27/09/2026 - 10:11

قمر مشرقي - أسعد: القوانين والأنظمة العسكرية أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في الضفة

ترى المحامية والباحثة د. قمر مشرقي - أسعد أن المنظومة القانونية والعسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية تُستخدم لإعادة تشكيل الحيز الجغرافي والديموغرافي بما يخدم المشروع الاستيطاني. وفي حوار مع "عرب 48" تتناول آليات السيطرة على الأرض وانعكاساتها على الفلسطينيين.

قمر مشرقي - أسعد: القوانين والأنظمة العسكرية أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في الضفة

قوات إسرائيلية تتدخل بعد هجوم مستوطنين على فلسطينيين في سوسيا، الخليل، 24 أيلول 2021 (Getty Images)

في مقال بعنوان "القوة، القانون والمكان في ظل الاحتلال"، أدرجته في إطار بحثها للدكتوراة، الذي ناقش "دور القائد العسكري في تصميم الجغرافيا القانونية وتأثيرها على الفلسطينيين في الضفة الغربية"، وتطبيقات هذه السياسة في منطقة سوسيا الواقعة في جبال الخليل نموذجًا، تقول د. قمر مشرقي - أسعد إنها، أسوةً بباحثين آخرين في هذا المجال، ترى أن ما يحدث في الأراضي المحتلة هو بمثابة استمرار أو تعميق للمشروع الاستيطاني منذ عام 1948.

ووفقًا لهذا التوجه، تقول مشرقي، وهي محامية ناشطة في مجال حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، عالجت قضايا الأرض والسكان في المنطقة عن قرب، إن الحكم العسكري الإسرائيلي يستخدم مبدأ "الوضع المؤقت" وإجراءات أخرى تتعلق بالأمن القومي لخدمة النظام الاستيطاني، وإنه تحت مظلة "الوضع المؤقت" المستدام، يسيطر القائد العسكري على حركة السكان وعلى أراضٍ خاصة، وينفذ عمليات هدم، ويفرض قيودًا، ويمارس صلاحيات ويشرعن ذلك استنادًا إلى أنظمة الاحتلال والقوانين العسكرية، بما يؤدي في المحصلة إلى تغيير الحيز الجغرافي والديمغرافيا.

قمر مشرقي - أسعد

وترى الدراسة أن ما جرى في الأراضي المحتلة هو استعمار استيطاني، تتنوع فيه أساليب المحو والاقتلاع، حسب وولف، أحد أهم الباحثين في هذا المجال، حيث يتم اقتلاع السكان وفق منظومة الاستعمار الاستيطاني بواسطة الطرد الجماعي والتطهير العرقي وأساليب أخرى. وتشير إلى ما يسمى "تطهير الحيز" وفق حنفي، وهو باحث في المجال، والذي يهدف إلى فرض الهجرة القسرية على السكان ونقلهم من مكان إلى آخر داخل الأراضي المحتلة وخارجها، بواسطة عمليات اقتلاع وهدم بيوت الفلسطينيين وإقامة مستوطنات مكانها، بغية إحداث تغيير في الديمغرافيا والحيز الجغرافي.

وتتناول الدراسة منطقة سوسيا في شفا يطا بين عامي 1967 و1998 نموذجًا للبحث، حيث تفحص من خلالها استعمال إسرائيل الواسع والمستمر للمنظومة القانونية في الأراضي المحتلة، وتقوم بتحليلها بوصفها عملية دينامية ومنهجية ذات منطق داخلي موجّه، نجحت بشكل تدريجي، كما تقول، في إعادة صياغة الحيز الجغرافي والواقع الديمغرافي في منطقة سوسيا بما يخدم المستوطنين اليهود، حيث ساهمت الإجراءات القانونية التي اتُّخذت في تقليص الحيز الفلسطيني وخلق حيز استيطاني جديد يسعى إلى محوه والحلول محله.

لإلقاء المزيد من الضوء على الموضوع، أجرينا هذا الحوار مع المحامية د. قمر مشرقي - أسعد، المديرة المشاركة في مؤسسة "حقل" للدفاع عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.

"عرب 48": يلاحظ أن هناك تداخلًا بين عملك ونشاطك القانوني وبين دراستك الأكاديمية، فأنت ناشطة كمحامية في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني في المنطقة موضوع دراسة الدكتوراة، وهي منطقة سوسيا في شفا يطا ومسافر يطا؟

مشرقي: في الحقيقة، كانت البداية بالعمل في مجال الأراضي والتحقيق في الضفة الغربية، من خلال مؤسسات حقوقية، منذ أعوام 2004 - 2005، حيث نشطت في هذا المجال لفترة طويلة قبل أن أبدأ دراستي الأكاديمية. وكانت منطقة جنوب الخليل، "مسافر يطا" و"شفا يطا"، التي هي منطقة "سوسيا"، هي الحب الأول، كما يقولون. ومن هناك توسع عملي إلى منطقة نابلس ومنطقة بيت لحم، وقريوت وعين جالوت، لكن ظل الجزء الأكبر من نشاطي يتركز في جنوب الخليل.

