اللقية: قسائم الدم

اللقية: قسائم الدم

أيام قليلة مضت على جريمة القتل المروعة التي هزت قرية اللقية شمالي النقب؛ الجريمة التي كان العشرات من أهالي البلدة شهودًا عليها، من رجال ونساء وأطفال في مركز البلدة وأمام المجلس المحلي، إذ لا تزال تشغل معظم أحاديث أهالي البلدة المفجوعين والمصدومين حتى اللحظة من هول المصيبة.

جريمة القتل المزدوجة التي راح ضحيتها سليمان وعزيزة الربيدي، وهما والدان لسبعة أطفال، ليست الأولى في بحر الدماء المستمر منذ عام، بين عائلتي الربيدي وأبو عمار في اللقية، إذ توفي الشاب عدي أبو عمار بتاريخ 31.07.2018 متأثرا بجراحه بعد تعرضه لإطلاق نار، وأصيب ثلاثة من أقاربه بجراحٍ متفاوتة، بعضها خطيرة، أدت لإعاقات لإثنين منهم على الأقل، بعد شجار نشب بين العائلتين استخدمت فيه الأسلحة وذلك على خلفية خلاف على قسيمة أرض وعدت ما تسمى "دائرة أراضي إسرائيل" أبناء العائلتين بتخصيصها لهم.

القتيل عدي أبو عمار

وقال "ساري"، وهو اسم مستعار لممرض كان أول المتواجدين في المكان لـ"عرب 48": "هرعنا إلى السيارة عندما رأينا الحدث، ووجدت المرأة لا تتنفس وبدون نبض، والرجل كان يلفظ أنفاسه الأخيرة والدماء تخرج من عنقه، أما الطفل فقط كان مختبئا بين الكراسي الأمامية والخلفية على أرضية السيارة، وأمه تغطيه بجسدها من فوقه، وكانت ملابسه ووجهه مليئة بدماء والدته".

غطت عزيزة الربيدي، الحامل في الشهر الثامن، والجالسة في الكرسي الخلفي ابنها (7 أعوام) بجسدها بكل ما تملك من قوة وخبأته في أرضية السيارة، حامية إياه من وابل الرصاص الذي أُطلق على سيارة زوجها سليمان الربيدي من نوع "تندر سوزوكي"، وحمته من الموت والإصابة بالرصاص الذي استمر لدقائق طويلة دون أن يتوقف.

 

قسائم الأرض المُختلف عليها باللقية

وبحسب شهادة "هاجر" من اللقية لـ"عرب 48"، "احتشد أهالي اللقية الحاضرون حول سيارة سليمان الربيدي لحظة هروب القتلة من مكان الجريمة، وأخرجوا الطفل غير القادر على الحراك أو الحديث والمغطى بالدماء على وجهه وملابسه. لم يبد الطفل ردود فعل في البداية من هول الصدمة، حتى ظن الحاضرون أنه مصاب أو أسوأ من ذلك".

أطفال وشبان من القرية ممن شهدوا الجريمة المرعبة نقلوا إلى مستشفى "سوروكا" في بئر السبع بعد أن أصيبوا بالصدمة والرعب من هول المشهد.

الصدمة لم تترك أحدًا من أهالي اللقية... استنكر الأهالي الجريمة وجرائم القتل التي سبقتها، وحمّلوا الشرطة التي تعلم بصعوبة الوضع القائم واقترابه من الانفجار كامل المسؤولية، وبالرغم من ذلك لم تقم بأي مجهود لجمع السلاح من المجرمين.

مكان إطلاق النار الأول باللقية

وقال أحد سكان اللقية، شادي أبو عمار، لـ"عرب 48" إن "العنف سببه انتشار السلاح، وأهم شيء حاليا هو جمع السلاح بشكل كامل من اللقية وغيرها. بقاء السلاح يعني استمرار العنف والقتل، والشرطة التي لم تقم بجمع السلاح ومحاسبة حامليه هي شريك أساسي في الجريمة. نطلب من الجميع السعي لإصلاح الأمور وتهدئة النفوس، ونسأل الله العفو والعافية".

بعد مقتل عدي أبو عمار لم يستطع رجال الإصلاح في النقب إيقاف شلال الدم القادم إلى اللقية. أصيب المربي عبد الرحمن الربيدي بجروح حرجة أثناء خروجه من عمله في مدرسة بالقرية في جريمة إطلاق النار على سيارته من قبل ملثمين بتاريخ 19.11.2018.

رحلت عائلة الربيدي من قسيمة الأرض التي نشب الخلاف عليها بين العائلتين، وتوسط العديد من رجال الإصلاح وشيوخ العشائر في النقب بين العائلتين، وتم الاتفاق على هدنة طويلة لا يعتدي فيها أي شخص من الطرفين على الآخر، وبالفعل توقف شلال الدم حتى بعد انتهاء الهدنة لفترة طويلة حتى مقتل سليمان وعزيزة الربيدي، يوم الأربعاء الماضي. 

مكان إطلاق النار الثاني باللقية

ولم تتضح بعد معالم مستقبل الخلاف الذي وصل إلى مراحل صعبة ومتطورة، فيما يرجو أهالي اللقية تهدئة النفوس بعد مقتل سليمان وعزيزة الربيدي، وعدي أبو عمار قي وقت سابق.

ويدرك أهالي النقب أن الوضع في اللقية تفاقم ووصل إلى مرحلة كارثية حيث يساوي القانون العشائري البدوي مقتل امرأة بمقتل أربعة رجال، وسط مخاوف من استمرار لمسلسل سفك الدماء.

هذا واستنكرت عائلة أبو عمار في اللقية الجريمة وعقب الحاج حماد أبو عمار كبير العائلة في حديث لـ" عرب 48 " بالقول: "نحن نرفض هذا الفعل الشنيع ونستنكر الجريمة التي هزتنا جميعًا ونقول إن القتل هو أسوأ الأفعال ولا مكان له بيننا ونرى أن آفة العنف هي مرض يضرب مجتمعنا جميعًا من الشمال حتى الجنوب".

وأضاف أبو عمار " كل المجتمع العربي جسد واحد وأهالي قرية اللقية جسد واحد، لا نرى مجتمعنا عائلات متفرقة بل نرى أننا كيان واحد. الألم الذي يشعر به أي فرد نشعر به جميعًا نرفض القتل ولا نقبل القاتل بيننا".

مكان الجريمة باللقية

تعاني العائلتان من ضائقة سكنية شديدة، وتملكان الأحقية للحصول قسائم بناء للأزواج الشابة، لكن عندما توجهت العائلتان إلى ما تُسمى "دائرة أراضي إسرائيل" وعدت الدائرة العائلتين بإعطائهما قسيمة البناء ذاتها مع علمها بالنتائج الكارثية الممكنة لمثل هذه الممارسة بالنقب، وذلك لحصول عدة حالات عنف وقتل في أعوام سابقة في أعقاب الخلافات بين العائلات على قسائم البناء، وفي ظل التضييق في مسطح اللقية في أعقاب مصادرة وسلب السلطات جزءا كبيرا من الأراضي الموجودة ضمن الخارطة الهيكلية للبلدة، بهدف بناء قاعدة عسكرية (إحدى العائلتين المتنازعتين صودرت أرضها الحالية لبناء القاعدة العسكرية)، وإنشاء مقطع من شارع 6، بالإضافة إلى وجود البلدة الاستيطانية "كرميت"، المقابلة لقرية اللقيّة.