أنهت اللجنة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي، مساء الجمعة الماضي، أعمال البرنامج الدراسي المعد لأعضاء اللجنة المركزية، والذي بدأ الخميس وتواصل الجمعة(25-26/06/2009).
ويأتي هذا البرنامج الدراسي بهدف إنعاش وتطوير وإغناء الرؤى والبرامج السياسية والفكرية والجماهيرية والتنظيمية للتجمع، بالإضافة إلى تشخيص الواقع التنظيمي والقيادي والقاعدي والجماهيري، وتحديد المعيقات، علاوة على اشتقاق برامج وآليات وأدوات نضالية تناسب المرحلة، وذلك ضمن نهج جديد أقره المكتب السياسي، يقضي بتحويل دورات اللجنة المركزية إلى أيام دراسية تبحث فيها قضايا هامة بصورة متعمقة. وقد شارك أعضاء المركزية في النقاش السياسي والفكري المستفيض وفي ورشات العمل التنظيمية.
افتتح البرنامج الدراسي، رئيس الحزب واصل طه، مشيرًا إلى أهمية البرنامج "باعتباره خطوة أولى باتجاه العمل الحزبي الصحيح وذلك بهدف الإستفادة من المحاضرات والمداخلات والنقاش الذي يثري عملنا وتحليلاتنا في عملنا الحزبي".
وأضاف: "نحن أعضاء اللجنة المركزية واجبنا أن نراكم الإيجابي وتطويره والتخلص من السلبيات التي يجب أن تتوقف أمامها في نقاشنا من أجل تطوير الحزب".
واستعرض الإضافات النوعية التي جاء بها حزب التجمع إلى ساحة عرب الداخل وتحول خطابه إلى خطاب سائد ومؤثر بصورة واسعة على مفاهيم العمل السياسي والوطني".
واقترح التركيز على ضرورة توسيع صفوف الحزب، وعلى كيفية تفعيل المؤسسات، وإقامة أطر شعبية لضمان الحماية الشعبية للحزب، مثل جبهة وطنية شعبية عريضة. وأنهى حديثه بالقول "التجمع اليوم هو رأس حربة الحركة الوطنية وسياجها، وحزبنا أمل الأجيال القادمة، بوحدتنا نصونه ونحافظ عليه".
وتحدث أمين عام الحزب، عوض عبد الفتاح، عن مضامين اليوم الدراسي واتجاهاته مشددًا على ضرورة تحويل اجتماعات اللجنة المركزية من الآن وصاعدًا إلى أيام دراسية وبحث معمق. وقال: "نحن نهدف إلى الإنتقال والإرتقاء بوضع الحزب – من تناول القضايا الفكرية والسياسية بطريقة مستعجلة تحت ضغط اللحظة إلى وضع نستطيع تناولها بطريقة مدروسة".
وأضاف: "لقد عاش الحزب منذ تأسيسه مرحلة تميزت بالمعارك السياسية مع الخصوم ومع المؤسسة الإسرائيلية، وانتخابات محلية وكنيست متعددة مما أثقل على الحزب، واستنزف الكثير من قواه في هذا المجال. لا شك أن هذه المعارك الهامة لعبت الدور الرئيسي في بلورته وصقله وتحوله إلى قوة جماهيرية وحاضرة على الساحة.
وأضاف "لكن من ناحية ثانية هذه المعارك الهامة المتتالية لم تترك وقتًا كافيًا لبرامج دراسية وتثقيفية الأمر الذي حال دون التوقف مطولاً أمام الصعاب الداخلية، التنظيمية والجماهيرية، والفكرية ومتطلبات الإنتقال إلى مرحلة أخرى أكثر تطورًا وأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية والجماهيرية لعرب الداخل".
"نستطيع اليوم وبعد تجاوز الحزب المحطة الأخيرة وهي الأصعب، حيث غياب رئيس الحزب الدكتور عزمي بشارة بسبب المؤامرة المخابراتية ضده، وانتشار الإعتقاد أن الحزب لا يستطيع أن يستمر بدون وجوده في الساحة المحلية ولا يستطيع أن ينجح في المعركة الإنتخابية الأخيرة.
