هدم المدن التاريخية القديمة، تدمير المكان والتاريخ الفلسطيني ومحو ذاكرته؟
دعادلة: طبعًا، هم أرادوا محو هذه الآثار، لأن الصراع يدور على الهوية والذاكرة والسردية، ولم يكترثوا كثيرًا في سبيل ذلك بتدمير التراث والتاريخ الذي يعود إلى عصور سابقة أيضًا، ومحو هذا الإرث التاريخي العريق.
"عرب 48": عمليات الهدم والمحو كانت منهجية وأساسية بحيث تجعل عملية استعادة المكان، حتى على الورق أو في الذاكرة، أمرًا غاية في الصعوبة، وهي المعضلة التي واجهت بحثك؟
دعادلة: أنت تتعامل مع منظومة عملت على محو وطمس كل شيء، من ورق وحجر، وأنت يجب أن تبدأ ليس من الصفر، لأنه لا توجد منطقة صفرية. وهذا يجعلك تقف كعربي فلسطيني على رجليك وتقول لنفسك: أنا أريد أن أفهم هذا السؤال، ولكي أفهمه أحتاج إلى أ، ب، ج. ونقطة البداية هي أصعب شيء؛ أن تستوعب كيف يتوجب أن تبدأ وتراجع.
عندها تبدأ باستعمال كل الأساليب المتاحة أمامك، من صور جوية وتسجيلات لمقابلات مع لاجئين عايشوا تلك الفترة، أي الرواية الشفوية، وهي دعامة بنى عليها عادل مناع كتابه الأخير.
أنت أمام المؤرخ الإسرائيلي، مثل بيني موريس، الذي يفرض عليك روايته، لأنه يتحكم بمصادر الأرشيف الإسرائيلي والفلسطيني الذي نهبوه في الـ48. وأنت لا تملك من المصادر سوى ما هو موجود في صدور الناس، بينما هو يدعي أيضًا أن هؤلاء العجائز يحكون قصص الأولين وخرافات.
"عرب 48": بمعنى أن حتى المصدر الوحيد الذي تملكه يشككون به، ونحن نعرف أن كتاب عادل مناع "نكبة وبقاء" جوبه بالكثير من التشكيك لاعتماده على الرواية الشفوية كمصدر رئيسي؟
دعادلة: هذا مثال، وهذه أجندة ومدرسة كاملة. مناع جاء بعد أن شاخ وأصبح عنده رصيد يمكنه من أن يفعل ذلك، لأن تشكيكًا كان يُثار حول هذه المصادر. وتخيل كم من الناس الذين ماتوا دون أن نتمكن من سماع وتوثيق شهاداتهم.
هذا ناهيك عن أنك تفتقر إلى القاعدة التي ننطلق منها. فنحن لا نملك مراكز أبحاث أو جامعات أو وظائف أكاديمية قادرة على إنتاج باحثين على غرار عادل مناع ومصطفى عباسي. فأنت فقدت الوطن، وفقدت الهوية، وفقدت المؤسسات، فعلى أي أساس تريد أن تكتب؟
"عرب 48": عودة إلى عملية استرجاع خارطة المكان، كيف بدأت ومن أين، فكما فهمت، كانت نقطة البداية هي الخان؟
دعادلة: أنا، بقبعتي الأخرى، مختص بالآثار، ونقطة البداية كانت عندما أجريت مع طلابي حفريات أثرية في المدينة القديمة. أما نقطة البداية الجغرافية فكانت الخان، وهو مبنى موجود في وسط المدينة، وقد كبرنا ونحن نعتقد أنه مبنى وحيد، ولم نعرف أن حوله كانت مدينة كاملة بقطر كيلومتر مربع.
"عرب 48": هل أنت لداوي بالأصل؟
دعادلة: نعم، أهلي هاجروا إلى اللد للعمل في محطة القطار قبل الـ48، ولهذا السبب بقينا في اللد.
"عرب 48": أبقوكم لكي تشغلوا القطار؟
دعادلة: صحيح. هناك شخص معروف من اللد اسمه فوزي الأسمر، كتب كيف جمعوا الناس في المحطة، وجاءوا برجل غطى رأسه بكيس من الخيش، مرّ على الحضور وقال: هذا أبو العبد يشتغل بالسكة الحديد، أبقوه ينفعكم، وأبو فلان ينفعكم، ومن لا ينفعهم أركبوه على شاحنة وأخرجوه من البلد.
