الناصرة: أزمة السير بين الواقع المرير والمستقبل الافتراضي!

الناصرة: أزمة السير بين الواقع المرير والمستقبل الافتراضي!
الناصرة، أب 2018 (تصوير "عرب 48")

كادت عبارة "أزمة السير" أو "الاختناقات المرورية" أن تصبح مرادفة للناصرة، وكانت في مرحلة ما الميزة الأبرز لهذه المدينة، حتى أن سكان القرى المجاورة أصبحوا يتجنبون الوصول للناصرة تفاديا للازدحام المروري، بينما كان الهمّ الأكبر لدى سكان المدينة هو أزمة السير، لدرجة أنهم باتوا يبحثون عن الرئيس "المخلص" لهذه المدينة من "تحجّر" السائقين داخل سياراتهم.

كان السفر من أطراف الناصرة إلى مدينة حيفا التي تبعد عنها 40 كيلو مترا، يستغرق وقتا أقل مما يستغرقه السفر بين حي بير الأمير وحي الصفافرة مرورا بوسط المدينة المزدحم، في بعض الأحيان. وكان هناك العديد من المحاولات لإيجاد حلول جذرية عبر إدارات البلدية المتعاقبة، أبرزها مشروع "البلد سالكة" في بدايات العام 2000 الذي جاء لتشجيع السفر بالمواصلات العامة وتخصيص مسارات للحافلات، إلا أن المشروع قوبل باحتجاجات واسعة في حينه، الأمر الذي دفع إدارة بلدية الناصرة في حينه للتخلي عن الفكرة.

لا تزال أزمة السير تتفاقم لغاية اليوم، لكن أصبحت محصورة في ساعات الذروة، مع إدخال سلسلة من التغييرات والتعديلات في أنظمة السير، وفتح شوارع جديدة وتوسيع بعض الشوارع القائمة. ومن الملاحظ، اليوم، أن الاختناقات المرورية في الناصرة تكون عادة في ساعات الصباح وتنحصر في محيط المدارس حين يقوم معظم الأهالي بنقل أولادهم إلى المدارس بسياراتهم ذهابا، وفي ساعات الظهر إيابا، وفي المناسبات والأعياد، وسوق الميلاد وغيرها.

البُنى التحتية

في ظل الواقع الذي يعيشه المواطن العربي في البلاد، فإنّ البلدات العربية عموما لم تتطوّر، مقارنة مع المدن اليهودية، وما من شك بأن الناصرة تحتاج إلى التوسع والتمدد بكل الاتجاهات لحل هذه الإشكالية، رغم التطور الكبير في حركة السير بالمدينة، التي يدخل إليها عدد كبير من الزوار والحافلات، والحركة السياحية التي تشهد نشاطا ملحوظا.

ويشعر المواطن بالضيق أحيانا بسبب المعاناة اليومية من أزمة السير، وبالقلق بسبب الاكتظاظ السكاني وازدياد عدد السيارات وعدد السائقين في البلدات العربية التي لم تتطور منذ عشرات الأعوام، وهذا ما شهدته الناصرة، في منطقة "البيغ"، قبل نصب شارات ضوئية داخل الدوار الذي قلّل وبشكل ملحوظ من الازدحام المروري في المنطقة.

ألبير أندرِيّا

وعن هذه الأزمة، قال مهندس السير والمواصلات، ألبير أندرِيّا، لـ"عرب 48" إن "أسباب أزمة السير التي ترتبط من ناحية أساسية ارتباطا وثيقا بسياسة الدولة المعادية لتطوير وتوسيع المدينة على حساب المجالس الإقليمية اليهودية المحاذية لها تعددت، وهي من ناحية أخرى ترتبط بالتزايد السكاني للمدينة ما يُساهم بارتفاع عدد المركبات الخاصة على نفس رقعة الأرض الضيقة".

وأضاف أندرِيّا: "نحنُ لا نغفل عن أسباب أخرى كحالة البنية التحتية المتردية ووجود معظم الأراضي في المدينة بملكية خاصة تحد من توسيع شوارعها. وأيضا تخطيط حلول أحيانا تكون 'مسكّنات' لا تعتمد على إيجاد حلول إستراتيجية للمدى البعيد".

وشدّد على أن "القرارات السياسية لها حصة الأسد في حل أزمة السير في المدينة، فتوسيع رقعة المدينة وربطها بشبكة سكة الحديد السريع أو الخفيف، ما هي إلا قرارات سياسية وحلول إستراتيجية ملحّة لحل أزمة السير في متروبولين الناصرة. وانعدام المخطط الإستراتيجي الذي يشمل أحياء سكنية متعددة الاستعمالات كمساحات للأشغال والتجارة والمرافق الجماهيرية والسكنية التي تلبي الاحتياجات الحياتية اليومية دون الحاجة إلى استعمال المركبات الخاصة للوصول إلى مركز المدينة. وهذا الربط بين الاستعمالات يشجع على الاستغناء عن المركبات الخاصة داخل شبكة الشوارع القائمة والتي سعتها لا تستوعب الازدياد المستمر والمتفاقم في السير".

وأكد المهندس أندرِيّا أنه "لا يكفي فقط التخطيط البناء داخل الأحياء السكنية الجديدة، بل يجب ربطها بشبكة مواصلات عامة مع مركز المدينة وباقي الأحياء السكنية وإعطائها الأفضلية داخل الحيز العام، خاصة أننا نعلم جيدا أن معظم أراضي المدينة هي بملكية خاصة ويصعب توسيع شوارعها. وحتى لا نكون ساذجين فحتى إن قمنا بتوسيع هذه الشوارع سرعان ما ستمتلئ بالمركبات الخاصة وتتفاقم أزمة السير في المفارق ووسط المدينة".

ورأى أن "الغرب وصل منذ زمن إلى الاستنتاج الصحيح فيما يخص أزمات السير داخل المدن الكبيرة، فوضعوا نصب أعينهم المشاة كأهم مستعمل داخل الحيز العام، ثم مستخدمي الدراجات الهوائية كوسيلة نقل، ومن ثم المواصلات العامة وآخرها فقط المركبات الخاصة. بموجب هذه الرؤية الإستراتيجية استطاعوا التخفيف من حدة أزمة السير عن طريق بناء شبكة ناجعة من المواصلات العامة والدراجات الهوائية التي تربط المرافق العامة ووسط المدينة. إن السعة الكبيرة لوسائل النقل هذه تفوق عشرات الأضعاف سعة المركبات التي ستنتج بواسطة إضافة مسالك سير للمركبات الخاصة. وفي مدينة الناصرة تحديدا، وبسبب سياسة الدولة المتواصلة في الحد من تطوير المدينة وتوسيع مسطحها، تبقى المساحة المتاحة للعمل على حل أزمة السير في المفارق القائمة وتنحصر فقط في حلول عينية ملحة".

وأوضح مهندس السير والمواصلات أن "هذه الحلول ليست الأفق الذي نسعى إليه لحل أزمة السير الخانقة وهي ليست الحلول التي ستمنع مستقبلا تفاقمها. مع ذلك فإن وجدت هذه الحلول علينا القيام بها بمهنية عالية وإبداع هندسي لكي نخفف من حدتها. هذه الحلول المناطقية العينية لا تعمّر طويلا، ومن الأنسب أن تنُفذ بالتوازي مع التحضير لخطة إشفاء إستراتيجية لأزمة السير وشبكة المواصلات الخاصة والعامة التي تستوعب الازدياد المستمر بعدد السكان في المدينة وضواحيها وأيضا استيعاب الجيل الجديد داخل المدينة وبالتالي منع الهجرة السلبية منها."

وفي هذا السياق فإن مشروع "متروبولين الناصرة" سيشمل أكثر من ربع مليون نسمة، وهو يخلو من محطة قطار داخل حدوده. كما يفتقد نُظم السير في الحدود بين الشوارع الرئيسية القطرية وبين المدينة الضيقة الرئيسية والفرعية منها. ويفتقد المواطن المحفز للاستغناء عن السيارة الخاصة مقابل المواصلات العامة.

ويرى المهندس أندريا أن "تّبني حلول مؤقتة عينية كدوار سير أو شارات ضوئية أو أي نظام سير آخر لمفرق داخل المدينة لا يلبي احتياجات المدينة المستقبلية وتطورها. وهي عبارة عن 'إطفاء حرائق صغيرة' في أماكن متعددة لا تمنع من شبوبها وتعاظمها واتساعها مع الزمن. هذا الأمر يلزم السلطة المحلية بوضع خطة إشفاء طويلة الأمد تضع الإنسان في أعلى سلم الأولويات داخل الحيز العام، وتشمل الخطة توعية الجيل القادم لأهمية استعمال المواصلات العامة، المحلية والقطرية، وربط بعضها ببعض".

وشدد على "أهمية استعمال الدراجات الهوائية كوسيلة نقل داخل المدينة وتخطيط مسارات لهذا الشأن. وتشمل الخطة التحضير لتوسيع حدود المدينة وتجديد أحياء قائمة وحلول مستديمة، وتحديد مواقف المركبات الخاصة في مركز المدينة، ومواقف للشاحنات خارج الأحياء السكنية، ومنع فوضى السير واشتراط إعطاء المصادقة على البناء لمن يخصص موقف للمركبة داخل القسيمة فقط وليس داخل الحيز العام."

علي سلّام: أزمة السير في الناصرة من ورائنا ومشاريع خيالية أمامنا

وتعقيبا على ما جاء في التقرير، قال رئيس بلدية الناصر، علي سلّام، لـ"عرب 48" إنه "في كل يوم يمر تقطع البلدية شوطا طويلا في التغلب على أزمة السير، وهي لم تعد قائمة اليوم، نحن نتحدث عن حلول إستراتيجية وليس عن 'مسكنات'، ونفذنا عدد من المشاريع لحل أزمة السير منذ تسلمنا رئاسة البلدية".

علي سلّام

وأشار إلى أنه لديه "مخططات تشابه الخيال من شبكات السلال المعلقة والجسور. تنفيذ هذه المشاريع يستغرق بعض الوقت، لكن هذه الثورة انطلقت ولن تتوقف".

"عرب 48": بالنسبة لموضوع أزمة السير في الناصرة، وهي إحدى المعضلات التي كادت أن تسقط البلدية السابقة في أيام خلت عندما جرت محاولات لتطبيق مشروع "البلد سالكة" رفضها الجمهور... كيف تواجهونها، اليوم؟

سلاّم: لا توجد أزمة سير في الناصرة. هذه المعضلة لم تعد قائمة في أي موقع من شمالي الناصرة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. المشاريع الأخيرة التي نفذتها البلدية كانت كفيلة بحل أزمة السير والاختناقات المرورية التي لطالما كانت تنغص وتمس بجودة حياة المواطن النصراوي.

"دوار البلدية" بدل "دوار البيغ"

وقال سلام إن "آخر أزمات السير كانت في منطقة 'دوار البيغ' الذي منذ اليوم سيطلق عليه اسم 'دوار البلدية' وهو الدوار الذي أشرف عليه من نافذة مكتبي، إذ طبقنا نظاما هو الوحيد من نوعه في البلاد حينما وضعت الشارات ضوئية داخل الدوار من أجل تنظيم حركة السير فيه، وقد نجحت التجربة في حل آخر أزمات السير بالمدينة".

وعدّد رئيس بلدية الناصرة المشاريع التي نفذها منذ تسلمه إدارة البلدية بهدف وضع حد للاختناقات المرورية، مؤكدا أنه "تم بنجاح حل أزمة السير في حي الصفافرة ومفرق الخانوق، بفتح شارع واسع من حي الجليل إلى حي الصفافرة ومنطقة الحاووز، إضافة لفتح شارع جديد في حي كرم الصاحب باتجاه عيلوط. وباتجاه يافة الناصرة جرى توسيع الشارع الرئيسي من مفرق أم واصف حتى 'كفار هحورش'، وتنظيمه وإنشاء جسر ضخم يربط الشارع الرئيسي بحي بئر الأمير وجبل الدولة. أما في وسط المدينة وشارع توفيق زياد فقد أقمنا 3 دوارات ساهمت بشكل كبير في حل أزمة السير. وستقام دوارات أخرى في القريب العاجل في حي ديانا إلى شارع المستشفيات، وآخر يربط حي جبل حمودة بشارع توفيق زياد".

وأضاف سلام أن "أكبر دليل على حل أزمة السير هو فترة الأعياد وآخرها عيد الفطر. أتحدى أي مواطن أو وافد إلى المدينة يقول أنه عانى من أزمة السير حتى في يوم وقفة العيد، فلم تكن هناك أزمة سير وهذا أمر لم يحدث في تاريخ الناصرة. كان الوافدون وأهل المدينة يتجنبون الوصول إلى وسط الناصرة بسبب الأزمة، التي أصبحت من ورائنا".

"بعض الاختناقات سببها سلوك فردي غير مسؤول من قبل سائقين مخالفين"

ولفت رئيس بلدية الناصرة إلى أن "بعض الاختناقات المرورية تحدث أحيانا بسبب سلوكيات شخصية مرفوضة وأحيانا غير أخلاقية من بعض السائقين الذين يوقفون سياراتهم في مسالك السير، وهو أمر مرفوض. بعد أسابيع قليلة نعتزم تطبيق وفرض القانون بصرامة على أولئك الذين يغلقون بسياراتهم مسالك السير".

"عرب 48": هل استشرتم متخصصين للعمل معكم على حل أزمة السير؟ وهل هي حلول إستراتيجية أم أنها مؤقتة؟

سلاّم: على الرغم من أنني رجل أعمال وأدرك كيفية تنفيذ المشاريع، لكن في حل أزمة السير عملنا إلى جانب خبراء بأعلى المستويات في البلاد وأكثرهم مهنية في هذا المجال. الناصرة عانت في الماضي من الاختناقات، واخذت على عاتقي مسؤولية وضع شارات مرورية بداخل الدوار كأول تجربة من هذا النوع في البلاد. حركة السير في الدوار سالكة من كل الاتجاهات ودون عوائق. ولكي أكون صادقا مع نفسي أولا ومع أهالي المدينة فإن السنوات الخمس القادمة ستشهد بنشاء 5 جسور مركزية مشابهة لجسر بئر الأمير بعد أن استبعدنا فكرة الأنفاق. وقبل الانتخابات الوشيكة سنعلن عن مخطط مشروع 'السلال المعلقة' التي تربط بين جبل القفزة ودوار المدينة، وهناك تخطيط لمشروع "سلال معلقة" مشابه يربط بين مفرق العمارة ومفرق الخانوق، تقوم بالتخطيط له شركة أجنبية معروفة عالميا في هذا المجال.

الكنائس والأديرة تمتلك ثلث مساحة المدينة

وعن امتلاك الأديرة والكنائس أجزاء كبيرة من مساحة الناصرة، ختم سلاّم بالقول إنه "في الحقيقة أن الأديرة تحتل ثلث مساحة المدينة، لكن الحق يقال في أن هذه الأديرة هي أكثر المؤسسات التي قدمت وتنازلت عن مساحات لتطوير شوارع الناصرة، ومعظم الشوارع شقت من أراضي الأديرة، ولدينا مخطط لتوسيع الشارع الرئيسي على حساب أحد الأديرة، مقابل أن نعطيه مساحة مماثلة لبناء مشاريعهم عليها وندعم هذه المشاريع. ونفس النموذج قد يطبق في حي السالزيان الذي تملك فيه البلدية 35% من الأرض".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


الناصرة: أزمة السير بين الواقع المرير والمستقبل الافتراضي!

الناصرة: أزمة السير بين الواقع المرير والمستقبل الافتراضي!

الناصرة: أزمة السير بين الواقع المرير والمستقبل الافتراضي!

الناصرة: أزمة السير بين الواقع المرير والمستقبل الافتراضي!