سلوكنا في انتخابات السلطات المحلية العربية من منظور إجتماعي- ثقافي- تاريخي/ *عوض عبد الفتاح

سلوكنا في انتخابات السلطات المحلية العربية من منظور إجتماعي- ثقافي- تاريخي/ *عوض عبد الفتاح

تشكل انتخابات السلطات المحلية العربية أكثر الأحداث الإجتماعية/السياسية هيمنة على عقول وهموم المواطنين العرب في الداخل.. وأكثرها تأثيراً في تعزيز القبلية وفي تغذية السلوكيات الأنانية وتغييب الكفاءة والسياسة وتكريس التأخر الإجتماعي والحضاري، وهي نفس الحالة في العديد من أقطار الوطن العربي. ولهذا الواقع جذور تاريخية إجتماعية تعود إلى قرون خلت. فالمجتمع العربي الفلسطيني هو جزء من المجتمع العربي وتخلفه جزء من تخلف هذا المجتمع.


وعند عرب الداخل اتخذت القبلية وعقليتها منحىً خطيراً في ظروف الإنحسار الوطني الذي بدأت ملامحه الواضحة تظهر أوائل التسعينيات. إذ أن الأحزاب السياسية الوطنية التي كان نشوؤها وتطورها في السبعينيات والثمانينيات مدفوعاً بتطورات إقليمية(عربية وفلسطينية)، أخفقت في محاصرة قيم القبيلة واحتوائها على طريق تهذيبها وتخفيف حدتها، وحلول التنظيم العصري-الحزبي والمؤسساتي محلها.


المفارقة هي أن "الحداثة الإسرائيلية" التي أتاحت للفلسطينيين في إسرائيل إجراء هذه الإنتخابات و"إدارة" قراهم ومدنهم، هي نفسها التي ساهمت في خلق الحداثة العربية المشوهة فتحولت القبيلة وبعد ان إنقسمت الى بطون متنافسة ومتنابذة إلى " حزب " (قائمة عائلية – قائمة العضوية أو قائمة الرئاسة) فغابت قيم القبيلة الاصيلة من تكافل اجتماعي بين أفرادها، واحترام الكبار، وبقي منها قيم مشوهة هي خليط من العصبية القبلية القديمة والانانية والفردانية الناتجة عن الحداثة المشوهة، اضافة الى بعد الاسرلة. لم تخلق إسرائيل القبلية العربية ولكنها استغلتها وعمقتها خاصة في العقود الثلاثة بعد قيامها. وهذا نهج استعماري معروف. وفي رسالة لأحد المسؤولين في الشاباك الإسرائيلي إلى أحد مرؤوسيه عام 1959، أورد الباحث نبيه بشير بعضاً من نصها في كتابه "يوم الأرض ما بين القومي والمدني" جاء فيها بما معناه أن هناك ضرورة لتحويل عداء العرب للدولة واليهود إلى عداء داخلي عن طريق إنتخابات السلطات المحلية.


وبالتحليل الأخير، فإن الواقع الموضوعي الذي فرضته إسرائيل على العرب في الداخل، أدى إلى إحتجاز تطورهم الطبيعي؛ تطور اقتصادهم وتطور مجتمعهم وتطور ثقافتهم.


 


نظرة تاريخية


 


يُصاب في الغالب المتطلعون من بيننا إلى التغيير الحقيقي في المجتمع العربي، وفي إدارة السلطة المحلية العربية بحالة إحباط كلما اقتربت الإنتخابات المحلية وحال انتهائها ومعرفة نتائجها. إذ تتراجع السياسة والإجتماع والفكر عن هذه المعركة وتهيمن عليها السطحية والنزعة العائلية والشخصانية. وينجرف المواطنون بسوادهم الأعظم وراء هذا النمط من النقاش والجدل دون وعي وبدون قصد في غالب الأحيان. تنسحب بعض النخب من هذه المعارك الإنتخابية وتتعفف عن المشاركة بها، ويكتب بعض "الهواة" مقالات تشتم المجتمع والعائلية والشخصيات المرشحة دون تقديم فهم علمي وتاريخي وموضوعي يساعد الناس على فهم الواقع الذي نكابد مرارته. وأعترف أني كنت من هؤلاء "الهواة" في الثمانينيات، وطنياً متحمساً أرى في العائلية عقبة أمام تحرير الوطن، دون أن أعطي أهمية لدورها في إعاقة المجتمع وإعاقة الفرد في عملية التحرر الفكري والإجتماعي رغم أن الثقافة والفكر لم تغب عن اهتمامي منذ بواكير الشباب. ولكن الحماسة الوطنية الجياشة التي كانت تهيمن على جيلي من الشباب كانت وراء ذلك. هكذا طغى السياسي – الوطني على حساب الإجتماعي والثقافي عند الأحزاب السياسية ونشطائها وقادتها. وللأسف لا تزال هذه السيطرة قائمة عند الجزء الأكبر من الأحزاب السياسية وقياداتها وأستطيع أن أقول أن لا حزب مستثنى من ذلك. ومن الملاحظ أيضاً ومن تجليات الإنحدار المستمر هو خروج كوادر حزبية من أحزابها وترشحها على أساس عائلي، أو اقتحام شخصيات أكاديمية ساحة الإنتخابات المحلية وتفوقها على الأحزاب السياسية من حيث حصدها للأصوات. وتضطر بعض هذه الأحزاب إلى التفاهم مع بعض هؤلاء المرشحين إذا كانوا يحظون بقدر معيّن من المصداقية الشخصية وغير منتمين لأحزاب صهيونية ودعمهم في مواجهة مرشحين آخرين لا تتوفر فيهم تلك الصفات.


ولكن بعد هذا الشوط الزمني الطويل الذي هيمنت فيه القوائم المستقلة والعائلية على أجواء الإنتخابات المحلية على حساب الأحزاب السياسية ونظراً لظهور بوادر الإفلاس لهذه القوائم، لا بدّ من إجراء مراجعات جذرية على مستوى المجتمع تقوم به النخب المثقفة والسياسية للحالة التي وصلنا اليها وإيجاد الطرق والآليات لإيصال هذه المراجعات والتحليلات إلى أوسع شرائح المجتمع وأن لا تبقى راقدة في بطون بعض النسخ من هذه الدراسة الجدية أو تلك ومحصورة في حلقات ضيقة من الأساتذة وحفنة من المهتمين. يجب أن نقوم بعملية تنوير منظمة ومنهجية ليس على مستوى النخب الباحثة والمختصة، بل على مستوى آلاف الجامعيين والمتعلمين والمواطنين العاديين ذوي الإهتمام بالشأن الثقافي ودوره في تغيير العقلية الراهنة.


هذه العملية التنويرية ليست كافية بحد ذاتها على احداث التغيير، ولكنها ضرورية من اجل الوصول الى النتيجة العلمية وهو  أن تقدم المجتمع بصورة عامة، ومجتمعنا العربي في الداخل يحتاج في نهاية المطاف الى مشروع اقتصادي انتاجي يؤدي الى الاعتماد على الذات واعادة انتاج الثقافة الوطنية والتقدمية. ومن اهداف العملية التنويرية الوصول الى هذه القناعة وهذا التصور.


لن يجدِي نفعاً مهاجمة هذا الحزب أو ذاك واتهامه بإقامة التحالفات العائلية وغيرها. فالواقع الذي وصلت إليه أصبح معقداً وحصيلة تطورات داخلية (إجتماعية-إقتصادية) وحصيلة عوامل سياسية خارجية قسرية (السلطة الإسرائيلية) وحصيلة ممارسات أو عجز الأحزاب السياسية عن إحداث تغيير حقيقي.


 


فكيف نبدأ نظرياً؟ وكيف ننتقل إلى العملي؟


المجتمعات الحديثة، وبالتحديد الغربية، مرت بعملية طويلة من التكون، انتقالاً من نمط الحياة القديم القبلي، الرعوي، الأقطاعي-الزراعي، إلى الرأسمالي الصناعي. بطبيعة الحال يرافق عملية التطور الإقتصادي والصناعي الذي لم يكن يتم بدون إطلاق حرية العقل، والبحث العلمي، ونشوء نظريات في الإقتصاد والإدارة والسياسة تواكب المرحلة الجديدة. فالحياة الرعوية تعتمد على التنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن أماكن للرعي أي أن هذا النمط من الحياة لا ينتج حياة مستقرة تمكن الإنسان من إشغال العقل في بناء البيت الثابت والتفنن في بنائه وخلق المراكز الحضرية الثابتة وبالتالي نشوء الأفكار الجديدة في كافة ميادين الحياة الأدبية والثقافية والفلسفية والمادية. الإنتقال إلى المناطق القريبة من الأنهار والإعتماد على الزراعة أدى إلى حياة مستقرة نسبياً فطور الإنسان الزراعة ودجّن الحيوان وبنيت الحضارات ونشأت طرق جديدة في السياسة أي في كيفية إدارة المجتمع – القبيلة أو المدينة أو المملكة (أثينا، إسبارطة وغيرهما في أوروبا. ومملكة سبأ وتدمر وغيرهما في الشرق جنوب الجزيرة العربية وشمالها وبلاد الشام).


