"حرمٌ غير آمن": كيف عالجت جامعة حيفا شكاوى بالتحرش الجنسي؟

"حرمٌ غير آمن": كيف عالجت جامعة حيفا شكاوى بالتحرش الجنسي؟

يتجه الطلاب والطالبات إلى الجامعة طلبًا للعلم والمعرفة، ودخول إطار يُساهم في تطورهم وتقدمهم الشخصي والمجتمعي، لكنهم بالتأكيد لا يذهبون إليها مع توقع مُسبق بأنهم قد يتعرضون للأذى.

ويُفترض بأية مؤسسة تعليمية أن تتخذ جميع الإجراءات التي تضمن سلامة طلابها وطالبتها، خصوصا عند الحديث عن اعتداء يُنفذه محاضر أو مدرس في الجامعة.

وهذا ما لم يحصل في جامعة حيفا، بحسب ما تؤكده جمعية "السوار" التي تنشط في القضايا النسوية، استنادًا إلى شهادات عدّة طالبات توجهن إلى الجمعية للحصول على المساعدة، بعدما تعرضن للتحرش الجنسي من قبل محاضر له مكانة مرموقة في القسم الذي يدرسن فيه (الاسم والقسم محفوظان لدى "عرب 48").

وتعود قضية التحرش إلى عدّة أشهر، عندما توجهت ست طالبات إلى جمعية "السوار"، لتقديم شهاداتهن عن سلوك محاضر في الجامعة، يندرج تحت إطار المضايقات والاعتداءات الجنسية.

وقامت الجمعية التي تدير قسمًا كاملا مختصا بهذه القضايا، على إثر هذه الشكاوى، بإرسال (شكوى) طلبٍ للجامعة باتخاذ إجراءات ضد المحاضر، إذ تقدم "السوار" مختلف أنواع المساعدة للنساء اللواتي يتعرضن لاعتداءات جنسية، وتوفر خط دعم ومساندة للمتوجهات، وتعمل على تقديم الاستشارة القانونية والتوجيه إلى الأماكن العلاجية.

وتضمنت الرسالة الأولى التي أرسلتها الجمعية إلى جامعة حيفا، في 18 نيسان/ أبريل الماضي، عرضًا مفصلا للاعتداءات التي تتضمنها الشكاوى التي وصلت إلى الجمعية ضد المحاضر.

مراسلات في ساعات متأخرة... "أحبك" و"أشتاق إليك"

وبحسب الرسالة التي حصل موقع "عرب 48" على نسخة منها، فإن متطوعة في الجمعية، تنشط بالجامعة، اشتكت لـ"السوار" في آذار/ مارس الماضي، من تعرضها لمضايقات من محاضرها، إذ أنه راسلها في ساعات متأخرة من الليل عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، محاولا تنسيق موعد للقاء دون أن يوضح طبيعته، ما اعتبرته الطالبة توجهًا مشبوهًا بسبب توقيت المراسلة المتأخر، وطبيعتها التي تتخطى التعامل الطبيعي والمُفترض بين المحاضر وطالباته.

ولفتت "السوار" في الرسالة إلى أن هذا الموقف، دفع الطالبة إلى مشاركة صديقاتها بما حصل، لـ"يتضح لها، أنهن أيضًا مررن بمواقف شبيهة وغير مريحة مع المحاضر ذاته".

وذكرت الجمعية في رسالتها، أن هذا حثها على متابعة القضية، والاستماع لشكاوى الطالبات بشكل مباشر، واللواتي قدمن تصوير شاشة لكل المحادثات التي تجاوز فيها المحاضر الحد في التعامل مع الطالبات، عبر التواصل في ساعات متأخرة من الليل، برسائل مزعجة مضمونًا وتوقيتًا، وشملت أحيانًا إيحاءات جنسية، كما أن المحاضر أخبرهن أنه "يحبهن" و"يشتاق إليهن"، وتوجه إليهن بأسئلة عن أمور شخصية وعناوين سكنهن، وإذا ما يرتبطن بعلاقات مع شبان، عبر تطبيق "واتساب" أو البريد الإلكتروني أيضًا.

وأوضحت الرسالة أن ست طالبات توجهن للجمعية فيما رفضت ثلاث طالبات أخريات تقديم شكاوى، خشية من أن يؤدي كشفهن لما تعرضن إليه من قبل المحاضر، إلى تعريضهن للخطر أو مزيد من الأذى، أو دفعه إلى الانتقام منهن.