بعد هذا الجوّ الذي يتسم بثقة جماهيرية أكبر والتفاف أوسع حول الحزب نستطيع أن نخوض نقاشنا السياسي والفكري والتنظيمي بتأنٍّ أكثر وبعمق أكبر.. كل ذلك من أجل أن نتمكن كحركة وطنية أن نخدم شعبنا وقضاياه بصورة أفضل".
وفي اليوم الأول من البرنامج الدراسي، الخميس، جرى تخصيص 3 جلسات لعدد من المواضيع. خصصت الجلسة الأولى لتشخيص السياسات الإسرائيلية الجديدة تجاه المواطنين العرب، واستشراف مسار تطورها المستقبلي وانعكاساتها عليهم، تحدث فيها الكاتب أنطوان شلحت، والنائب د.جمال زحالقة.
وفي كلمته أكد شلحت على أن الورقة المقدمة تهدف أساسا إلى عرض مستجدات موقف المؤسسة الإسرائيلية من العرب في الداخل في إطار السياق الراهن، وتحليل حركة هذه المستجدات بصفتها مترابطة من خلال حقل المعاني الناجم عن جدول الأعمال الإسرائيلي العام في الوقت الحالي، وذلك في محاولة لفهم تأثير ذلك في الفترة المقبلة.
وقال: "لقد شهدت الأعوام القليلة الفائتة تحركات ملحوظًة للمؤسسة السياسية الإسرائيلية ردًا على ذلك كله. وتتخذ هذه التحركات، بالأساس، منحيين متوازيين: الأول منحى ترهيبي، والثاني منحى احتوائي".
(*) بلغت ذروة المنحى الترهيبي في ما يمكن اعتباره تحركًا علنيًا، غير مسبوق، لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك). ففي آذار 2007 عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية، أولمرت، "اجتماعًا أمنيًا" مع مسؤولين في الشاباك وبينهم رئيسه، يوفال ديسكين، تم تخصيصه لبحث وضع العرب في إسرائيل.
وقد اعتبر هؤلاء المسؤولون في هذا الاجتماع أن المواطنين العرب في إسرائيل يشكلون "الخطر الإستراتيجي على المدى البعيد" من ناحية إسرائيل. وقد تمّ "إسناد" ذلك ببضعة ادعاءات مكرورة، منها أن التكاثر الطبيعي للعرب يهدّد الطابع اليهودي لإسرائيل. أكثر من هذا، أبدى المسؤولون تحسبهم من مبادرات الرؤى المستقبلية، وتبين من المداولات أن الشاباك ينظر بارتياب إلى هذه المشاريع لكونها تطالب بأن تكون إسرائيل دولة جميع مواطنيها. كذلك أعرب الشاباك عن "قلقه" مما وصفه بـ "تماثل العرب في إسرائيل وتعاطفهم مع الفلسطينيين" وأيضا من "تماثلهم مع حزب الله".
وتصاعد هذا المنحى في ما بات يعرف باسم "قضية النائب عزمي بشارة"، والتي كان في صلبها "فتح ملف أمني وجنائي ضده"، أدّى، من ضمن أشياء أخرى، إلى نفيه من البلاد.
إن ما يتعين ملاحظته هو أن هذه الحملة انطلقت، أكثر شيء، من وعي سياسي يهدّد الحاضر والمستقبل برؤية أمنية ضيقة الأفق، ويضع الشاباك، عيانًا بيانًا، فوق القانون، عندما يكون الأمر متعلقًا بالمواطنين الفلسطينيين. وفي رأي عضو الكنيست والوزيرة السابقة شولاميت ألوني فإن الشاباك نطق بأحد أخطر الأقوال، التي يمكن إطلاقها في مجتمع ديمقراطي، عندما أعلن أنه سيعالج أمر المواطنين العرب حتى إذا سعوا لإجراء تغييرات في الدولة بموجب القانون.
وفي الوقت نفسه ينبغي ملاحظة أن مثل هذه الحملات "الأمنية" عادة ما تحظى برأي عام يهودي يتجاوب معها، إلا فيما ندر".
