أعيدوني إلى بيتي

أعيدوني إلى بيتي
كفر قاسم تحت الحكم العسكري

فرضت حكومة إسرائيل المؤقتة نظام الحكم العسكري ابتداءً من 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، وإن كان تطبيقه على أرض الواقع قد بدأ قبل هذا التاريخ الرسمي بفترة زمنية طويلة تمتد لعدة شهور. واعتمدت هذه الحكومة في تشريع الحكم العسكري على أنظمة الطوارئ الانتدابية من العام 1945. وامتد نشاط الحكم العسكري من 1949 وحتى العام 1966، على ثلاثة مناطق وهي: الجليل والمثلث والنقب.

الحكم العسكري في المدينة الفلسطينية

الباحث والمؤرخ، د. جوني منصور

ولكن في واقع الأمر، فإن الحكم العسكري وإنّ كان مُحددًا في مناطق جغرافية معينة، إلا أنه شمل كل العرب في إسرائيل دون أن يشمل اليهود. وعلينا الإشارة هنا إلى أن نظام الحكم العسكري لم يُفعّل مطلقًا في حيفا، بينما فُعل في اللد والرملة ويافا حتى تموز/ يوليو 1949، في حين أنه فُعل في عكا حتى حزيران/ يونيو 1951. بمعنى آخر فإن العرب الفلسطينيين الذين سكنوا وعاشوا في هذه المدن تمتعوا بحرية الحركة والتنقل داخلها، وأحيانا خارجها. لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك عقبات فعلية تعرّض لها العرب في هذه المدن، تشبه إلى حد ما بعضًا مما تعرّض له العرب في القرى التي فرض عليها الحكم العسكري.

لقد رأت الحكومة المؤقتة التي شكلها دافيد بن غوريون في 1948، أن تتولى وزارة الأقليات مهمة معالجة قضايا وشؤون العرب بكونهم أقلية (أصبح العرب الفلسطينيين في إسرائيل أقلية بعد تهجير نسبة كبيرة من السكان الفلسطينيين في حرب 1948 والتي تُعرف باسم 'النكبة الفلسطينية'). وعالجت هذه الوزارة كل ما يتعلق بسير وانتظام حياة العرب الباقين في حدود إسرائيل. ولكن بن غوريون ألغى هذه الوزارة في 1949 وأصبح نظام الحكم العسكري قائما بذاته. وعالجت الوزارات المختلفة شؤون العرب إلى أن تولت منظمة الـ'هستدروت' هذا الأمر وأصبح لها الباع الطويل في داخل شرائح المجتمع العربي، وكذلك حزب 'مباي' الحاكم الذي استفاد كثيرا من هذه العلاقة لصالح عملية التصويت لمرشحي العرب في قائمة مرتبطة به، مقابل الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي مثل العرب واليهود مناصري العيش المشترك.

ولأن مقالتنا هذه لن تعالج الحكم العسكري مباشرة، إنما قدمنا هذه المقدمة لتوضيح الصورة التي نتجت عن حرب 1948 ووقوع المجتمع العربي تحت نظام عسكري في معظم تجمعاته، ونظام مدني في المدن التي تم تعريفها أنها مختلطة كتلك التي ذكرناها أعلاه. لكن في حقيقة الأمر، إن العرب الذين بقوا في هذه المدن تعرّضوا إلى صعوبات وعقبات مماثلة لتلك التي تعرّض لها العرب في القرى الفلسطينية في المناطق التي أشرنا إليها سالفًا.

السكن والعمل والحركة... تحديات المرحلة

في مراجعة لعدد كبير من الوثائق في أرشيف إسرائيل وأيضا في أرشيف منظمة الـ'هاغاناه'، الخاصة بحيفا كمثال لهذه المدن في الفترة الواقعة بين 1948 و1956، تبين لنا وجود عدد من الإشكاليات المتعلقة بالسكن والعمل والحركة والتنقل وعودة أبناء العائلة من لبنان أو من مناطق أخرى في الجليل. وكما ذكرنا، وإن كان الحكم العسكري لم يطبق رسميا في حيفا، إلا أن قيادة الـ'هاغاناه' فور احتلالها للمدينة فرضت طوقًا عسكريًا على حي وادي النسناس وقامت بجمع من تبقى من المواطنين وتوطينهم في بيوت تم تفريغها من سكانها – أصحابها الأصليين وترحيلهم عن المدينة ضمن خطة أو عملية أطلقوا عليها اسم 'بيعور حميتس' (أي تطهير الفصح)، ونُصبت نقاط تفتيش ومراقبة على طول الحي لعدة شهور. كما أن العرب سكان المدينة لم يتمكنوا من الخروج منها لزيارة أقاربهم في شفاعمرو أو عسفيا، أو للإشراف على ممتلكاتهم إلا بتصريح خاص من قيادة الجيش أو بالتعامل مع ممثل وزارة الأقليات الذي تولى معالجة هذه القضايا. بمعنى آخر، فإن الـ'هاغاناه' ثم الجيش الإسرائيلي الذي تأسس رسميا في حزيران 1948 تعاملوا مع العرب في حيفا وفق أسس الحكم العسكري.

المعاناة من مختلف أشكال الحكم العسكري... نماذج

وتشير مئات الرسائل والوثائق إلى الصعوبات والشدة التي واجهها العرب في هذه المدينة. ونورد هنا بعض النماذج والأمثلة من باب الإشارة إلى حقيقة الواقع الذي عاشه هؤلاء في تلك المرحلة الحرجة والدقيقة، علمًا أنّ الأمثلة من هذا النوع كثيرة جدًّا ولا يمكننا حصرها في مقالة قصيرة كهذه.

وتشكلت في حيفا 'اللجنة العربية المؤقتة' لتساعد السكان العرب الباقين في المدينة مقابل المؤسسات الجديدة التي تشكلت في 1948، وخصوصًا وزارة الأقليات. وكان هَمّ هذه اللجنة توفير السكن لمن لا بيت له، أو لمن فقد بيته بحكم أنه غادره لاجئا في دير مار إلياس أو في جامع الجرينة وكنيسة السيدة (بيت النعمة حاليا)، وتمّ إسكان عائلات يهودية مهاجرة مستوطنة فيها بدلاً من أصحابها الذين بقوا في المدينة. في حالات كثيرة رفضت وزارة الأقليات إسكان عائلة في بيتها الأصلي الذي تملكه، بل منحتهم بيتًا بديلاً ليس ملكًا لهم بل بالإيجار. ففي رسالة بعث بها لويس النحاس، صاحب مُلك في شارع الجبل رقم 96 (غيّرت بلدية حيفا اسمه في منتصف السبعينيات ليصبح 'الصهيونية')، إلى مندوب وزارة الأقليات في حيفا موشي يتاح في 13 أيلول/ سبتمبر 1948، كتب ما يلي: 'أتشرف بأن أعرض على حضرتكم أنني قد أُخرجت من ملكي الكائن في طريق الجبل رقم 96 من قبل السلطات العسكرية اليهودية، وذلك أنّ هذه السلطات وضعت يدها في اليوم الأول من شهر آب/ أغسطس 1948 على كامل الشقة التي كنت أشغلها بزعم أنها في حاجة إليها. وقد نقلت من منزلي إلى شقة أخرى تقع في ملك السيد حنا دكلوش في شارع عباس رقم 49.... لقد طالبني حارس أموال العرب رسوم إيجار عن الشقة التي أشغلها في ملك السيد حنا دكلوش، ولكن السلطات العسكرية لم تدفع لي حتى الآن أي إيجار مما وضعت يدها عليها، وفي هذا إجحاف صريح يخالف مبادئ العدل والإنصاف...' (أنظر/ي الرسالة مرفقة مع هذا المقال).

أما نبيهة تابري، صاحبة شقة في شارع قيسارية رقم 5، فكتبت رسالة شديدة اللهجة وجهتها إلى مدير مكتب شؤون العرب في الوزارة تطالب فيها إعادة بيتها وتغريم محتلينه بمبلغ تعويضات. وجاء في رسالتها المؤرخة في 16 آذار/ مارس 1949 تحت عنوان 'إرجاعي إلى بيتي': 'أنا المدعوة نبيهة تابري مع شقيقتي فيروز تابري نقيم حاليًا عند راهبات المحبة حيث قيادة الجيش قد أجبرتنا على النزوح من بيتنا الكائن في شارع قيسارية رقم 5 بتاريخ 3 حزيران/ يونيو 1948. ومنذ ذلك التاريخ ونحن نقيم عند الراهبات. وقد احتلت بيتنا عائلات يهودية ولم استطع الرجوع إلى بيتي. والراهبات يطالبنني يوميًا بإيجاد مسكن. وحيث أنني لا قدرة لي على دفع إيجار، وحيث أنّ الحالة قد هدأت، وحيث أنني لم أغادر حيفا قط، وحيث أنّ عدالة إسرائيل تأمر بالمساواة... لذلك أرجوكم أن تتوسطوا لدى المراجع الإيجابية. أولاً: إرجاعنا إلى بيتنا الذي دفعنا عنه جميع الضرائب، الويركو والبلدية، ثانيًا: استلام جميع الضرائب التي دفعت من المحتلين أي منذ 3 حزيران 48. ثالثًا: التعويض عن جميع الخسائر من الأضرار التي وقعت على بيتنا. رابعًا: إن لم تأمر المراجع إلى بيتنا، فتدبير مسكن كالذي كنا فيه... حيث لم نشعر يومًا ما أننا كنا مخالفين قوانين حكومة إسرائيل'.

وفي حالة أخرى تتعلق بفتح مصلحة ليعتاش منها صاحبها هو وعائلته في ظل الظروف القاسية والصعبة التي كان يمر بها العرب في حيفا في ظل الحكم العسكري الذي فرضته الـ'هاغاناه' ثم الجيش الإسرائيلي فإننا عثرنا على رسالة أرسلها معين شحبرات في 27 أيلول 1948 إلى مدير الأقليات في حيفا عارضًا فيها مشكلته، وطالبًا إيجاد حل له، كتب ما يلي:' عندما أمرت الحكومة بإسكان العرب في حي وادي النسناس، تألف مكتب لتدبير هذه الشؤون. ومن هذا المكتب أخذت دكانًا في شارع وادي النسناس رقم 34 واستعملتها بقالة. وبعد ذلك طلبت ترخيصًا من البلدية لتكون أعمالي قانونية، ولكن البلدية رفضت إعطاء الرخصة إلا إذا حصلت على موافقة دائرة المؤن، وهذه الأخيرة رفضت الموافقة إلا إذا حصلت على موافقة من سعادتكم. لهذا جئت مسترحمًا النظر في أمري...'.

عرفتُ شخصيًا المرحوم معين شحبرات، أبو جورج، حيث أننا سكنا قريبًا من بقالته التي كنا نشتري منها كل ما نحتاجه لمعيشتنا، وتميز بالاستقامة وهذا أيضًا ظاهر بوضوح في رسالته التي بّين فيها طاعته للقوانين، وأيضا بّين بوضوح أن السلطات تميل إلى إذلاله ليصل إلى القيادة العليا طالبًا منها الموافقة على طلب بسيط وهو ترخيص بقالته.

اقرأ/ي أيضًا | الحكم العسكري: هل انتهى حقا؟

هذه نماذج من أشكال المعاناة التي تعرّض لها أهلنا في العام 1948 وما بعده بقليل ليثبتوا وجودهم وبقائهم ويسعون إلى عودة الأمل إلى فصول حياتهم التي فقدوا جزءا كبيرا منها بالنكبة. هذه النكبة التي قلبت كل موازين واقع حياة الفلسطينيين، وتركت ندوبًا عميقة لا تزال تتفاعل إلى يومنا هذا، شئنا أم أبينا. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


أعيدوني إلى بيتي

أعيدوني إلى بيتي

أعيدوني إلى بيتي