"وضعيات اعتداء مباشر"

وأخبرت ثلاث من الطالبات "السوار"، أن المحاضر حاول التعرض إليهن جسديًا، في وضعيات اعتداء مباشرة، كوضع يده على كتف إحداهن أو على ساقها، أثناء مقابلتهن بشكل انفرادي في مكتبه طلبًا للاستشارة في موضوع دراستهن أو بالوظيفة النهائية التي ستُقَدَّم له، وهو أمر يضطر جميع الطلاب إلى فعله لإنهاء مسارهم التعليمي.

وقالت طالبة رابعة إنه حاول ملامستها بشكل واضح، ما دفعها إلى الخروج من مكتبه على الفور.

وذكرت "السوار" في رسالتها للجامعة أنه "من محادثات أجريناها مع الطالبات، عبرن فيها بأنهن شعرن بالخوف، وانعدام الأمان الشخصي، والتهديد، والقلق في الجامعة"، موضحات أنهن "حاولن تجاهل وكبت الاعتداءات أو السكوت"، كما أنهن شددن على خشيتهن من دراسة أي مساق آخر عند هذا المحاضر، فقد يتعرضن لاعتداءات جنسية إضافية وأكثر خطرًا".

"تحقيق غير مُصرحّ به ومحاولة إسكات للطالبات"

استجابت الجامعة لمطلب الجمعية بفحص القضية، لتجري المسؤولة عن منع الاعتداءات الجنسية في حرم الجامعة، بروفيسور راحل ليف فيزل، حديثا مع مديرة الجمعية لمياء نعامنة، ومركزة خط الدعم سوار عوض.

وأوضحت عوض أن المسؤولة طرحت "أفكار نمطية" خلال حديثها في هذا الصدد أمامهما، والتي تلخصت بأن ليف فيزل انتقدت الطالبات العربيات بشكل عام والمسلمات بشكل خاص، بأنهن "لا يتحدثن عن الاعتداءات ضدهن"، مشيرة إلى أنها جاهزة إلى معالجة أي توجه.

جامعة حيفا (من الصفحة الرسمية في "فيسبوك")

وأبدت المسؤولة موافقة لفحص الموضوع، إلا أنها اشترطت اللقاء بالطالبات أولا في القسم المسؤول عن منع الاعتداءات الجنسية في حرم الجامعة. وبالفعل، قبلت طالبتان من أصل ست طالبات توجهن للجمعية، بلقائها، لكن فيزل لم تسمح بحضور ممثلة "السوار" في الجلستين والتقت من خلالهما بالطالبتين، كل على حدا.

وقالت مركزة خط الدعم في جمعية "السوار" والمسؤولة عن توفير المساعدة للنساء اللواتي تعرضن لاعتداءات جنسية، سوار عوض، لـ"عرب 48" إن فيزل "حاولت تشكيك الطالبتين بمضمون الشكاوى متسائلة: ’هل تشعرين حقًا بأن ما تعرضتِ له كان بمثابة تحرش جنسي وليس بادرة لطف من المحاضر؟’"، وذلك رغم تقديم الطالبتان أدلة مصورة لأسلوب حديث المحاضر.

وأكدت عوض أولا، أن المسؤولة عن منع الاعتداءات الجنسية في الجامعة، "ليست مخولة" بإجراء تحقيق مع الطالبات أو الطلاب المتوجهين بشكاوى إليها، إذ أن وظيفتها "تقتصر على سماع الأطراف وتقديم المعلومات التي وصلتها إلى رئيس الجامعة، الذي يبت في الموضوع، ولا يحاجج بالادعاءات المذكورة، بل يتخذ إجراءات مثل فصل المحاضر أو عرضه أمام لجنة سلوكية، وهي الجهة المنوطة باستجواب الشابات، وفحص الأدلة بعد سماعها، إذ أن الشرطة لا تتدخل في القضايا التي تحدث داخل إطار الجامعة في حال لم تُقدم لها شكوى".

تعامل غير مهني

وحول تأثير ذلك على الطالبتين، قالت عوض إن المسؤولة "لم تتعامل بطريقة مهنية، بل حققت مع الشابتين بما يتجاوز صلاحياتها، ما صعّب عليهن الحديث عمّا تعرضن له، إذ أنها كانت ’تذنبهن’ و’تشكك بكلامهن’ وحرضتهن على الجمعية الداعمة لهن، والتي توفر لهن الحماية والاستشارة القانونية، والبيئة الآمنة".