كما تناول شلحت في ورقته عددا من النقاط بينها اعتبار المؤسسة الإسرائيلية للعرب "خطرا أمنيا" أو "عدوا داخليا"، واعتبار هبة القدس والأقصى في أوكتوبر 2000 مفترقا مهما، تجلى في دلالات تأليف لجنة أور" والتعامل الإسرائيلي الانتقائي مع النتائج، وتأسيس "مؤتمر هرتسليا حول ميزان المناعة والأمن القومي"، والذي يناقش سنويا "الموضوعات الساخنة" التي تقلق إسرائيل، مشيرا في هذا السياق إلى أن موضوع العرب في الداخل يقف في صلب هذه الموضوعات.
كما لفت إلى ضرورة ملاحظة التركيز على مساهمة الخطاب القومي (خطاب التجمع الوطني الديمقراطي) في رفع سقف مطالب العرب في الداخل. وأشار إلى مفترقات أخرى تلت هبة أوكتوبر بينها حرب تموز/ يوليو 2006، ووثائق الرؤى المستقبلية خلال سنتي 2006-2007، والحرب على قطاع غزة، والانتخابات البرلمانية الأخيرة 2009.
ومن جهته قال النائب د.جمال زحالقة إنه لا يمكن الاكتفاء بوصف السياسة الإسرائيلية الرسمية تجاه المواطنين العرب في الداخل بأنها تمييز أو حتى تمييز عنصري.
وأضاف أن الوصف الأشمل لهذه السياسة هو "محاصرة الوجود العربي". هذا المفهوم هو إطار عام يشمل التمييز ومصادرة الأرض ومحاولة مصادرة الهوية والتهميش والإقصاء وتضييق الخناق على المواطنين العرب. هذه السياسات مشتقة من الأيديولوجيا العليا للدولة آلا وهي الأيديولجيا الصهيونية والمتجسدة بما يسمى "الدولة اليهودية الديمقراطية"، كما يحلو لإسرائيل أن تعرف نفسها.
وتابع: "لعل أكثر ما يميز الفترة الحالية هو موجة العنصرية المكشوفة والمباشرة التي تتبناها قوى سياسية مركزية ومؤثرة في الحكومة الإسرائيلية الجديدة، ويأتي ذلك بعد عقود طويلة حاولت فيها المؤسسة الإسرائيلية التغطية على عنصريتها ولبست قناع الديمقراطية. هذه المؤسسة لم تعد قادرة على التستر على عنصريتها، خاصة بعد أن أصبح زعيم الحزب الفاشي العنصري أفيغدور ليبرمان وزيراً لخارجية إسرائيل، بعد أن حصل على 15 عضوا في الكنيست من خلال التحريض العنصري المنفلت على المواطنين العرب".
وقال أيضا إن مهام التجمع في مواجهة سياسة محاصرة الوجود والحملة العنصرية الشعواء على العرب وسياسات التمييز الاقتصادي والاجتماعي، هي مهام جسيمة. لقد أثبت التجمع في السنوات الأخيرة بأنه رأس حرب في التصدي للمخططات الرسمية الهادفة إلى تشويه هويتنا القومية ومصادرة حقوقنا. هكذا كان في التصدي للخدمة المدنية التي فشلت السلطة في فرضها علينا، وكان للتجمع الدور الأهم في إفشالها. وهكذا كان في الأمر في إفشال مخطط إجبار طلابنا على التوقيع على وثيقة استقلال إسرائيل، وكان التجمع الحزب الوحيد الذي تصدى لهذا المخطط واستطاع افشاله. التجمع وقف رأس حربة في التصدي للأحزاب الصهيونية، وكان له القسط الأهم في إضعاف تأثيرها في صفوف جماهيرنا.
وأكد النائب زحالقة على أن مواجهة السياسات الإسرائيلية القديمة والجديدة تتطلب استراتيجية واضحة وحازمة ومسؤولة، عنوانها التحدي. وأن التجمع هو حزب التحديات، وموقفه يؤثر على الخطاب السياسي العربي في الداخل.
وأضاف: "أعلناها بوضوح أننا نتحدى سلسلة القوانين العنصرية وقد يصل هذا التحدي إلى درجة العصيان المدني، إذا عادوا وحاولوا فرض قانون الولاء للدولة اليهودية الصهيونية. نحن في هذه المعركة ملزمون بأمرين؛ أولهما أن نقول موقفنا بوضوح وأن نجند الناس حوله، وثانيهما العمل على بوحدة صف مع قوى سياسية وطنية أخرى من خلال المتابعة ومن خلال تحالفات مع قوى توافقنا الرأي في القضايا الملحة وخاصة في مواجهة العنصرية الإسرائيلية".
تناولت الجلسة الثانية الوضع الفلسطيني على ضوء الوضع الدولي والإقليمي والعربي والتسويات المطروحة. تحدث فيها د.محمود محارب، ومداخلات من أمين عام التجمع عوض عبد الفتاح، وعضو المكتب السياسي خالد خليل.
تحدث د.محارب عن السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، بادئا من فوز اليمين في الانتخابات الإسرائيلية وتعزز عنصرية وعدوانية الإجماع الصهيوني، مشيرا إلى مساهمة ما يسمى بـ"اليسار الصهيوني" في خلق هذه القيم العنصرية.
وتناول التغييرات في المجتمع الإسرائيلي في العقدين الأخيرين، أبرزها هجرة ما يقارب مليون وربع مليون يهودي إلى البلاد من الدول التي كانت تؤلف الاتحاد السوفييتي، وفقدان ما يسمى بـ"اليسار الصهيوني" سيطرته على الاقتصاد والجيش وجهاز الدولة، وتغييرات في تركيبة الجيش وتراجع سيطرة الأشكناز في الجيش وتعزز نفوذ "مجموعات الأطراف"، والاستعداد لارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين من أجل الحفاظ على قوة الردع.
كما قال د.محارب إنه منذ وصول أرئيل شارون إلى رئاسة الحكومة في 2001، حسمت إسرائيل أمرها وبلورت إستراتيجية تجاه المناطق الفلسطينية المحتلة سنة 1967، بإقامة نوع من نظام الأبارتهايد، تضم وفقه أكثر ما يمكنها ضمه من أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة وبأقل ما يمكن من العرب وإقامة "دولة" فلسطينية في ما يتبقى من الضفة الفلسطينية وفي قطاع غزة، تكون تحت النفوذ الإسرائيلي المكثف، تخترقها أسافين الكتل الاستيطانية ويحيطها جدار الفصل العنصري والقواعد العسكرية الإسرائيلية.
كما تناول المشروع الاستيطاني الإسرائيلي وسياسة حكومة نتانياهو تجاه الاستيطان.
واختتم بالحديث عن الانقسام على الساحة الفلسطينية مقابل الاستراتيجية الإسرائيلية الموحدة التي تقودها حكومة واحدة وجيش واحد. وتناول مخاطر استمرار الانقسام على القضية الفلسطينية، مقابل ما يمكن إنجازه مع تحقيق الوحدة الوطنية على طريق إزالة الاحتلال والاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية.
وأنهى محارب حديثه قائلاً: "فمن يتخلى عن استراتيجية المواجهة، ناهيك عن استراتيجية المقاومة، لا يملك قدرة منح السلام إلى الاَخر، ويصبح رهينة بيد من يمتلك القوة؛ والرهينة لاتستطيع منح السلام أو الأمن إلى سيدها. عبثا تحاول الدول العربية إن تتصالح مع إسرائيل، وهي غير متصالحة مع ذاتها ولا مع شعوبها ولا مع ماضيها أو حاضرها. عبثاً يحاول الفلسطينيون تحقيقأهدافهمالوطنية وهم في حالة انقسام خطير للغاية في حركتهم الوطنية قد يؤدي إلى وأدها. لن تقبل إسرائيل التوصل إلى سلام مع الدول العربية، مجتمعة أو كل على حدة،إلا وفق شروطها ؛ ما لم تتبنى هذه الدول استراتيجية مواجهة تدفع اسرائيل ثمن الأحتلال والعدوانية".
وبدوره تناول أمين عام التجمع عوض عبد الفتاح مأزق التسوية والخيارات البديلة مثل "فكرة الدولة الواحدة"، مشيرا إلى أنها ليست فكرة جديدة بل تعود جذورها إلى ثلاثينيات القرن الماضي. مشيرا في المقابل إلى أن فكرة "الدولتين" جاءت في الأساس مما يسمى بـ"اليسار الصهيوني"، وتبنتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من باب المرحلية.
كما لفت إلى تصاعد الأصوات المطالبة بالدولة الواحدة، من بينها أصوات يسارية يهودية معادية للصهيونية، وأصوات فلسطينية كشخصيات أكاديمية ونشطاء سياسيين معروفين، وليس عن فصائل فلسطينية معروفة بتبنيها للدولة الواحدة. مشيرا في هذا السياق إلى أن الفكرة أصبحت تحظى بشعبية متزايدة بين هذه الأوساط، واستخدمت وسائل متعددة لترويجها، مثل المواقع الألكترونية والمقالات والندوات والمؤتمرات في الخارج بشكل خاص.
كما أشار إلى أن مضمون وطابع الدولة ليس نفسه عند جميع هؤلاء؛ ثنائية القومية الذي يقوم على الاعتراف بوجود قوميتين، وبخصوصية كل منهما بما فيها التجمع اليهودي الإسرائيلي. ودولة ديمقراطية علمانية تقوم على المواطنة الفردية ولا تقوم على التقسيم القومي أو الإثني. هناك أيضًا اقتراح آخر، قيام الدولتين بالإتحاد على شكل فدرالي بعد قيامهما.
وأشار عبد الفتاح إلى أن هناك دافعا أخلاقيا وراء هذه الفكرة، فمن جهة هناك شعب احتلت أرضه وهجرت غالبيته من وطنها، ويبقى من حقه تحرير وطنه، ومن جهة أخرى فإن مشاريع الاستعمار الكولونيالي أفرز واقعا ديمغرافيا مختلطا يصعب تجاهله والتعامل معه بأسلوب الاقتلاع.
كما لفت الأمين العام للتجمع إلى أن فكرة الدولة الواحدة مستمدة من مصادر عدة؛ تاريخية خاصة بفلسطين كبلد عربي اقتضى تحريره، وحاليا، ورغم ما يقال عن خلافات جوهرية، مستمدة أيضا من النموذج الجنوب أفريقي، المتمثل بإسقاط نظام الأبرتهايد، عبر مواجهته بنظام أخلاقي وإنساني بديل. وأشار إلى أن النموذج الأفريقي لم يقم على الانفصال أو التقسيم، بل النموذج الديمقراطي في وطن واحد على أساس المواطنة الفردية المتساوية الكاملة.
وأشار، في المقابل، إلى الدوافع لدى الفلسطينيين التي تدفع باتجاه الدولة الواحدة، من بينها إدراكهم للواقع المتشكل وابتلاع الجزء الأكبر من الأرض وعدم جدوى ما يسمى بعملية السلام، وعجز السلطة عن إجبار إسرائيل على الانسحاب وتحولها إلى حاجز أمام الشعب في مواجهة الإحتلال، واستمرار الزحف الاستيطاني. وتحول الدولة الفلسطينية الإفتراضية إلى جزء من جسم الدولة اليهودية الكولونيالية.
وأوضح عبد الفتاح أن "الاهتمام من جانبنا بهذا النقاش نابع من كوننا جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية والتيار الديمقراطي، ومن الضروري أن نواكب هذه المتغيرات النظرية والعملية على الساحة الفلسطينية. ولكن هذا لا يعني أننا في التجمع أمام نقلة نوعية في البرنامج. فدولة كل مواطنيها إضافة إلى مطلب الاعتراف بنا كأقلية قومية وما يترتب على ذلك من حقوق جماعية وفردية، لا تزال تحمل الكثير من القوة الأيديولوجية والسياسية والأخلاقية في مواجهة الصهيونية، وفي الدفاع عن الهوية القومية لعرب الداخل". كما أكد على أن برنامج التجمع لم يغلق الباب أمام حل ديمقراطي أكثر عدلا.
أما عضو المكتب السياسي، خالد خليل، فقد تناول الوضع العربي والفلسطيني والحلول المطروحة، بادئا بالقول إن النظام الرسمي العربي، الذي تتزعمه "دول الاعتدال" قد هجر نظرية الأمن العربي نحو مزيد من الانخراط في الاستراتيجية الأمريكية – الصهيونية، بدءا من اتفاقية "كامب ديفيد" التي عزلت مصر عن العالم الخارجي، وحرب لبنان 1982، وغزو العراق 1991 و 2003، وحرب لبنان الأخيرة 2006، والعدوان على غزة 2008 و 2009.
وأشار إلى عدم تشكل محور متماسك في المقابل لمواجهة المشاريع الأمريكية الإسرائيلية، في حين أن تطرف السياسة الأمريكية الإسرائيلية ساهم في تعميق الفرز على مستوى الشارع في الساحة العربية، وخاصة في العراق ولبنان وفلسطين.
وقال إن القضية ليست في غياب مشروع أمن عربي قومي فقط، بل في وجود مشروع أمني عربي منسجم مع مشروع الأمن الأمريكي والإسرائيلي، وبالتالي فالبديل المتبقي أمام قوى المقاومة والممانعة هو فضح ومواجهة هذا المشروع الخطير من خلال صياغة مشروع قومي حقيقي.
وفي حديثه عن السياسة الإسرائيلية الإقليمية أشار إلى أن نظرية الأمن الإسرائيلي تعتمد في الأساس على مبدأ التفوق الاستراتيجي النوعي على دول المنطقة بدعم من الولايات المتحدة. كما لفت في هذا السياق إلى وتيرة تغير الحكم في إسرائيل السريعة، وفي الوقت نفسه ثبات نظرية الأمن.
ولخص خالد خليل الأهداف الإسرائيلية للمرحلة القادمة على أنها تتعاطى مع الحلول المطروحة من باب إدارة الصراع والأزمات، وليس من باب إيجاد حلول، بالإضافة إلى العمل على إقناع الولايات المتحدة بعدم التنازل في الملف الإيراني ومحاولة جرها إلى ضرب إيران وبرنامجها النووي عسكريا.
وإزاء ذلك، يضيف، فقد آن الأوان لأن تنتقل حركات المعارضة والمقاومة في الوطن العربي إلى مرحلة التحريض العلني والصريح ضد هذه الأنظمة، ورفع شعارات الرفض الواضح للتسوية – المؤامرة، والعمل على تشكيل أحلاف ومرجعيات تنظم العلاقات والمواقف والرؤى والاستراتيجيات لقوى الممانعة والمعارضة تتجاوز الانتماءات القطرية والطائفية والعرقية.
وخلص خليل إلى أنه في ظل عدم وجود نية أمريكية حقيقية لحل القضية الفلسطينية ضمن مفهوم العدل النسبي، وفي ظل وجود "شريحة فلسطينية" سياسية تابعة للمشروع الأمريكي، فإن أي كلام عن الوحدة الوطنية لا معنى له، ويصبح فارغا من أي مضمون، ولا فائدة من الحديث عن م.ت.ف كممثل شرعي وحيد مادام يقودها نفس فريق السلطة، وبالتالي يصبح طرح حلول بديلة على رأسها "حل الدولة الواحدة"، الذي تناولته النخب الفلسطينية والعربية من زوايا وصيغ مختلفة على غرار دولة ثنائية القومية، أو دولة ديمقراطية علمانية أو اتحاد فدرالي، وما إلى ذلك. يصبح من الخيارات المفروض التفكير فيها.
أما الجلسة الثالثة فتناولت الواقع السياسي - الاقتصادي – الاجتماعي، والطاقات الكامنة وتصورات النهوض. تحدث فيها الباحث مطانس شحادة ود.باسل غطاس.
وفي المداخلة التي قدمها الباحث مطانس شحادة استعرض المسببات والعوامل المسؤولة عن الواقع الإقتصادي للأقلية الفلسطينية في الداخل، وعلى وجة الخصوص تلك (المسببات والعوامل) النابعة من السياسة الاقتصادية المنتهجة حيال السّكان العرب، في الأساس منذ التسعينيات. اذ تميّزت هذه الفترة (التسعينيات) بتغيّر عالي التردّد في الحكومات. كان هناك حكومات تزّعمها حزب العمل وأخرى تزّعمها حزب الليكود.
وقال إن مواقف هذه الحكومات حيال عرب الداخل شهدت تقلبات عديدة، وتمّت بلورتها اعتمادًا على المتطلّبات السياسيّة المتغيّرة للدّولة، دون أن يُناط الأمر بالضّرورة، بهوية الحزب الحاكم، وتوافقت تلك السياسيات في معظم الاحوال وأهداف المشروع الصهيونيّ، في حين تجاهلت متطلّبات الأقلية العربيّة.