كانت البداية في جمعية "حاخامات لحقوق الإنسان"، حيث أقمت القسم القانوني الذي يُعنى أساسًا بمواضيع التخطيط والبناء والأراضي. وفي حينه، لم تكن أي مؤسسة أخرى تهتم بهذا المجال الذي يعالج قضايا "الإعلان عن أراضي دولة" و"وضع اليد"، وكل موضوع الوصول إلى الأراضي وحماية الأراضي في وجه هذه الإجراءات التعسفية. وبعدها انتقلت، مع شريكين آخرين، وأقمنا مؤسسة "حقل" التي تُعنى بذات المجالات عام 2016.

"عرب 48": وهذا ما دفعك، ربما، إلى دراسة الموضوع أكاديميًا وإنجاز بحث الدكتوراة في هذا المجال؟

مشرقي: صحيح، لكن الدراسة كانت حول ملفات منتهية كي لا يكون هناك تضارب، وتناولت سياسة القائد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية عمومًا، وفي منطقة "سوسيا" و"شفا يطا" بشكل خاص، والأنظمة والقوانين وكيفية تنفيذها من خلال الجيش الإسرائيلي، معتمدة على الملفات التي عملت عليها في تلك الفترة، وأثر ذلك على الجغرافيا والجغرافيا القانونية، بمعنى تأثير القانون على الجغرافيا وتأثير الجغرافيا على القانون والعلاقة المتبادلة بينهما.

هذا إضافة إلى أثر هذه السياسة على السكان وعلى معيشتهم وعلاقتهم بالأرض، التي هي، كما نعلم، ليست مجرد أرض، بل أساس لشبكة علاقات اجتماعية واقتصادية واسعة تشكلت على مر السنين، وكيف أثر ذلك على الناس الذين جرى اقتلاعهم وتهجيرهم من موقع إلى آخر.

"عرب 48": الدراسة تناولت استعمال القانون وتوظيفه في عملية مصادرة الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها لصالح إقامة المستوطنات؟

مشرقي: صحيح، مقابل دور الناس وصمودهم وإصرارهم على البقاء، والآليات القانونية وغير القانونية التي استعملوها في صراعهم على أراضيهم وبيوتهم.

"عرب 48": أخذت مسافر يطا كنموذج مصغر لما هو جارٍ في الضفة الغربية من عمليات مصادرة أراضٍ وعمليات اقتلاع وإحلال للسيطرة على الحيز الجغرافي؟

مشرقي: شفا يطا هي نموذج يمثل كل الضفة الغربية، وقد اخترتها لتوافر المعطيات الخاصة بها بحكم عملي ونشاطي القانوني هناك على مدى سنوات. وقد عملت أيضًا في منطقة بيت لحم، والأمور لا تختلف هناك أيضًا، لكن بدايتي كانت مع "حاخامات لحقوق الإنسان" في جنوب الخليل، وتعرفت إلى الناس. وللمجتمع هناك ميزات خاصة، فهو يختلف عن رام الله ونابلس وغيرها، فهناك الناس أكثر قروية وارتباطًا بالأرض.

لقد دهشت عندما تعرفت إليهم لأول مرة؛ أناس يسكنون في المغر وما زالوا يزرعون ويفلحون الأرض. هذا الشيء لا نجده كثيرًا، لأنه في طريقه إلى "الانقراض"، وهو عزيز على قلبي. أنت ترى مدى ارتباط الناس ومعايشتهم للأرض والحيوان بطريقة غريزية، تلمس ذلك وتراه بوضوح كبير، وهو أمر يستحق أن يتم تخليده أيضًا بواسطة الكتابة الأكاديمية، قبل أن يُطمس ويندثر، خاصة أنه اليوم، وعلى بعد بضع سنوات فقط، أرى أن جزءًا من "المجتمعات" التي كتبت عنها لم تعد موجودة.

"عرب 48": لقد جرى محوها بشكل متعمد من قبل الاحتلال وليس بفعل تطور طبيعي؟

مشرقي: طبعًا، نحن لا نتحدث عن مجتمعات تنقرض، بل عن أناس يقاومون. ولكن هناك آلية صعبة جدًا في السنوات الأخيرة، وحكومة تقرر أشياء وتنفذها على أرض الواقع، والنتيجة تكون فورية ومباشرة وتراجيدية بالنسبة إلى الناس وحياتهم.