وأضافت أن المسؤولة أخبرت الشابتين: "لا تتعاملن مع هذه الجمعية (السوار)، فلديها أجندات خاصة بها، وكأننا نريد أن نوقع بإنسان دون غيره، لكن بالإضافة إلى ما نقلته الطالبات فإن صيت المحاضر في هذا الصدد منتشر بالجامعة على نطاق واسع، أي أنه من المعروف أنه ارتكب تحرشات إضافية".

محاولة ثانية

وأوضحت رسالة أخرى أرسلتها "السوار" اعتراضًا على طريقة تعامل المسؤولة عن منع الاعتداءات الجنسية، مع الطالبتين، أن "الجمعية لديها من دون شك أجندة، شأنها شأن أي تنظيم نسوي يخوض حربًا ضد ظاهرة العنف الموجه ضد النساء، والذي يأتي غالبًا على شكل اعتداءات وتحرشات جنسية"، مؤكدة أن هدف الجمعية هو "دعم النساء للعثور على القوى الكامنة في داخلهن، لمواجهة مع الاعتداء الجنسي، من الناحية النفسية كما القانونية".

"حالته النفسية غير مستقرة"

ولم تكتف المسؤولة بهذا القدر من محاولة التشكيك في كلام الطالبتين، والجهة التي تحاول المساعدة، بل دافعت عن المحاضر قائلة إن حالته النفسية "غير مستقرة"، وإنه قد يؤذي نفسه، ملقية بالمسؤولية على الضحايا، بحسب ما قالته عوض.

ويذكر النص الرسالة أيضا: "شاركت الطالبتان بشجاعة ما حدث معهما في المقابلة مع السيدة فيزل" التي حاولت إقناع الطالبتين بـ"تفهم مصدر تصرفات المحاضر، بل وللتعاطف مع الأزمة النفسية التي يمر بها، بحسب أقوال السيدة ليف فيزل، نتيجة تقديم الشكاوى".

وتعليقًا على هذا الادعاء، شددت عوض على أنه "لا شأن للحالة النفسية بالاعتداءات الجنسية، فالمعتدون ليسوا مرضى نفسيين، بل هم أشخاص قرروا الاعتداء، عن سابق إصرار وترصد، منطلقين من أنهم يملكون الحق بفعل أمور مسيئة وغير قانونية، وأن يعتدوا على غيرهم استنادا إلى نظرة دونية للنساء".

وأشارت إلى أن المحاضر في هذه الحالة "استغل نفوذه للتحرش بالطالبات"، كونه يدرك قوّة منصبه و"سيطرته على مسيرتهن التعليمية".

التبعات النفسية للاعتداء الجنسي

وشرحت عوض أن الأثر النفسي للاعتداء الجنسي، عميق، ويُترجَم بعدّة أشكال، منها الخوف من الحديث عن الموضوع، وانعدام الأمان، وفقدان السيطرة على الحماية الذاتية، ما يدفع الضحايا إلى الاعتقاد بأنهن عرضة للأذى طوال الوقت، بالإضافة إلى شعورهن بالذنب بما تعرضن له.

غادرن الجامعة

وحول الحالة العينية التي تعالجها الجمعية، فقد أوضحت عوض أن بعض الطالبات اللواتي تعرضن لاعتداء هذا المحاضر، "تركن التعليم بسببه، أو حتى قررن عدم العودة للدراسة الجامعية مرّة أخرى"، ناهيك عن الخوف من تقديم شكوى ضده في الجامعة لما لديه من سلطة (مكانة) فيها، كما أن الجامعة قد لا تصدقهن، أو أسوأ من ذلك، فقد لا تتخذ أي إجراء عقابي ضده، مما قد يعود بأفعال انتقامية يقوم بها المحاضر من موقع سلطته، بالتحكم بعلامات الطالبات، وبالتالي تقدمهن في الحياة.

وأضافت عوض أن الطالبات يتجهن إلى الجامعة بهدف تحقيق أحلامهن، ومتابعة مسيرتهن المهنية، مستثمرات طاقات كبيرة بذلك، وتكاليف مادية باهظة ولا "يتوقعن أن يقعن بيدي محاضر يستغل سلطته لكي يخوض في المجال الرمادي من الاعتداء الجنسي، بداية، كتقديم التعليقات الصغيرة ذات الإيحاء الجنسي، ليصل بعدها إلى درجة الاعتداء الجنسي المباشر، محاولا لمس الطالبات، أو أكثر من ذلك... هذا ليس أمرا سهلا".

خوف من الحديث

وفي ما يتعلق بالخوف من الحديث عن الاعتداء، فربما يكون "عرب 48" قد لمسه في هذه القضية، فمن بين جميع المتوجهات للجمعية لم توافق سوى طالبة واحدة على الحديث إلى الموقع، رغم ضمان السرية التامة.

وقالت طالبة  لـ"عرب 48" (الاسم محفوظ بملف التحرير)، إنها كانت أول من قرر اتخاذ خطوة ضد المحاضر، بعدما راسلها في ساعات الليل المتأخرة مستفسرًا عما إذا كانت ترغب بلقائه، وهو تصرف اعتبرته غير لائق، وسألته عما يقصده من وراء سؤاله "متى سنلتقي؟"، ليقوم بدوره بـ"التملص من السؤال قائلا لا شيء".

وأخبرت الطالبة زميلاتها عن الموقف الغريب الذي حدث مع المحاضر، لتكتشف أن كثيرات تعرضن لمواقف تجاوز فيها المحاضر "المنطقة الرمادية للتحرش"، ويُقصد بذلك جميع التصرفات التي لا تصل إلى حد التحرش المباشر، لكنها تلمح لاحتمالية حدوثه.

وقالت لـ"عرب 48"، إنها عندما قررت التوجه إلى المسؤولة في الجامعة أول مرّة، وقدمت لها أدلة، عبارة عن تصوير شاشة من مراسلات بين المحاضر، وعدّة طالبات، لتقوم المسؤولة بدورها بمواجهة المحاضر بما لديها من محادثات، وتُخبر الطالبات زعمه بأنه "لم يقصد شيئًا" وأنه لم يتواصل مع الشابات في ساعات متأخرة إلا لأنه يكون مستمرا بالعمل، وأنه "لم يكن يقصد الإساءة لهن".

وأكدت الطالبة أن المسؤولة حاولت ثنيها عن مواصلة الشكوى التي قدمتها برفقة زميلتها، إذ قالت لها إن "مواجهة المحاضر، جعلته يشعر باستياء كبير وقد ’ينتحر’ بسببه، كما أن عائلته تضررت، وتأثرت سمعته بشكل سيئ، لذا فيجب أن نكتفي عند هذا الحد"، وإن "المحاضرين الذكور باتوا يخافون من التعاملات الطبيعية مع الطالبات بسبب الشكوى التي قدمناها".

وقالت الطالبة: "فليبحث عن علاج لحالته النفسية، ولا يتحرش بنا".

وأشارت الطالبة بشكل خاص إلى أنها كانت قادرة على تحمل اللهجة التي استخدمتها المسؤولة الجامعية معها، لأن ما حدث معها كان في غاية البساطة مقارنة مع ما حدث مع زميلتها التي سمعت الكلام ذاته، لكنها تعرضت لتحرش "لا لبس فيه"، والذي امتنعت عن الحديث عن تفاصيله لأنه لم يحدث معها، وإنما مع صديقتها، مفضلة أن يحصل "عرب 48" على شهادة الطالبة الأخرى بشكل مباشر، لكن الأخيرة فضلت عدم الاستمرار بموضوع الكشف عما تعرضت له، بعد رفض الجامعة معالجة القضية بشكل كاف، وانحيازها للمحاضر.

لكن الطالبة التي تحدثت إلى "عرب 48"، أوضحت أن زميلتها أخبرت فيزل، أنها "مضطرة لتلقي استشارة نفسية لكي تتمكن من التغلب على ما تعرضت له (من قبل المحاضر)، دون أن تكترث المسؤولة لذلك"، وهو ما دفع الطالبتين إلى تعليق الشكوى، خصوصًا أن الجامعة "انتقصت" من صلاحيات المحاضر في القسم، بموافقته، كـ"محاولة للتغطية على الموضوع".

وأشارت الطالبة إلى أن المسؤولة "حاولت التحقيق في الموضوع حتى بعد انتهاء الجلسة"، محاولة التواصل من خلال طرف ثالث مع طالبة أخرى تقول إنها تعرضت لتحرش جنسي مباشر من المحاضر لكنها خشيت من تقديم شكوى، دون "اكتراث لسرية الموضوع أو لحساسيته في المجتمع العربي"، وادعت أنها علمت من زميلاتها اليهوديات أنهن لم يتعرضن للتحرش قطعًا من المحاضر، وأن اللواتي تعرضن لذلك هنّ الشابات العربيات فقط، ما يُشير إلى استغلاله حساسية الموضوع لديهن، ما قد يثنيهن عن الحديث عنه.

