سنة الهزة الكبيرة..1927: زلزال يضرب فلسطين وشرق الأردن../ د.محمد عقل

سنة الهزة الكبيرة..1927: زلزال يضرب فلسطين وشرق الأردن../ د.محمد عقل
نابلس بعد الزلزال

كان كبار السن في فلسطين وشرق الأردن حتى عقود متأخرة من القرن الماضي يؤرخون بسنة الهزة الكبيرة، فيقولون فلان تزوج في سنة الهزة، وعلان ولد قبل سنة الهزة، وهم يقصدون عام 1927م/1346ﻫ، ففي الساعة الثالثة وسبع دقائق من بعد ظهر يوم الاثنين الموافق 11/7/1927 ضرب أرض فلسطين وشرق الأردن زلزال متوسط الشدة بلغت قوته 6,25 درجة على مقياس ريختر واستمر تسعين ثانية. كان مركز الزلزال في غور الأردن قرب جسر دامية على بعد حوالي 25 كم شرق مدينة نابلس التي كانت أكثر المدن تأثراً بهذا الزلزال، تليها مدينة السلط في شرق الأردن. شعر بضربة الزلزال شعوراً واضحاً سكان القاهرة وسورية ولبنان، وما يؤكد هذا ما ذكرته مجلة المقتطف من أن الناس في مصر شعروا بهزة أرضية في الحادي عشر من يوليو عام 1927، واعتقدوا أن مركزها في بحر إيجة.

الخسائر في مدينة نابلس:

تضاربت الأنباء حول عدد ضحايا الزلزال وأضراره في نابلس، فقد ذكر إحسان النمر في كتابه "تاريخ جبل نابلس والبلقاء" أن الهزة دامت تسعين ثانية، وهدمت نحو 600 دار، وقتلت نحو 50 نفساً وجرحت مثلهم، ويضيف أن العائلات أصبحت بلا مأوى أو تركت بيوتها وظلت نحو شهر في الخلاء. بينما ورد في رسالة من مجلس بلدي نابلس إلى عدد من الشخصيات الفلسطينية أن عدد الضحايا بلغ 303 أشخاص، عدا عن 25 لا زالوا تحت الأنقاض، وأيضاً 350 جريحاً منهم ستون جروحهم خطيرة.

يبدو أن هذه الأرقام غير دقيقة إذ ذكر الباحث ضرغام فارس في أطروحة بعنوان "مدينة نابلس وزلزال عام 1927" أن عدد القتلى في نابلس بلغ 75، وعدد الجرحى 365، وعدد العقود (الغرف) المتضررة 1481 غرفة، منها 172 غرفة هدمت كلياً. يشير الدكتور وائل أبو صالح إلى أن جادة "الحبلة" كانت من أكثر أحياء نابلس تضرراً، وعائلة " العكيلك" من أكثر عائلات نابلس خسارة بالمال والأرواح، فقد روي أن معظم أفراد هذه العائلة رجالا وإناثا كانوا محتفلين في عرس أحد أقاربهم، وعندما ضرب الزلزال المدينة هدم بيتهم الكائن في جادة الحبلة، وهدمت الدكاكين الكائنة في أسفل البيت".

من المواقع التي لحقها الضرر في نابلس كان جامع النصر التاريخي وأجزاء من الجامع الصلاحي الكبير.

شكّلت بلدية نابلس لجنة خاصة لمساعدة المتضررين الذين أصبحوا بدون مأوى. أُطلق على هذه اللجنة اسم "لجنة إغاثة المنكوبين". كانت مهمتها جمع المواد الغذائية وإعادة توزيعها على المحتاجين. في قرية عرعره تشكلت "لجنة إعانة لمنكوبي الزلزال في نابلس" معتمدها الأستاذ شاكر سمارة، وهو من قرية ذنابة ومعلم في مدرسة عرعره الابتدائية. في 16/7/1927 أرسلت هذه اللجنة ستة شوالات دقيق مع رسالة تضامن إلى رئيس بلدية نابلس السيد سليمان عبد الرازق طوقان، ورغم أن حجم هذه المعونة كان متواضعاً إلا أنها كانت لفتة كريمة بخاصة أن كثيراً من الموسرين في فلسطين تقاعسوا ولم يقدموا شيئاً.

الخسائر في مدينة القدس:

يروى أن عدد القتلى في القدس الشريف بلغ أكثر من 130 وعدد الجرحى 450. هذ الأرقام مبالغ فيها. من المؤكد سقوط ثلاثة قتلى في انهيار مبنى في جبل الزيتون، ووقوع أضرار جسيمة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وتصدع قصر أوغستا فكتوريا الذي كان مقراً للمندوب السامي في المدينة.