"عرب 48": ما هي الآليات القانونية المستعملة للسيطرة على الأرض؟

مشرقي: عمومًا، نتحدث عن آليات تم استخدامها منذ الثمانينيات وحتى عام 2010، وهي الفترة التي تتناولها الدراسة. أهمها الإعلان عن "أراضي دولة"، حيث قامت سلطات الاحتلال بالإعلان عن كم هائل من هذه الأوامر في المنطقة "ج"، وهي المنطقة الواقعة تحت سيطرة إسرائيلية كاملة.

"عرب 48": تقصدين بعد اتفاقيات أوسلو التي خلقت هذه التصنيفات؟

مشرقي: إعلان أراضي الدولة بدأ قبل أوسلو، ومنذ القرار المتعلق بمستوطنة ألون موريه في السبعينيات، وقد استعملوا الآلية نفسها التي استعملوها سابقًا في الجليل، حيث جرى الإعلان عن مناطق واسعة كأراضي دولة، مستغلين أن التعامل كان، حسب القانون العثماني، الذي لم يعتمد تطويب الأراضي. وطالبوا الناس بإثبات ملكيتها على الأرض استنادًا إلى المادة 78 من القانون العثماني، التي تنص على أن على صاحب الأرض إثبات أنه كان يفلح الأرض لأكثر من عشر سنوات، وتفسيره الإسرائيلي الذي اشترط فلاحة أكثر من 50% من مساحة الأرض.

ومن الواضح أنه في مناطق مثل جنوب الخليل، التي هي مناطق جبلية صخرية، يزرع الناس فيها بين الصخور، تصبح إمكانية إثبات فلاحة أكثر من 50% من مساحة الأرض مهمة مستحيلة.

هذا ناهيك عن أن الكثير من الأهالي لم يعرفوا أن أراضيهم أُعلنت كأراضي دولة إلا عندما بُوشر بالعمل في الأرض وإعدادها لإقامة المستوطنات. فلا يكفي أن الدولة قلبت عبء الإثبات، بمعنى جعلت مسؤولية إثبات ملكية الأرض على صاحب الأرض، فإن الحديث يدور عن سنوات السبعينيات والثمانينيات، حيث عينت سلطات الاحتلال مخاتير غير مقبولين لدى الأهالي الذين رفضوا التعاون معهم.

كما أن الناس لم تكن تعي ماذا يعني الإعلان عن أراضي دولة وكيفية التعامل معه، ولم تكن قد تبلورت بعد جمعيات ومؤسسات للدفاع عن حقوق الإنسان والأرض. ناهيك عن أن جزءًا من المحامين قد أضاعوا الملفات من بين أيديهم، وهناك أناس سلكوا المسار القانوني وخسروا، لأنه، كما أسلفت، كان تفسير القانون العثماني صعبًا ويشوّه ما وضعه العثمانيون، الذين كان هدفهم تحصيل الضرائب، بينما هدف الإسرائيليين هو الاستيلاء على الأرض.

"عرب 48": وماذا عن القانون الدولي الذي يلزم القوة المحتلة بالسير وفقًا لأحكامه؟

مشرقي: هذه الإجراءات تتعارض في جوهرها مع القانون الدولي، وتعتبر بمثابة ضم غير قانوني، في حين أن القانون الدولي ينص على أنه على القوة المحتلة أن تتبع تفسيرات أنظمة الحكم السابقة عليها. والحقيقة أن التفسير القانوني الذي اتُّبع في المحاكم الإسرائيلية التي شرعنت مصادرة أراضي الجليل انتقل إلى المحاكم العسكرية في الضفة الغربية، وجرى بموجبه مصادرة غالبية أراضي الضفة أيضًا.

هذه الآلية كانت الآلية الرئيسية لبناء المستوطنات، وحسب معلومات قدمتها الإدارة المدنية لمؤسسات عاملة في الضفة الغربية، فإن 99.9% من الأراضي التي أعلنت أراضي دولة خصصت لصالح المستوطنين، علمًا أن قانون أراضي الدولة يقضي بأن يتم استخدام هذه الأراضي لصالح السكان، وهم الفلسطينيون في هذه الحالة.

كما أن القانون ينص على أن على الدولة المحتلة، في هذه الحالة، أن تدير هذه الأراضي إلى حين أن يأتي من يستبدلها، بمعنى أن تحافظ عليها لكي تسلمها إلى الحكم القادم، لا أن تنقلها إلى المستوطنين.

"عرب 48": هل هناك آليات أخرى يجري استعمالها؟

مشرقي: نعم، هناك "المواقع الأثرية"، و"وضع اليد" لأسباب أمنية، و"المناطق العسكرية". فالجدار الفاصل اقتطع مساحات شاسعة بدواعٍ أمنية، وقد جرى استخدام هذه الآلية لنقل مناطق واسعة لصالح الاستيطان. هذا ناهيك عن استخدام آليات التخطيط والبناء وهدم البيوت الفلسطينية ومحاصرة النفوذ.

القضية التي اشتهرت أكثر من غيرها في أواخر السبعينيات هي قضية منطقة إطلاق النار 918، إذ تم الإعلان عن حوالي 15 قرية في مسافر يطا، هي وأراضيها، كمنطقة إطلاق نار لتدريب الجيش الإسرائيلي، علمًا أنه كانت هناك تصريحات واضحة في حينه لشارون يفصح فيها عن أن الهدف الحقيقي للسيطرة على هذه المنطقة هو قطع التواصل بين الضفة الغربية والنقب.

كما أن القضية مُثلت أمام المحكمة العليا، التي أيدت قرار القائد العسكري باعتبار المنطقة منطقة عسكرية.

"عرب 48": المحكمة العليا الإسرائيلية شرعنت المصادرة؟

مشرقي: جزء من دراستي يتعلق بكيفية تعامل المحكمة العليا مع القرارات المتعلقة بالأمن، والتي عادة ما توافق وتعطي دعمًا لقرارات القائد العسكري، بصفته الخبير الأول القادر على اتخاذ القرار بهذا الشأن. وهي عمليًا لا تبدي أي ذرة من الشك في نواياه، وترفض دعاوى الفلسطينيين ذات العلاقة. والأمر نفسه يتكرر في قضايا أراضي الدولة، بمجرد استحضار صور جوية تشير إلى أن أكثر من 50% من الأرض غير مزروعة.

ومن الجدير التنويه إلى أن دراستي لم تتطرق إلى السنوات الأخيرة التي جرى خلالها تهجير قسري واضح وملحوظ.

"عرب 48": أشرتِ إلى أنه حتى عندما تتخذ المحكمة قرارًا لصالح الفلسطينيين، فإنها لا تمتلك آليات لتطبيقه، لأن السلطة التنفيذية في الضفة الغربية هي الجيش الإسرائيلي، الذي يتساوق مع سياسة الحكومة؟

مشرقي: القرار في النهاية يعود إلى الدولة وسلطاتها التنفيذية. وقد وصلنا إلى مرحلة أن القاضي يعرف سلفًا أن قراراته لن تنفذ، ولسان حاله يقول: ماذا يقيدكم القرار؟ ومن جهتنا نعرف أنهم من وضعوا القانون، وهم من يفسرونه، ونحن نحاول أن نجد متنفسًا لنا بين الثغرات.

"عرب 48": هناك في سوسيا منطقة آثار أيضًا؟

مشرقي: مستوطنة سوسيا جرى الإعلان عن أراضيها أراضي دولة عام 1983، وبعد ثلاث سنوات أقاموا عليها المستوطنة. وعندما توجه الأهالي إلى العليا، رفضت استئنافهم. وبعد ثلاث سنوات أخرى، فطنوا إلى وجود منطقة آثار فيها كنيس، وهناك جامع أيضًا، فأصدروا أمر مصادرة وطردوا السكان، ليشكلوا سابقة في طرد الناس من أراضيهم وبيوتهم بسبب وجود منطقة أثرية.

"عرب 48": طالما أن الأمور تسير على هذه الشاكلة، ما الطائل من عملكم القانوني؟

مشرقي: طبعًا، جزء من الدراسة أُفرد لنجاحات بطيئة. مثلًا، هناك قرار استغرق 15 سنة لإخراج المستوطنين من الأرض، ولكنها نجاحات يتم إضعافها على مر السنين. لكن هدف دراستي هو إظهار أن الأمور ليست أسود وأبيض. فمن جهة لدينا منظومة احتلال، ومن الجهة الأخرى صمود الفلسطينيين وإصرارهم على البقاء، وبالنهاية الناس يقولون لي: لا يوجد لدينا مكان نذهب إليه، ولذلك لا خيار أمامهم سوى البقاء والصمود في أرضهم.


د. قمر مشرقي - أسعد: مديرة مشاركة في مؤسسة "حقل" لحقوق الإنسان، التي تنشط في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في مجال الأراضي في المناطق المحتلة، وإحدى مؤسساتها، وهي باحثة في مجال الجغرافيا القانونية، وإعادة صياغة الحيز الجغرافي والنضال الأصلي.