وأضافت أن المحاضر استغل المحادثة بينها وبينه، والتي تقع في "المجال الرمادي للتحرش"، أي أنها لم تحتوِ سوى على تلميحات، ليقول "إنه لم يفعل شيئًا، مُظهرًا تصوير شاشة لها (المحادثة) أمام كل من يسأله عن الموضوع، ومتجاهلا عن قصد التطرق إلى شهادات وأدلة أخرى تُعد تحرشًا مباشرًا".

وعن السبب الذي يمنع الجامعة من معاقبة المحاضر، قالت عوض إن "الجامعة، مثلها مثل أي مؤسسة ذكورية أخرى، تريد الحفاظ على سمعتها ومكانتها، ولا ترغب بأن يتحدث الإعلام عن التحرشات الجنسية التي تحدث داخل أروقتها، بل يريد المسؤولون، إسكات هذه الأصوات، إضافة إلى أن الموجودين في مراكز صنع القرار في الجامعة، غالبيتهم من الذكور الذين ربما يشرعون هذه التصرفات، أو يستسهلونها ولا يرون فيها سلوكيات مسيئة تتطلب التعامل معها بجدية تتلاءم مع مدى خطورتها".

تعقيب جامعة حيفا... "هاجس الإثبات"

توجه "عرب 48" باستجواب صحافي للجامعة، للسؤال عمّا إذا كانت قد اتخذت إجراءات ضد المحاضر المذكور وما هي -في حال وُجِدَت-، وهل من صلاحية السيدة فيزال التحقيق مع المشتكيات، وما تعقيبها على محاولات ثنيهن عن تقديم الشكاوى، بحسب الشهادات المقدمة لجمعية "السوار"؟

واكتفى الناطق باسم الجامعة بإرسال رد مقتضب، يُفيد بأن "المسؤولة عن منع التحرش الجنسي، وهي باحثة مشهورة عالميًا في مجال منع التحرش الجنسي، (أجرت) تحقيقًا وفق القانون، ولم تجد أي دليل يثبت الادعاء بحدوث تحرش جنسي".

ويبدو أن الجامعة لم تجتهد فعلا لجمع شهادات المشتكيات، اللواتي فقدن الثقة في إمكانية أن تنصف الجامعة المشتكيات، خصوصًا بعد لقاء طالبتين بالسيدة ليف فيزال.

طُرد من جامعة تل أبيب..  و"يُدرس" في جامعة حيفا

تُسلّط القضية، بغض النظر عن هوية المحاضر عينيًا، الضوء، على كيفية تعامل المؤسسات الأكاديمية مع الشكاوى ضد المحاضرين، التي غالبًا تنتهي فيها الشكاوى إلى لاشيء إن جاز التعبير، وفقط استمرار معاناة الضحايا، وفي حالات نادرة فقط، تُتخذ إجراءات حقيقية ضد المحاضر.

في شهر نيسان/ أبريل 2019، أقالت جامعة تل أبيب محاضرًا عربيًا رفيع المستوى كان يرأس قسمًا فيها، بعد إدانته بالتحرش الجنسي في محكمة سلوكية في الجامعة، وذلك بعد 3 سنوات من تقديم شكوى ضده بالتحرش والاعتداء والابتزاز الجنسي لإحدى طالباته واستغلال منصبه. وطيلة السنوات الثلاث كانت الجامعة تدفع راتبًا شهريًا للمحاضر على الرغم من تعليق عمله طيلة هذه الفترة.

ورغم قرار جامعة تل أبيب طرد هذا المحاضر، والموافقة على نشر اسمه وتفاصيله علنًا في وسائل الإعلام، فإن ذلك لم يردع جامعة حيفا من استمرار نشر اسم وصورة هذا المحاضر في موقعها الرسمي على أنه يدرس فيها، إذ لم تعلن حتى اليوم عن إقالته أو إبعاده عن الجامعة لفترة معينة، خصوصًا أن قرار إقالته من جامعة تل أبيب جاء مع نهاية العام الدراسي الماضي. وقد يعكس ذلك مدى جدية أو عدم جدية الجامعة في تناول قضايا التحرش والاعتداءات الجنسية، رغم أن قضية هذا المحاضر نشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية بالتفصيل، وكشفت عن ابتزاز هذا المحاضر لإحدى طالباته في جامعة تل أبيب التي كان يشرف فيها على رسالة الدكتوراه التي تعدها، وإقامة علاقات جنسية معها حتى في الفترة التي عملت فيها مساعدة له، مستغلا علاقات القوة بينهما كونه مسؤولا عنها وعن مصيرها الأكاديمي الذي يحدده هو، إذ رفض طلبها الانتقال لإتمام الدكتوراه لدى مشرف آخر. 