الخسائر في سائر فلسطين:

في اللد والرملة انهارت مبان ودمرت شوارع بأكملها، وسقط عدد من القتلى.
في رام الله قُتل بعض الأشخاص، وسقطت عدة منازل، وتصدعت بيوت عديدة.
كما دمرت أجزاء من صفد وطبريا وبيسان.
في أريحا تهدمت بيوت كثيرة، من بينها فنادق شتوية بنيت حديثاً؛ وانهار جسر اللنبي.
في قرية أبو ديس تهدمت معظم منازل القرية ودمر جامعها.
في قرية الرينة في شمال فلسطين بجوار مدينة الناصرة تهدمت معظم بيوت القرية وتضرر جامعها، وقد أودت الهزة بحياة ثلاثة أشخاص وأدت إلى جرح عدد غير قليل من الأهالي.
في قرية قلنسوة دمر الزلزال السور القديم بالكامل.
في يافا تهدمت بعض المباني وتضررت بيوت أخرى.

مجمل الخسائر:

تحدثت بعض المصادر عن أن الهزة الأرضية أودت بحياة 500 شخص، وتسببت في جرح أكثر من ألف جريح في فلسطين وشرق الأردن. هذه الأرقام تبدو غير دقيقة. وفقاً لإحصائية أجرتها حكومة الانتداب البريطاني بلغ عدد قتلى الزلزال في فلسطين 192 شخصاً، وعدد الجرحى 923 شخصاً. أما في شرق الأردن فقد بلغ عدد القتلى 68 شخصاً منهم 27 قتيلاً في مدينة السلط، أما عدد الجرحى فبلغ 103 جريحاً.

صار يوم الزلزال يوماً مشهوداً في نابلس ويؤرخون فيه، فهذا حكمت المصري والحاج معزوز المصري كان زفافهما يوم الزلزال، ووالدة الدكتور وائل أبو صالح ولدت قبل الزلزال بعامين وهكذا.

 

(وثيقة)-رسالة تضامن من عرعره إلى رئيس بلدية نابلس:
عرعره في 16/7/1927
سيدي الفاضل سليمان بك عبد الرازق المحترم
سلاماً واحتراماً
قد انفطرت قلوبنا وتفتتت أكبادنا للتخريب وزهوق الأرواح الشهيدة في مدينتنا الزاهرة (نابلس) الذي أحدثه الزلزال المريع، وقد وقع علينا موقع الصاعقة. إننا نتضرع إلى الله أن يُلهم إخواننا المصابين (الصبر) ويعوضهم خيراً، كما وإننا ندعو الله أن يُسكن الشهداء في فسيح رحابه خالدين في جنته.
قياماً بالواجب علينا نقدم ما جادت به أريحية أهالي قريتنا عرعره وذلك ستة شوالات دقيق إعانة لمنكوبي الزلزال في نابلس. نرجو توزيعهم على المنكوبين، وتفضلوا، يا صاحب السعادة، بقبول فائق احترامنا، وتبليغ المنكوبين مشاطرتنا لهم بمصابهم الجلل الذي نرجو الله بأن لا يريه لأحد، والسلام.
شاكر سمارة
معتمد لجنة إعانة منكوبي الزلزال في نابلس المتشكلة بعرعره.

زلزال عام 1837:

في يوم الأحد الأول من شهر كانون الثاني/يناير عام 1837 ضربت فلسطين هزة أرضية متوسطة بلغت شدتها 6,5 درجة على سلم ريختر. كان مركز الزلزال في مدينة صفد ومدينة طبرية اللتين دمرتا وبلغ عدد القتلى فيهما حوالي 2000 شخص. في نابلس أدى الزلزال إلى تدمير حي كامل، وأحدث أضراراً كبيرة بحي آخر. في الجش انهارت كنيسة على المصلين فقتل 35 شخصاً، وتهدمت بيوت القرية؛ أما في سورية فراح ضحية الزلزال حوالي 600 شخص.

لم يكن زلزال عام 1837 وزلزال عام 1927 فريدين. وقوع فلسطين وشرق الأردن بجوار الشق السوري الإفريقي جعلهما عرضة لهزات أرضية متكررة على مر العصور نتيجة لتحرك الألواح في باطن الأرض، وعليه يتوقع العلماء وقوع هزة أرضية قوية في البلاد في السنوات القليلة المقبلة ما يستدعي اتخاذ التدابير اللازمة لتفادي وقوع ضحايا.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية