المباني العتيقة بالناصرة ملاذ للسياح وتنشيط للاقتصاد

المباني العتيقة بالناصرة ملاذ للسياح وتنشيط للاقتصاد
تحويل البيوت الأثرية القديمة إلى نُزُل، ظاهرة شائعة في البلدة القديمة بالناصرة

لا بُدّ أنّ هذه الحجارة تأسر كل من زارها بجمالها التاريخيّ، الممتد على مئات السنين، وبكلِّ عطاءٍ يمنح هذا الحجر الدفء للسياح والزوار في الشتاء، والبرودة في الصيف كي يخفف عنهم مشاق وعناء السّفر، هذا هو حال بيوت البلدة القديمة في النّاصرة، التي تحولت لنُزُل صغير تستضيف فيهِ السُّياح من جميعِ بقاع الأرض.

أضحت ظاهرة تحويل البيوت الأثرية القديمة إلى نُزُل، ظاهرة شائعة، وخصيصا في البلدة القديمة، التي تقاوم الظروف المعيشيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة السيّئة، وهي فكرة جديدة نسبيًا، لتشغيلِ تلك البيوت، الاستفادة منها، وإعادة إحيائِها وتنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية بالمدينة والسوق.

كانت الناصرة  ولازالت بقعة تاريخيّة وثقافيّة، تعاني من التهميش والإقصاء رغم كل ثروتها العريقة التي تمتد لآلاف السنين، إلّا أن ذلك لم يسعفها من عمليات التمييز التي جعلت من الحجر  يحتضن الكثير من الزائرين، في حين كان فيهِ هو المستهدف، مع الإنسان.

بيوت البلد

يشير الباحث في التاريخ وعلم الآثار، أحمد مروّات، أنّ البيوت القديمة بحاجة لترميم مهني ومن جهات مسؤولة كبلدية الناصرة وسلطة الآثار، لانقاذ هذة العمائر التي تعود لمئات السنين والمهددة بالسقوط اذا لم يكن هنالك جهة للمحافظة على صيانتها.

وشدد على أنّ أهميتها تكمن في الدور الريادي، كمعالم وبيوت ومؤسسات والتي لعبت دورا مهما في الحقبة التاريخية التي مضت، وكانت تخدم أهالي النّاصرة والقضاء وكانت تستعمل كمراكز طبية، جمعيات، دور عبادة، مدارس، وأديرة.

وأشار مروّات إلى سياسات الإقصاء التي تجعل البلدة القديمة بعيدة مكانيًا عن وسط المدينة التجاريّ، وتهميش تجارها بسبب المراكز التجارية الجديدة، مما يجعل من البلدة القديمة مسكن لبعض العائلات فقط.

 ميزات البناء

وبين أنّه في أغلب أحياء النّاصرة، تعود البيوت إلى الحقبة العثمانية، أي القرن السابع والثامن عشر، لكن في ذات الوقت توجد منازل محفورة داخل مغارات وأنابيب، تم حفرها في الفترة الرومانية، ما يقارب 30 قبل الميلاد.

وأستعرض ميزات البناء القديم، الذي يتحلّى بتنوعهِ ما بين الشامي واللبناني، فكافة البيوت في البلدة القديمة مشابهة لتلك البلدان وبالطبع، الناصرة كانت جزء من بلاد الشام،  وحجارتها من حوران ودمشق، والرخام من قيسارية وحماة وطرابلس وبيروت، والقرميد كان يجلب من مرسيليا بإيطاليا، إضافة إلى الشبابيك التي كان يصنعها حرفيين من أهالي الناصرة، والتي شكلت ميزة معمارية خاصة ما زالت حتى الآن.

ويرى مروّات أنّ الفنادق بحاجة الى مساحة حرة، وهذه البيوت القديمة غير ملائمة بأغلبيتها للاستعمال الفندقيّ، بسبب الاكتظاظ من الناحية الهندسية، فالبيوت ملتصقة ببعضها ومتداخلة، لكن ذلك لا ينفي وجود بعض المنازل كبيرة، التي بها حوش واسع وطابق علويّة، وما يقارب 9 غرف متداخلة، مما تخدم السائحين والزوّار، موصياً بلدية الناصرة الحفاظ على البناء والموروث التاريخي وإنشاء خطة ومشاريع لترميمها تعود بالفائدة على أهالي الحي ولها مردود مادي وثقافي.

تشجيع السياحة

يقول صاحب النُزل، رمزي حاج مسمار 'البيت حولته إلى نُزُل، قبل خمس سنوات، وذلك اقتداءً بجار لي، كان قد فعل ذلك في منزلهِ القديم، لتشجيع السياحة في النّاصرة، فبالرغم من الفنادق الموجودة في النّاصرة، إلّا أنها كانت تفتقد لوجود نُزُل، وحين بدأ مشروعي، كان من الصعب عليّ جلب الزبائن، فلم يكن يتردد لي إلا سائحين أو ثلاثة في الأسبوع، ولكن مع مرور الوقت، أصبحت هناك حركة سياحيّة نشطة في النُزُل، لكن الآن فلا توجد سياحة بتاتاً، فالنُزُل فارغ'.

وعن ما يميّز البيوت القديمة، فهي كما يراها مسمار، تراث وذكرى لمدينة النّاصرة وأهلِها، فهناك الكثير من أهل البلد، ممن تركوا البلدة القديمة، وهجروا منازلهم فارغة، وهي طريقة معالجة خاطئة للواقع الحاليّ.

ويتحدث عن تجربته الشخصية، قائلاً: 'كلفني هذا المنزل الكثير من المال من أجل إعادة ترميمهِ وتأهيلهِ للسكن من جديد، فالمبلغ الذي انفقته كان يمكنني أن أشتري بهِ أرض جديدة وأعمرّ عليها، فكل من حولي استغرب من هذا التصرف، ونعتني بالجنون، وأنا الآن غير نادم على هذه الخطوة التي اتخذتها، بل على العكس سعادتي أراها في الحجر والأزقة القديمة، فهي تذكرني بالجيل السّابق الذي عايشته في طفولتي، حين كانت تمتلئ البلدة القديمة بالدواب، وتُصدر حواف أقدامها صوت لا يمكنني نسيانه، وهي ترتطم بالأرضية.'

ويستذكر مسمار تاريخ المنزل الذي يتراوح ما بين 350-400 عام، وهو لعائلتهِ، حيث توارثه أجداده على مدى الأجيال المتعاقبة، وفي النكبة، تم تأجيره لعائلة مهجرة من طبريا، بعد أن نزحت إلى الناصرة.

ويختتم مسمار حديثه بالقول ' بالرغم من الصعوبات التي واجهته، فمازالت زيارة البلدة القديمة ممتعة، كما أنها قريبة من جميع الأماكن السياحيّة، فالسائحون أتوا لزيار البلدة القديمة بالأساس، والمعالم التاريخيّة، وليس العمارات الشاهقة والبنايات المُرفهة، والتكنولوجيا الحديثة، ومع هذا فالبناء متواضع، يتسع لـ 28 شخصا، ويتراوح سعر الغرفة ما بين 85 حتى 350 شاقل لليلة، بحسب نوعها، وعدد أفرادها، وفي داخل النُزُل بئر من الماء، يعمل وفقًا للطريقة القديمة لاستخراج الماء، ويستعملهُ الزوار.

تاريخ المدينة

من جانبه، يولي صاحب النزل، طوني خشيبون، أهمية للحفاظ على المباني القديمة، لأنها الشيء الوحيد الماديّ الباقي من تاريخ المدينة، مناشدا كل من يمتلكون القدرة أن يرمموا البيوت القديمة، بجعلها استثماراً جيّداً،  مؤكدا أن 'البلدة القديمة تحتاج إلى إعادة إحياء، وبنقصها خدمات عديدة كموقف للسيارات'.

 ويشير خشيبون، إلى أنّ الحركة السياحيّة غير مستقرة، خاصةً في الآونة الأخيرة فهي ضعيفة ، فهناك صعوبة في استقبال المجموعات الكبيرة، حيث يقتصر الاستقبال فقط على الأفراد والأزواج، والمجموعات الصغيرة جداً، وبالمقابل نحن نقدم لهم خدمات لا تتوفر في الفنادق العاديّة، كالإفطار العربيّ، والأجواء الحميميّة التي تتسم بالخصوصيّة.

وبين الصعوبات الاقتصاديّة التي تواجهه كصاحب نزل، فهناك أوقات تنعدم فيها السياحة، مما يُصعّب عليه سدّ المصاريف المترتبة على النُزُل، فلو لم يكن البناء ملك خاص لما استطاع أن يدبر أموره، لافتا إلى أنّ النُزُل يفيد السيّاح، إذ أنّه يوفر عليهم من الجانب الماديّ، فالفنادق العاديّة أسعارها جداً مرتفعة مقارنةً بالنزل.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية