د. ميعاري: تشغيل المرأة العربية لمواجهة الفقر

د. ميعاري: تشغيل المرأة العربية لمواجهة الفقر
في النقب.. (أ ف ب)

* التعليم وعمل المرأة يقفان وراء التحولات الاقتصادية الإيجابية الراهنة
* مطلوب تدخل حكومي لتوفير فرص وأماكن عمل للنساء والرجال أيضا
* ومطلوب برامج لإقامة مناطق صناعية وحل معضلة الفقر ودمج المرأة في العمل


بغض النظر عما إذا كانت المليارات هي 6 من أصل الـ10مليارات التي تشملها "خطة 922" الاقتصادية الحكومية لتطوير البلدات العربية، كما قال رئيس بلدية الطيبة، شعاع منصور مصاروة، أو 4 من أصل 10 مليارات، كما قال المدير السابق لـ"سلطة التطوير الاقتصادي للأقليات في مكتب رئيس الحكومة"، أيمن سيف؛ وبالنظر إلى ضآلة المبلغ الكلي (السابق والراهن) مقابل حجم احتياجات سد الفجوات الهائلة في المجتمع العربي، فإن تبجح وزراء ومسؤولين وعرض الخطة وكأنها إنجاز كبير هي صفاقة حكومية منقطعة النظير؛ يبدو من الغريب أن تقابل بصمت بعض أعضاء الكنيست العرب ممن هم معنيون بتعظيم هذه الخطة، وإظهارها كإنجاز شخصي لهم.

د. سامي ميعاري

بعض النواب العرب كانوا قد التفتوا سابقا إلى الإشكاليات القائمة في الخطة الاقتصادية 922 وأنها "رغم ما تحمله في طيّاتها من جوانب إيجابية إلا أنها لا تؤدي إلى سد الفجوة في الخدمات المقدمة للبلدات العربية، وتستعمل من قبل الحكومة كمادة دعائية لها في الخارج وأمام الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ويتحجج بها الوزراء على أنها تلبي الاحتياجات، ولا حاجة لرصد ميزانيات أخرى، الأمر الذي يعيق من مطالبة المزيد".

وكانت وزيرة المساواة الاجتماعية، غيلا غمليئيل، قد "فاخرت" خلال كلمتها في المؤتمر الاقتصادي الذي عقد مؤخرا في الناصرة بهذه الخطة قائلة، "قمت أنا ورئيس الحكومة ووزارة المالية بتخصيص خطة مالية للعرب تصل إلى 10 مليار شيكل، من أجل تطوير البنى التحتية والعديد من المرافق".

عملية سد الفجوات تحتاج إلى 64 مليار شيكل

الباحث الاقتصادي والمحاضر في جامعتي تل أبيب وأكسفورد، د. سامي ميعاري، كان أقل تفاؤلا حينما قال في جلسة عقدت في الكنيست، مؤخرا، إن المبالغ الإضافية (التي لم تكن قائمة قبل الخطة) لم تتعد 2.5 مليار دولار فقط، في حين أن حاجة العرب لسد الفجوات هي 64 مليار شيكل.

يقول د. ميعاري إن عملية سد الفجوات تحتاج إلى 64 مليار شيكل، ويقترح توزيعها على عشر سنوات يتم خلالها تخصيص ما يقارب 6 مليارات شيكل سنويا. وعن التساؤل الذي يطرحه حول توفر الأموال والجدوى الاقتصادية من وراء ذلك،  يجيب أن الزيادة السنوية في إجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي السنوي هو 22 مليار دولار، وفي كل دولة يفترض أن يحصل 20% من السكان على حصتهم من هذه الزيادة. وحول الجدوى يقول إن مردود زيادة دمج النساء العربيات في سوق العمل فقط تعادل ملياري شيكل سنويا.

حول الاحتياجات والتحولات الاقتصادية في المجتمع العربي، وبالتزامن مع انعقاد مؤتمر "ذي ماركر" (المؤتمر الاقتصادي العربي في الناصرة) وما جرى خلاله من أحاديث عن خطط اقتصادية قديمة وجديدة، كان هذا الحوار مع الباحث الاقتصادي د. سامي ميعاري:

عرب 48: دعنا نتوقف عند أهم التحولات التي شهدها المجتمع العربي في الفترة الأخيرة ومردوداتها الاقتصادية البادية للعيان في كثير من مظاهر الحياة؟

ميعاري: المميز الاقتصادي الأساسي في المجتمع العربي منذ التسعينيات هو زيادة الاستهلاك، ويعود سبب ذلك إلى انتقال الكثير من العائلات العربية من الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى، وهو انتقال أدى، إضافة لزيادة الاستهلاك، إلى فتح وانتشار العديد من المحال التجارية التي ساهمت بدورها في التنمية الاقتصادية القائمة.

ومن الجدير بالذكر أن ظهور الطبقة الوسطى أو زيادة حجمها هو نتيجة توزيع الأفراد في المجتمع العربي من ناحية سنوات التعليم، وأقصد زيادة أعداد الأكاديميين من معلمين وأطباء ومحامين وأصحاب مهن حرة، وهي زيادة كانت ملحوظة منذ مطلع التسعينيات، وترجمت من خلال الالتحاق بالمؤسسات الأكاديمية في البلاد والخارج.

التحول الثاني يتعلق في انخراط النساء في سوق العمل، وهو مميز جار أساسا في السنوات العشر الأخيرة، وساهم في زيادة دخل العديد من العائلات، كما أن ارتفاع مستوى الدخل أدى إلى نوع من زيادة الإنتاج المحلي العربي.

عرب 48: هذه تحولات داخلية تجري في قلب المجتمع العربي، إن جاز التعبير، وتنعكس إيجابيا على اقتصاده، ولكن ماذا مع واقع التمييز في سوق العمل، ونوعية العمل والدخل وغيرها؟

ميعاري: ما زال المجتمع العربي يعاني من التهميش والإقصاء على المستوى الاقتصادي، ويفتقر إلى العديد من البرامج الاقتصادية في كافة المحاور والمرافق الاقتصادية، من أجل تطويره ووصوله إلى الدرجة الاقتصادية الموجودة في الوسط اليهودي، وأقصد بالذات أولا مناطق صناعية، حيث أنه للأسف لا يوجد مناطق صناعية إلا في بلدتين عربيتين، هما الناصرة وكفر قاسم.

ومن نافل القول إن وجود مناطق صناعية تتجاوب مع المطالب العصرية لاقتصاد متطور من شأنها أن توفر أماكن عمل للشباب والشابات، وخاصة النساء اللاتي يعانين من البطالة بسبب عدم وجود أماكن عمل داخل قرانا ومدننا. في مجتمع تقليدي مثل مجتمعنا لا ينظر بعين الرضا لعمل المرأة خارج قراه ومدنه. هذا ناهيك عن غياب شبكة مواصلات سالكة بين القرى والمدن العربية، وبينها وبين المراكز التجارية والصناعية، مما يزيد من صعوبة وتعقيد مسألة عمل المرأة والرجل أيضا.

عرب 48: أرى أنك تشدد كثيرا على عمل المرأة وانخراطها في السوق الاقتصادية، وكأنها أحد أسباب الوضع الاقتصادي الذي يعاني منه المجتمع العربي؟

ميعاري: عمل المراة من أهم الركائز الاقتصادية للمجتمع العربي، ورغم كل التطور الحاصل على هذا الصعيد فإن نسبة انخراط المرأة في سوق العمل هي 30% من مجمل القوى العاملة، علما أن القوى العاملة، وفقا لتعريف منظمة العمل الدولي، تشمل العاملات والعاطلات عن العمل، ما يعني أن نسبة العاملات فعلا هو أقل من ذلك.

وفي قضية عمل النساء هناك عامل العرض، والذي يظهر أن هناك نقصا في عدد سنوات التعليم عند النساء، وهناك نقص في مؤهلاتهن أمام متطلبات سوق العمل، كما لا تتم ملاءمة ما تتعلمه المرأة العربية مع متطلبات سوق العمل.

الجانب الثاني وهو المتعلق بالطلب، ومع علمنا أن هناك العديد من الجمعيات العربية والإسرائيلية التي تعمل على دمج المرأة العربية بسوق العمل، فإن جميعها تركز على جانب العرض، ولكن ماذا مع جانب الطلب، وأقصد قضية توفير محلات عمل للنساء العربيات في أماكن سكناهن، وهو ما يتطلب تدخلا حكوميا وبرامج حكومية حقيقية من أجل زيادة فرص العمل وعدد الوظائف، وهناك العديد من الأبحاث التي تطرقت لهذا الموضوع في مجالات الصحة والتربية والتعليم ومجال القطاع العام، ووصلت إلى حلول حول كيفية دمج النساء العربيات.

عرب 48: ماذا عن دور السلطات المحلية العربية، فنحن نحب أن نعلق كل شيء على شماعة السلطات الإسرائيلية، ما دورها في إقامة هذه المناطق الصناعية وفي تشكيل رافعة اقتصادية؟

ميعاري: صحيح أن السلطات المحلية العربية هي المشغل الأكبر، ولكنها لا تستطيع أن توفر وظائف وأماكن عمل داخل البلدات لكل السكان، ولذلك لا يمكن الاعتماد فقط على السلطة المحلية، ولكن مطلوب من السلطة المحلية أن تعمل على إعداد برامج اقتصادية، وهنا أقصد اللجنة القطرية للسلطات المحلية التي يفترض أن يتوافر لديها برامج مهنية من أجل دمج النساء، ومن أجل حل معضلة الفقر، ومن أجل إقامة مناطق صناعية.

وتلك قضايا مترابطة ببعضها البعض، فإقامة مناطق صناعية من شأنه حل مشكلة عمل المرأة، وعمل المرأة يؤدي الى التقليل من نسبة الفقر، ووفقا للأبحاث التي أجريتها فإن نسبة الفقر لدى العائلات التي تشارك بها المرأة في سوق العمل تنخفض من 54% إلى 25% فقط، وهي نسبة هائلة، بمعنى أن اندماج المرأة في سوق العمل من شأنه أن ينقذ، إلى حد ما، المجتمع العربي من الفقر.


د. سامي ميعاري مُحاضر وباحث في جامعة تل أبيب، في قسم دراسات العمل، حاصل على لقب الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة العبرية. عمل في الأعوام ما بين 2011-2016 كمدير مشروع العلاقات العربية اليهودية في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، كما عمل باحثا في معهد الأبحاث الاقتصادية في برلين ما بين 2011-2012. حصل ميعاري على اللقب الأول في مجال الاقتصاد والرياضيات في العام 2000، وعلى اللقب الثاني في مجال الاقتصاد عام 2003، وعلى الدكتوراه في الاقتصاد عام 2008. وقد تناولت رسالته للدكتوراه (التكلفة الاقتصادية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي). وهو يعمل كذلك حتى الآن كمستشار اقتصادي لمؤسسات دولية مثل: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.