كان هناك الإنتقال من الأقطاع ؛ نظام اقتصادي يقوم على احتكار عدد  من البشر لاراض واسعة ويشغل فيها الفلاحون بالسخرة (والذي أطلق عليهم الأقنان) وهو نظام اتسم بالجمود فضلاً عن الإستغلال للبشر ومعاداة العلم والعلماء والفكر الحّر. كانت الكنيسة متحالفة مع هذا النظام الإقتصادي-الإجتماعي الظالم.


ساد هذا النظام في أوروبا حتى القرن الخامس عشر ، أي حتى انطلاق ما أصبح يعرف لاحقاً بعصر النهضة – ولادة أوروبا من جديد بعد أن كانت في ظلام دامس منذ أفول الإمبراطورية الرومانية واليونانية وحضارتها وفلسفتها القديمة التي قامت عليها. كان من أوائل الذين تصدوا لهذا التحالف ولهذا النظام القس مارتن لوثر، مقدماً تفسيراً جديداً للدين المسيحي ولدور الكنيسة. هكذا بدأت النهضة الأوروبية باصلاح ديني وتحرير الكنيسة من التأويلات المناقضة لتعاليم المسيح الأصلية – المساواة، المحبة الرأفة والعدالة. ويعطي الدنيا والعمل الدنيوي حقه، وللاسنان حرية التفكير. كان في الحقبة نفسها مفكرون سياسيون علمانيون نظروا للدولة الجديدة، أهمهم الإيطالي ميكافيلي. (أنظر كتاب الأمير).


من عصر النهضة إنطلقت حضارة جديدة لأوروبا قوامها: نشوء الدول القومية، على أنقاض نظام الإمبراطورية. قامت الدولة الجديدة بحدود معرفة،  حكومة مركزية واحدة التي أعادت توحيد الشعب/الأمة على أساس اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة وعلى أساس السوق الإقتصادية الموحدة. ومن أجل تعزيز هذه الوحدة تم فصل الدين عن الدولة، وبُني جيش وطني واحد الذي صهر فيه أبناء الشعب الواحد، وأقيمت المدارس والتعليم الرسمي الذي يقدم رواية واحدة لتاريخ الأمة فيتعزز الشعور بالإنتماء إلى أمة واحدة. في هذه البنية السياسية الإجتماعية الجديدة/الحديثة ذابت او تراجعت الإنتماءات القديمة، السابقة على التشكيل القومي، مثل القبلية/الجهوية (شمال وجنوب وغيرها) والمذهبية-بروتستانت، كاثوليك وغيرها. وقد شهدت هذه الإنتماءات قبل تشكل الدولة القومية حروبًا طاحنة راح ضحيتها الملايين، أبرزها حرب الثلاثين عامًا في القرن السابع عشر. ولذلك تُعتبر الدولة القومية أو الوحدة القومية مرحلة متقدمة وحديثة مقارنة مع ما كان قائماً. ليس ذلك فقط بل لأن نشوء المجتمع القومي الذي يقوم على الوحدة القومية، وليس على اساس القبيلة أو على أساس الإنتماء الجهوي او المذهبي، ولأنه أيضاً مع تقدم الزمان ومع التطور الإقتصادي والسياسي والثقافي نشأت حاجات جديدة للمجتمع، مثل الحاجة إلى مشاركة الشعب في الحكم، وحماية الفرد من عسف الدولة وحقه في التملك وغيرها، فنشأت منظومة حقوق تدعو إلى ذلك وإلى احترام حقوق الإنسان وفصل السلطات عن بعضها البعض (التنفيذية والقضائية والتشريعية) ومساواة الناس أمام  القانون. وحق المواطن أن يحظى بمحكمة عادلة إذا وجهت إليه تهمة.