وقال إن مشاكل الفقر، والبطالة، والمشاركة في قوى العمل ومستوى الدّخل، تنبثق مباشرة عن الواقع السياسي، وعن وضع البنى التحتية والتطور (الماديّ والإنسانيّ) في الاقتصاد العربي المحلي، الذي يعكس بشكل دقيق السياسة الإسرائيلية تجاه هذه المجموعة. إضافة إلى ذلك، تنبثق هذه عن موقف السوق المركزيّ-اليهوديّ حيال المستخدمين العرب.
وخلص إلى أن مجابهة هذه المشاكل تتطلب علاجًا تنظيميّاً كاملاً لا موضعيًا محدوداً، أو التركّز في تناول المحفّزات السلبية للعاطلين عن العمل فقط، نحو: مخصصات ضمان الدّخل والبطالة. من أجل معالجة الأزمة الاقتصادية للأقلية العربية، تلزم سياسة مواظبة، ولفترة من الزّمن، من شأنها أن تعكس استعدادًا صادقًا لمعالجة المشاكل الاقتصاديّة الواسعة، وفي الأساس إزالة عوائق الازدهار والتطور في الاقتصاد المحلّي-الإثنيّ الذي يتحوّل تدريجيّا إلى ملاذ العمل لأبناء الأقليّة؛ إلى جانب تحوّل مفهوماتيّ في تعامل وموقف السوق المركزيّ-اليهوديّ حيال أبناء الأقليّة.
وأشار د.باسل غطاس في ورقته المقدمة إلى البرنامج الدراسي إلى أن التجمع قد طور خطابه الاقتصادي في مؤتمره الأخير، بيد أنه لم يحظ بالاهتمام اللازم داخل جلسات المؤتمر، ولكنه يعتبر إسهاما جديا ومبدعا في تشخيص واقع الأقلية الفلسطينية الاقتصادي بعد النكبة وهدم الريف الفلسطيني المزارع بدون مشروع مدينة فلسطيني، مما حول القرى العربية إلى أحياء فقر تزود المراكز الصناعية اليهودية بالأيدي العاملة الرخيصة.
وأشار إلى موضوعين نظريين هامين؛ أولهما أن الاجتهاد النظري لخطاب التجمع تجنب الخوض في صلب القضايا الطبقية، وإن تبنى بشكل مبدئي وعام قيم العدالة والمساواة ومقاومة الظلم والاستغلال على كافة أشكاله. وثانيهما أنه لا يوجد مجال يصل فيه حد التوتر ما بين مقولة المواطنة والمساواة القومية من ناحية، والإدارة الذاتية كأقلية قومية، مثل الموضوع الاقتصادي.
وقال في هذا السياق إن "أي خطوة لتحسين الوضع الاقتصادي الفردي أو الجماعي للمواطنين العرب هي خطوة باتجاه المساواة المدنية والاندماج حيث أن مشروعنا القومي لا يتضمن، لأسباب واقعية مفهومة، مشروعا اقتصاديا مستقلا عن الدولة، وعليه فإن المسؤولية الملقاة علينا كبيرة لكي لا يتحول النمو الاقتصادي الذي سنعمل لتحقيقه في تناقض مع الخصوصية القومية والإدارة الذاتية المشكلة للركيزة الثانية في مشروع التجمع. وأعني المسؤولية الفكرية وتوعية الناس أن نيل الحقوق المدنية والمكاسب الاقتصادية هي حق لا يتطلب التنازل عن الهوية الوطنية. ولكن هذا وحده لا يكفي علينا أيضا على صعيد العمل للتعامل مع البعد القومي في الاقتصاد ولا يمكن تحقيق ذلك بغير توسيع فضاء التعامل الاقتصادي مع العالم العربي بالرغم مما قد يحمله ذلك من مخاطر التطبيع التي نستطيع التعامل معها وتجنبها بإبداع وسائل وطرق جديدة".
وقدم د.غطاس اقتراحات لتوجهات وبرامج عمل أولية. واقترح على الصعيد البرلماني العمل على تحويل مناطق صناعية موجودة ومزدهرة من سلطة محلية أو مجلس إقليمي يهودي إلى سلطة مشتركة يكون حصة فيها لعدد من السلطات المحلية والعربية من حيث الإدارة والموارد. وأيضا العمل على أن يكون نظام توزيع ضريبة المسقفات (الأرنونا) نظاما مناطقيا وليس محليا، العمل على مشروع تفضيل مناطق بشكل عيني مثل إعطاء منطقة ما أفضلية كاملة في مجال معين مثل الصناعة والسياحة وما إلى ذلك، بالإضافة إلى الاهتمام بقطاعات وفروع معينة قد تكون مهنية أو جغرافية لها احتياجات ومطالب معنية.