وكشف الصحافي الاستقصائي في القناة 13 الإسرائيلية، عُمري مانيف، في شهر آب/ أغسطس الماضي، أن المحاضر المذكور ورد اسمه في البرنامج للسنة الأكاديمية الحالية (2019 - 2020) في جامعة حيفا، لكن الجامعة عقبت بأنه "لا يملك كتاب تعيين اليوم"، أي أنها لم تعلن صراحةً إقالته، وقد يكون بإمكانه التدريس في الجامعة كمحاضر ضيف من دون كتاب تعيين.

تقرير مراقب الدولة: "إخفاق خطير"

في العام 2017، نشر مراقب الدولة الإسرائيلي حينها، القاضي يوسف شبيرا، تقريرًا عن معالجة الجامعات والكليات لشكاوى التحرش الجنسي، ووصف تعاملها بأنه "إخفاق خطير" وأشار إلى قصورات عديدة في معالجة هذه الشكاوى ضد أعضاء السلك الجامعي، وأكد أنه لم يتم استنفاد الإجراءات ضد المحاضرين المشتكى عليهم، وأنه في حالات عديدة امتنعت المؤسسات الأكاديمية عن تقديم دعاوى ضد المحاضرين، بل شجعتهم على الخروج إلى التقاعد المبكر بدلا من معاقبتهم.

وأورد شبيرا في تقريره عدة حالات عينية امتنعت فيها الجامعات عن اتخاذ إجراءات ضد المحاضرين المتهمين بالتحرش أو الاعتداء، وجرت معالجة الشكاوى إما بإهمالها أو دفع المحاضر إلى التقاعد المبكر.

وأظهر التقرير أن  19 من أصل 26 مؤسسة أكاديمية، بين الأعوام 2010 حتى 2015، أبلغت المراقب بأنه لم تصلها شكاوى عن تحرش أو اعتداءات جنسية، وفقط 7 مؤسسات أعلنت أنها تلقت 59 شكوى في الفترة المذكورة. الجامعة العبرية في القدس سجلت 26 شكوى، وجامعة تل أبيب سجلت 15 شكاوى، والكلية الأكاديمية الجليل الغربي سجلت 7 شكاوى، وجامعة بن غوريون في بئر السبع سجلت 6 شكاوى، أما جامعة حيفا والمركز الأكاديمي "ليف" وكلية سامي شمعون فقد سجلت 5 شكاوى (أي مجموع الشكاوى في هذه المؤسسات معًا).

وأوضح التقرير أن 24 من هذه الشكاوى لم يتم اتخاذ إجراءات فيها ضد المحاضرين، فيما جرى في 9 حالات، إحالة المحاضرين للتقاعد المبكر أو الفصل من العمل لكن دون اتخاذ إجراءات عقابية داخلية، فيما لم يتم فحص 12 من الشكاوى، أما الشكاوى الثلاث المتبقية، فقد جرت متابعتها بعد بدء مكتب مراقب الدولة بفحص إجراءات الجامعات لمعالجة الشكاوى.

وأكد المراقب أن العدد القليل من الشكاوى لا يعني بالضرورة أن ظاهرة التحرش الجنسي محصورة، بل إنه قد يؤشر أيضًا إلى "انعدام الوعي للتعليمات والإجراءات حسب النظام الداخلي"، والأهم من ذلك أنه يؤشر إلى "انعدام الثقة لدى المشتكين بمعالجة المؤسسات لهذه الشكاوى"، وإلى أن تطبيق الإجراءات بهذه القضايا غير سليم.  

لجان غير حيادية وغير موضوعية

وشكك تقرير المراقب بمدى موضوعية وحيادية التحقيقات، إذ لفت إلى أنه من المحتمل أن يكون أعضاء اللجان السلوكية في الجامعات هم أصدقاء للمشتكى عليهم، أو يعملون معًا في القسم ذاته، أو تربطهم علاقات عمل والتزامات مهنية، ومن شأن ذلك أن يمس في حيادية واستقلالية المحاكم السلوكية في الجامعات.


تتيح جمعية السوار إمكانية التوجه إلى "خط الطوارئ لدعم ضحايا الاعتداءات الجنسية"، ورقمه: 048533044