وقد تطورت الديمقراطية، كنظام حكم، وفكرة مشاركة الناس في اختيار ممثليهم، عبر فترة طويلة من الزمن ظهرت خلالها حركات ومفكرون ومبادرات شعبية تحمل هذه الأفكار، والتي طالبت بتوسيع حيّز الديمقراطية بعد أن كان في المرحلة الأولى حقاً للنخب ولمن يملكون وللذكور فقط. ووصلت ذروة هذه التغيرات في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إذ أصبح الإقتراع والترشح حقًا لكل فرد.  إن بعض الدول الأوروبية رغم الثورات والتحولات الديمقراطية التي وصلتها، ظلت  تحرم النساء من حق التصويت حتى أواسط القرن العشرين.


بطبيعة الحال، حملت وتحمل التجربة الحضارية الغربية مفارقات وتناقضات كبيرة، ليس هنا المجال لسردها، ولكن نكتفي بالقول أن النزعة الإنسانوية التي رافقت النهضة الأوروبية في مراحلها الأولى، بدأت تطغى عليها، بعد فترة وجيزة، نزعة غير إنسانية وغير عادلة تمثلت في استغلال الطبقات العاملة داخل بلادها استغلالاً فاحشاً خاصة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وصولاً إلى إستعمار الدول الفقيرة، لنهب ثرواتها وبحثاً عن أسواق لبضائعها ولتوظيف فائض ثرواتها الهائل. وخاضت من أجل ذلك حروبًا وحشية ضد شعوبها. فبعد أن أطلقت النهضة الأوروبية العقل من قيود الكنيسة، والإقتصاد من قيود الأقطاع وبعد أن أدت إلى نشوء طبقة وسطى ونخب ذات تفكير حديث، بفضل الفكرة الليبرالية والحرية الفردية المطلقة في الإقتصاد التي قامت عليها النهضة، وجدت أوروبا نفسها، بعد قرنين من الزمان أمام إقطاع جديد بلباس حديث – إقطاع الصناعة ورأس المال. وتركزت الثروة في ايدي الطبقة الاجتماعية الصاعدة، وتحولت النخب الحاكمة والطبقة المستندة إليها عبيداً للعقل، ولنتائج العقل والقوة.


ولكن يمكن تلخيص التجربة الإجتماعية-الثقافية الناتجة عن النهضة الأوروبية – هو أن حصول ما يسميه علماء الإجتماع عملية تذرير – أو تفتيت – أي تفتيت الجماعات العضوية – القبلية أو الطائفة إلى افراد وكل فرد حر مستقل سيّد نفسه ويذهب إلى صناديق الإقتراع ليدلي بصوته وينتخب من يمثل مصالح المجموع، مصالح الوطن وليس مصالحه الفردية.. دون أن يكون واقعاً تحت تأثير القبيلة أو الطائفة أو المذهب، كان من النتائج الإيجابية لهذه النهضة. فالإنتماءات العضوية ما قبل القومية كالقبيلة إما زالت أو إما أنها أصبحت مسألة شخصية تهم علاقة الشخص بخالقه وتحظى باحترام الدولة والقانون.. هكذا تصبح معايير إختيار الحاكم، أو عضو البرلمان، أو رئيس السلطة المحلية معايير عقلانية وليست عاطفية غرائزية. وبطبيعة الحال لا نشبّه الإنتماء القبلي بالإنتماء الديني. ولكن التعصب القبلي يوازي التعصب الطائفي.


 


تأثر العرب بالنهضة


 


واستناداً إلى هذه المفاهيم العصرية، واستناداً إلى كل ما هو عظيم في تجربة العرب الحضارية منذ صدور الإسلام، طرح المصلحون العرب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مشروع أو فكرة إعادة الإعتبار لدور العرب في الحضارة بعد أن تمّ تهميشه وإضعافه على يد الأتراك العثمانيين. وتطورت الفكرة في القرن العشرين كمشروع متكامل لتوحيد العرب في مواجهة الإستعمار الغربي، وتسلم قوميون كبار زمام الحكم في دولهم في اوائل النصف الثاني من القرن العشرين محققين إنجازات كبيرة لكن دون أن تُفضي إلى تحقيق المشروع العربي الوحدوي.


 وإستناداً إلى ذلك ايضا يطرح التجمع الوطني مسألة وحدة عرب الداخل القومية-العربية عبر شعار إعادة تنظيمهم قومياً أي من خلال الإنتخاب المباشر لقيادة قومية تشارك فيها الأحزاب السياسية وليس أحزاباً طائفية أو أحزاباً عائلية وتكون نابعة من قانون يتفق عليه العرب أنفسهم وليس قانوناً يأتي من الدولة الإسرائيلية التي لا يمكن أن تمثل هويتهم القومية لأنها تقوم في الأساس على نفي هذه الهوية وما يترتب عن المطالبة بتجسيدها – أي الحقوق الجماعية – في الأرض والثقافة وحق تقرير المصير.


لقد حقق الكثير من الشعوب والقوميات الأوروبية التي كانت تخضع لسيطرة دول أوروبية أخرى في القرن التاسع عشر استقلالها وسيادتها – أي حق تقرير مصيرها وأطلق على عام 1848 ربيع الشعوب الأوروبية. منها من انفصل عن الدولة الأم وكوّن دولة مستقلة ومنها من حقق مصيره على شكل حكم ذاتي داخل الدولة الأم. ومنها من أعاد توحيد بلاده المنقسمة إلى إمارات ودويلات متقاتلة – مثل الوحدة الألمانية والوحدة الإيطالية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.


كان من المفترض أن يحقق القطر الفلسطيني استقلاله كدولة مستقلة مثل بقية الأقطار العربية بعد أن جزأ الإستعمار البلاد العربية وأخضعها لحكمه. بطبيعة الحال كان مطلب القوميين العرب أن يستقل العرب ككل ويحققوا تطلعاتهم السياسية في دولة عربية واحدة.


إن تجربة عرب الداخل هي تجربة قلّ نظيرها في التاريخ الحديث فهي جزء من شعب طرد من أرضه وحلت محله دولة غريبة.. التي استطاعت خلال 60 عامًا أن تراكم وقائع أجبرت الحكومات العربية الرسمية التسليم بها نتيجة إختلال ميزان القوى فتحول المطلب من إعادة اللاجئين وتحرير فلسطين، وإقامة الدولة العلمانية، إلى دولة مستقلة في الضفة والقطاع، وإلى المطالبة بالمساواة لعرب الداخل – داخل إسرائيل.


التجمع الوطني الديمقراطي، ونظراً للظروف المذكورة، طوّر تصوراً جديداً – يمكن أن يُفسّر كحل إنتقالي، ألا وهو إعطاء مضمون جديد للمساواة الذي رفعه آخرون منذ قيام إسرائيل، هو إلغاء البنية القانونية العنصرية التي تقوم عليها هذه الدولة. والعمل على إقامة الحكم الذاتي الثقافي لعرب الداخل يشمل السعي إلى بناء مؤسسات ثقافية واقتصادية تحقق الإعتماد على الذات كمدخل إلى تحقيق الهوية الوطنية لهذا الجزء من شعبنا كمشروع يقاوم المشروع الإسرائيلي الرامي إلى أسرلة أي تشويه هوية الأجيال الصاعدة وتحويلها إلى كيانات بشرية مشوهة تمنح الولاء للدولة العبرية.


يطمح التجمع، أو يفترض، من خلال هذا المشروع، إضافة إلى تعزيز الهوية القومية، إلى إضعاف التأثير القبلي أو الطائفي أو المذهبي في الحياة العامة – أي في السياسة. فالتكوين القومي الحديث يعني تاريخياً تغييرًا  اجتماعيًا وثقافيًا. ونحن هنا نفرق بين الدين والطائفية، فالدين شيء والطائفية شيء آخر كلياً. لأننا نعتقد أن الفهم العصري للدين يقرّ بالدولة  المدنية ولا يرى بالدولة الدينية وصفة تلائم عصرنا الحديث، ونحن لسنا من دعاة فصل الدين عن المجتمع ولكن من دعاة فصل الدين عن الدولة. فالدين بصورة عامة يلعب دوراً أخلاقياً – ولا نتحدث عن التطرف الديني والتعصب الذي هو نقيض روح الأديان جميعها.


 


التجربة العربية الإسلامية القديمة


 


هل يصلح النظر إلى التجربة العربية الإسلامية وتكوين المجتمعات العربية الحالية من منظار التجربة الأوروبية في بناء الأمم والدول والمجتمع القومي الذي قام على أنقاض القبلية والطائفية والمذهبية والتأويل القروسطوي ( نسبة الى القرون الوسطى ) للكتاب المقدس.


نطرح هذا السؤال لأنه ما من مصلح عربي أو من رائد للنهضة العربية منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، إلا وقارن التجربتين، وكان ذلك في خضّم البحث عن جواب للسؤال التاريخي لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون والعرب  بعد غزوة نابليون لمصر.


لسنا هنا بصدد مراجعة هذه المقارنات أو المعالجات التي تزخر بها المكتبة العربية (التي للأسف لا تجد من يقرأها سوى المتخصصين بسبب إنتشار أمية المتعلمين). ولكن يمكن تلخيص بعض النقاط التي تدعم فكرة هذه المقالة.


برأينا، إن التجربة العربية الوحدوية سبقت التجربة الأوروبية. فثورة الإسلام التي قادها النبي العربي محمد بن عبد الله (ص) قامت مبادؤها وأسسها على وحدة العرب والروحية والسياسية والعدالة الإجتماعية. ولكن هذا لا يعني ان التجربة العربية الاسلامية قامت من فراغ او رماد. فالمفكر القومي السوري على سبيل المثال، ميشيل عفلق يرى ان: "الإسلام هو هزّة حيوية تحرك كامن القوى في الأمة العربية" و "الإسلام حركة عربية وكان معناه تجدد العروبة وتكاملها".


قبل الإسلام كان للعرب وجود، وكانت عندهم عناصر توحد، كاللغة وغيرها. ولكن كانوا عبارة عن قبائل تتقاتل حيناً وتتهادن وتتصالح حيناً آخر. كانت القبيلة عنصر توحيد تجاه ذاتها ولكنها كانت عنصر تفتيت تجاه القبائل العربية الأخرى. في حين كان الرومان والفرس يسيطرون على بلاد الشام والعراق وأطراف الجزيرة العربية. كان في الجزيرة وشمالها تراث يهودي-مسيحي ديني وكانت الوثنية، وكانت الحياة الإجتماعية تتسم بالبداوة وبالحضرية وبالصراع فيما بينهما. هناك من عاش متنقلاً في الصحراء يبحث عن مصادر العيش التي شكلت مصدراً للنزاع بين القبائل. وهناك من عاش في القرى أو المدن حياة مستقرة نسبياً يعيش على التجارة وصناعة الحرف. كانت مكة مركزاً تجارياً وحضارياً. وكانت عشية ظهور الإسلام لا تزال تعبد الأوثان وتعيش تفاوتاً طبقياً حاداً – أغنياء بصورة فاحشة وفقراء يعيشون البؤس. كان هذا التفاوت الظالم من دوافع ظهور الإسلام الذي من مبادئه تخفيف التقطب الطبقي الذي يفرز النزاع والكراهية والبغضاء. وهذا المبدأ لا يختلف عن مبادئ المسيحية – وعن رسالة المسيح (عليه الصلاة والسلام) الذي نادى بالمحبة والرحمة والعدالة والمساواة بين البشر.


هل قامت التجربة العربية على تفتيت القبائل وتحويل أعضائها إلى أفراد ينتمون إلى أمة ودولة واحدة؟


يتفق الكثير من الدارسين للتجربة الإسلامية أن المجتمع العربي الإسلامي الأول أو دولة الرسول كانت ائتلافاً مرناً بين القبائل أكثر منه مجتمع أفراد مذررين. ويلفت هؤلاء النظر إلى أن عنصر وحدة التجربة العربية الإسلامية أو نهضة العرب في القرن السابع هو الدين.. أي أنه كان العنصر الأساسي الذي وحّد العرب سياسياً. ولكن هل كان بالإمكان توحيد العرب أو أية مجموعة بشرية دون الإستناد إلى العناصر المشتركة فيما بينها – مثل اللغة وما أنتجه القوم من أدب ونثر وشعر وخطابة عبر هذه اللغة كأداة تعبير وأداة تفكير وعنصر من عناصر الهوية المشتركة. وعلى هذا الأساس أنزل القرآن عربياً ووكل نبيّ عربيّ بالرسالة وإلى جماعة عربية ومخاطباً مزاج الشخصية العربية في الجزيرة.


ليس الإسلام موجهاً إلى مجموعة إثنية واحدة، وهو دين عالمي بل موجه إلى جميع البشر. ولكن الذي حمل وترجم رسالة الوحي إلى السياسة وفي الدنيا هم عباقرة العرب من النبيّ محمد إلى الخلفاء – والصحابة وغيرهم. وهذه التجربة هي جزء من مجد العرب وتغنى بها ليس فقط إسلاميون حركيون بل قوميون عرب مسلمون ومسيحيون مثل بطرس البستاني وجورجي زيداني وجورج أنطونيوس وغيرهم.