أنا، أهل جدي من عكا، هُجّروا جميعًا إلى سورية ولبنان، وبقي جدي لوحده لأنه يعمل في القطار. وكذلك أهل جدي الثاني من عسقلان هُجّروا إلى غزة ومصر، وبقي هو الآخر لأنه يعمل في القطار.
"عرب 48": قلت إنك استعدت خارطة ثلاثة أحياء؟
دعادلة: نعم، هذا واحد من المقالات وفصل في كتاب سيصدر قريبًا عن اللد. وأنا عندما حاولت استرجاع اللد القديمة من أواخر القرن التاسع عشر، استعنت بأوراق هي سجلات محكمة شرعية كانت في اللد، وكان الناس يتقاضون فيها في مختلف القضايا، وليس في قضايا الزواج والطلاق فقط.
وقد تمكنا من العثور على سجل يتيم من سجلاتها، يقع في حوالي 300 صفحة، ويوثق منذ عام 1872. كان قد أُرسل إلى القدس لسبب ما، ولم يجرِ استرجاعه قبل النكبة، ولذلك نجا من المصادرة، علمًا أن إخوة هذا الدفتر، وهم رف كامل من السجلات، جرت مصادرتهم.
كذلك وجدنا أوراقًا تخص اللد في محكمة الاستئناف في يافا. وبمساعدة هذه الوثائق، نجحت في استرجاع ثلاث حارات. حارة أسميتها "حارة الحمام"، بُنيت حول الحمام القديم الذي شكل معلمًا أساسيًا في حينه. وأقيمت حوله المقاهي والمحلات، واليوم تم محوه نهائيًا.
الوثائق تعطينا أسماء ناس كان لهم دكاكين حول الحمام، وأنا اليوم أستطيع أن أقف معك في موقع الحمام وأقول لك: هنا، على اليمين، الحاج يوسف الفار، له كذا وكذا وكذا، وأن آخذك إلى بيته الذي يقع في الحارة الثانية من الحارات الأخرى التي استرجعتها، وأن أقول لك: هذا شخص من دار العجمي، بجانبه جيران له من دار أبو الهدى، ومن الجانب الآخر جيران من دار كرزون.
إنك تتفاجأ كيف أن الوثائق تستنطق وتجلب لك أناسًا. أنت تنظر حولك ولا ترى شيئًا، ولكن الوثائق والأوراق تخرج أرواحًا معينة.
"عرب 48": قلت حارة الحمام وحارة الخان، والثالثة ماذا سميتها؟
دعادلة: الحارة الثالثة كان يسكنها الكثير من الأولياء، وفيها مقام اسمه سعد وسعيد، وحوله بُنيت حارة كاملة. مثلًا، هناك سيدة أسموها "ست أخوتها"، لها الكثير من المآثر، وهناك الكثير من السجلات عنها.
وهناك عائلة اسمها الكيالي أو الكي، يُحسبون من الأشراف، أي أن أصولهم تعود إلى سلالة النبي محمد. وعندك أيضًا أشراف في يافا وغيرها. وعندما ذهبت إلى المقبرة التي دُفن فيها أهلي، وجدت منطقة معينة فيها شواهد قبور كبيرة لعائلة الكيالي. فترى القبور مبنية وذات مكانة، ولهم حارة كاملة في المقبرة. وعندما ترى مكانة القبور، يمكنك أن تتخيل كيف كانت بيوتهم.
لكني أنا القادم من عامة الشعب، لا من الأشراف ولا من غيرهم، أتأسف أن الحارات الثلاث التي استعدتها هي حارات أغنياء.
"عرب 48": يبدو أن الأغنياء يتركون معالم وآثارًا أكثر من غيرهم، في حين أن قبور الفقراء وبيوتهم تندثر لأنها ليست فخمة ومتينة، وحتى ذكرهم يُمحى؟
دعادلة: صحيح. أنا وأنت ليس لدينا عقار نبيع ونشتري فيه، ولذلك لا نُذكر في السجلات. ما أريد قوله إن البحث يكون منقوصًا، لأنك تسترجع طبقة معينة من المكان.
"عرب 48": ولكن الحقيقة أننا عندما نتحدث عن عمران، فهذا هو العمران الأساسي، ومن خلاله لا نحكي قصة الطبقة فقط، بل قصة كل الشعب؟
دعادلة: ربما، ولكني، كمؤرخ، سأبقى أحاول أن أبحث عن المهمشين الذين قصتهم غير موجودة حتى داخل القصة الفلسطينية.
توفيق دعادلة: محاضر في قسم تاريخ الفن وقسم دراسات الإسلام والشرق الأوسط في الجامعة العبرية.