وعلى الصعيد الحزبي، فقد اقتراح د.غطاس تشكيل دائرة نقابية مهنية وفعالية تطبق استراتجية عمل الحزب فيما يتعلق بالنقابات الموجودة مثل الهستدروت ونقابة المعلمين، والاهتمام المنهجي بقضايا العمل والبطالة والفقر بشكل عام. كما اقترح تشكيل دوائر متخصصة تعنى بشؤون توجيه الاستثمار ورجال الأعمال، وخاصة في مجال التكامل الاقتصادي مع العالم العربي، من خلال تنظيم زيارات وفود لبعض الدول، وتأسيس بعض الجمعيات للعناية بالشأن الاقتصادي، بالإضافة على التفكير بالشأن الاقتصادي الداخلي للحزب وتأسيس موارد دخل شبه دائمة من فعاليات ريعية اقتصادية خاصة.
وتركز اليوم الدراسي الثاني في الجوانب التنظيمية، حيث افتتح نائب الأمين العام ورئيس الدائرة التنظيمية مصطفى طه بكلمة عامة عن الوضع التنظيمي.
واستعرض طه مراحل التطور التنظيمي الذي مرّ بها التجمع، مثل تطور مؤسساته، ومنظماته الجماهيرية. وقال: "إن إنجازات التجمع في المجالات المختلفة هي حصيلة تراكم من العمل المثابر واليومي".
وأشار إلى قدرة التجمع على تجاوز الكثير من التحديات والمحطات الهامة رغم شحّ الإمكانيات المادية، ورغم المؤامرات والمحاولات السلطوية المتكررة لشطب الحزب وإضعافه وتخويف الناس.
وقال: "لقد سقطت مراهنات الخصوم والأعداء على إختفاء هذا الحزب، وهم اليوم اضطروا إلى إعادة حساباتهم".
كما عدد نائب الأمين العام عددا من إنجازات الحزب وأهمها؛ رسوخه في التربة الشعبية وتوسع صفوفه خاصة في الأشهر الأخيرة أي بعد إنتخابات الكنيست الأخيرة حيث انضم المئات إلى الحزب، مما يُجسد الإحترام المتزايد لهذا الحزب والثقة في قدرته على مواصلة المشوار ورفع راية النضال والبناء – بناء الهوية وبناء الإنسان والدفاع عن الوجود وعن المستقبل".
كما تطرق إلى القصورات والنواقص التي اعترت ولا تزال، طريق هذا الحزب، وقال: "نحن نواجه هذه النواقص والقصورات بروح نقدية جريئة، من أجل إصلاحها وتطوير الحزب وأدائه بحيث يكون قادرًا على مواصلة الصعود والتأثير في الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية لشعبنا".
وتحدث عن أهمية اليوم الدراسي وعن إدخال العامل المهني لمعالجة الأخطاء والقصورات والحاجات.
كما تحدث عضو المكتب السياسي للتجمع خالد خليل عن تشخيص الواقع والأسباب التي تحول دون النهوض بالوضع التنظيمي والجماهيري، والحلول الممكنة والبرامج التي يمكن تبنيها.
كما جرى تنظيم ورشات عمل لتشخيص الواقع التنظيمي والجماهيري والعقبات الأساسية. وأشرف على الجانب المهني وورشات العمل كل من بكر عواودة وفتحي مرشود وباسم كناعنة.
هذا وستجري قراءة وتلخيص الإستنتاجات التي جاءت في اليومين الدراسيين لاستخلا القصورات التي يجب العمل على تطويرها، وتقرر أن تصبح الأيام الدراسية تقليدًا دوريًا لاجتماعات اللجنة المركزية، حيث شكل هذان اليومان الدراسيان نقطة البداية فقط.
........
31/10/2010 - 11:02
قضايا سياسية وفكرية واقتصادية وتنظيمية في يومين دراسيين للجنة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي
-