 


عودة مشوهة للقبيلة


 


انطلاق العرب او نهضتهم الحضارية الكبرى في النصف الاول من القرن السابع الميلادي تواصلت واتسعت وتعمقت، وتوسعت الى بلاد الشام وفي وادي النيل والمغرب العربي وصولاً الى اقصى الغرب الاوروبي. شبه جزيرة إيبيريا – الاندلس. وتحولت الاندلس الى منارة لكثير من النخب الاوروبية، وكانت الحضارة العربية الاسلامية رافداً من روافد النهضة الاوروبية.


هذا باختصار على المستوى السياسي والحضاري العام. ولكن ماذا كان الوضع على مستوى البنية المجتمعية في الدولة العربية والاسلامية. لماذا لم تتحول الدولة العربية بنهضتها التي سبقت النهضة الاوروبية بقرون، الى دولة حديثة. لماذا لم يستكمل العرب والمسلمون نهضتهم الحضارية.


كيف يمكن لهذه الحضارة العربية التي نهضت بفضل الاسلام والتي تحمل في داخلها من القوة والطاقة التحريكية الهائلة ان يكون حال اهلها على هذه الحالة. اي ان يكونوا في مؤخرة عصر التقدم والصناعة والدولة الحديثة، وخارج التاريخ.


لقد تناول هذه الاسئلة مصلحون عرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، منهم رفاعة الطهطاوي، عبد الرحمن الكواكبي جمال الدين الافغاني ومحمد عبدو فرح انطون وغيرهم الكثيرون، وحديثاً الكثيرون مثل عبدالله العروي ( المغربي ) كتاب " ثقافتنا في ضوء التاريخ " وكتاب " مفهوم الدولة عند العرب " والمفكر البحريني محمد جابر الانصاري كتاب " تجدد النهضة واكتشاف الذات ونقدها " وكتاب " سوسيولجيا الاسلام – التأزم السياسي عند العرب ".


ويتناول المفكران المذكوران فكر ابن خلدون، ويتحمس الانصاري لابن خلدون بصورة لافتة اذ يرى كما رأى إليه العديد من المفكرين في الشرق والغرب كمؤسس علم الاجتماع الحديث، وانه الوحيد الذي قدّم تفسيراً اصيلاً لخصوصية المجتمع العربي. ويعيب على الباحثين او المثقفين العرب الذين تركوا ابن خلدون ونظريته واكتفوا بنظريات غربية لتحليل المجتمع العربي.


 


ليس الانصاري وغيره ضد الاستعانة بنظريات اجتماعية واقتصادية غربية، ولكن التعامل معها بصورة ميكانيكية ومفتعلة جلب كوارث كبيرة. لا يقبل الانصاري، كما اعتقد، التحليل الطبقي لعدم انتقال الدولة العربية القديمة الى دولة حديثة بسبب التفاوت الطبقي. انما يقول ان الصراع بين البادية وقيمها والمراكز الحضرية كان من الاسباب الاساسية التي حالت دون ذلك، وهذا ما ينقله عن ابن خلدون، الذي ايضا اعطى اسبابا اخرى لانهيار الدول، الا وهو تخلف العمران اي طريقة العيش وضعف العصبية العامة للدولة... وهذه النقطة الاخيرة يعتبرها البعض مصدراً من مصادر تفكير الفيلسوف الالماني ماركس ونظريته في الصراع الطبقي... الذي هو محّرك التاريخ الوحيد بنظره.


ما المقصود بالصراع بين البادية والحضرية. وكيف حال ذلك دون تحول الدولة العربية الاسلامية، وبالتحديد لماذا لم تتحول الدولة العباسية التي وصلت اوج ازدهارها – التجاري والاقتصادي والثقافي والعلمي الى دولة رأسمالية بالمفهوم الاقتصادي وليس الايدلوجي كما حصل في اروروبا بعد تحطيم نظام الاقطاع وانطلاق النهضة العلمية والفكرية والاقتصادية.


الدولة العربية الاولى، وبالتحديد بعد فترة قصيرة مرت عبر قرون بهزات سياسية داخلية كبيرة: تمثلت اولاً بحادث السقيفة عندما اختلف العرب حول من يخلف الرسول بعد وفاته، على خلفية قبلية وبالفتنة الكبرى، علي – عثمان ثم معاوية – علي. كما شهدت الدولة الاموية بعد استقرارها والدولة العباسية ايضا حالات تمرّد دائم واجتياحات وغزوات من البادية للمراكز الحضرية. وقد استعان المعتصم، الذي جاء بعد المأمون، بالجند الترك لصّد الهجمات الصحراوية. يذكر المؤرخون ان الترك الذين كغيرهم مثل الفرس والشركس، الذين دخلوا الاسلام وتسربوا الى الدولة الاسلامية وترسخ نفوذهم، ساهموا في تأخير الانتقال الى مرحلة متقدمه، إذ وصفهم ابن خلدون ببدو الاعاجم. وقال عنهم لم يكن يهمهم الزراعة والفلاحة والصناعة، بل الغزو والصيد وركوب الخيل. ان التأخر الحضاري الذي كان يعيق الامة، انعكس في المؤسسات التي نشأت فيما بعد التي كانت تتجاوب مع اهواء الخليفة الحاكم او المزاج العام، فيسود الجمود والتأخر وينحسر التعصب لقيم الامة واخلاقها وتختفي روح الابتكار والتقدم.


وكما هو معروف فإن الاسلام جاء ثورة حضارية على انقاض حياة البادية وسلوكياتها وقيمها مثل الغلظة والجفاء والجهل.


اذاً حتى حدوث الموجة الثانية لاجتياح الاتراك من اسيا الوسطى لاراضي الدولة الاسلامية واستلامها الخلافة ونقل العاصمة الى اسطنبول بعد ان تنقلت عاصمة الدولة الاسلامية بين المدن العربية دمشق والكوفة وبغداد والقاهرة. عانت الدولة العربية من الانقطاع الحضاري وغياب الاستمرارية. إن الاستمرارية والاستقرار شرطان اساسيان للتطور الحضري والمدني ورسوخ الدولة وتطور مؤسساتها وإنبثاق منظومات قيم وحقوق متجددة تسمح بتطور المجتمع والدولة. وحتى المدارس والمعاهد التي اقامها الحكم السلجوقي في القرن الحادي عشر – سادها الجمود واُخليت من العلوم الطبيعية التي كان ادخلها السلف وتركزت في علوم الدين وعلم الكلام وجرى ذلك عبر الحفظ والتلقين على حساب التفكير والتفاعل والنقد. 


وعندما حاول العلامة الثقافي والفيلسوف ابن رشد ( القرن الثاني عشر ) ان يقدم مساهمته في اعادة الاعتبار للعقل عبر الجمع بين الدين والفلسفة جرت ملاحقته وحرق كتبه بتشجيع من ائمة الجمود.


اما ابن خلدون ( القرن الرابع عشر ) الذي قدم ابداعه الفكري، في فهم قوانين تطور المجتمع والدول – على انقاض نهج اعتماد الخوارق والمعجزات، فلم يجد من يكمل سيرته الفكرية ونظريته، ليعود اكتشافه مجدداً من قبل الغرب وليس العرب، وبالتحديد من خلال المفكر الفرنسي المعروف آرنست رينان عبر المناظرة الشهيرة مع المصلح والمناضل جمال الدين الافغاني. اما ابن رشد فقد تركه العرب ليستفيد منه الغرب ولتتحول الفلسفة الرشدية او ما اطلق عليها الغرب، الرشدية اللاتينية، لمدة مائتي عام في اكاديميات اوروبا بعد وفاته.


لقد جاءت حقبة العثمانيين، خاصة في الجزء الاكبر منها، سبباً في تأخر العرب والمسلمين وفي انتصار الغرب مرة اخرى.


 


عادت البنية الاجتماعية التقليدية الى دورها القديم بقيمها وانماط تفكيرها. هكذا اوروبا دخلت عصر الاقتصاد والصناعة والعلم والدولة الحديثة، في حين بقي المجتمع العربي معاقاً غير قادر حتى الان الخروج من حالته الراكدة. لا شك ان المجتمعات العربية كانت تشهد محاولات نهضة وتجدد منذ اواخر القرن الثامن عشر في مصر تحديداً. واخر القرن التاسع عشر في بلاد الشام، غير ان القوى الاستعمارية الغربية لعبت دوراً اساسياً في اعاقة هذه المحاولات واغارت عليها ودمرتها. لم يكن رد النخب التي قادت المحاولات التحديثية سواء كطبقة سياسية او كنخب ثقافية، قائماً على التخطيط السليم والنهج العلمي لتركيبة مجتمعنا ولفهم طريقة تفكير الغرب من اجل الرد عليه. على اية حال حقق العرب معارك وطنية مشرفة ضد القوى الاستعمارية في القرنين الماضيين ولكنها أهملت التركيز على البعد الحضاري في المعركة. وهذه مهمة لا تزال مطروحة على العرب.